27/01/2007

      


 
ظاهرة العزوف عن حضور المؤتمرات .. واقع ماله من دافع (2) !؟
 
- من أجل الحقيقة والعدالة ! -
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

 
إن واقع الجماهيرية اليوم – الواقع الفعلي الملموس – هو بلا شك غير الشعارات (المثالية والشكلية) المسموعة والمرفوعة كلافتات في كل مكان ! .. وعندما أحس النظام بأن عدد الحضور في المؤتمرات آخذ ٌ في التناقص المستمر حاول في البداية أن يجعل الأمر إلزاميا ًبقوة الإرهاب والرقابة الثورية الصارمة إلى درجة أن العقيد القذافي - وفي خطاب شهير له أمام فريقه السياسي المسمى حركة اللجان الثورية - ذكر أن من المهام ألأساسية لهذه الحركة فضلا ً عن دفاعها عن نظامه والدعاية له في الداخل والخارج هو جرجرة الناس وكركرتهم غصبا ً عنهم لحضور جلسات المؤتمرات حتى يتعودوا على الحضور !!؟؟ .. نعم أي والله فقد ذكر ذلك حرفيا ً !! .. ثم ولما لم تفلح حتى هذه المحاولة الإرهابية في أقناع الناس – أو بتعبير أدق إجبارهم – على حضور مسرحية المؤتمرات لجأ القذافي إلى أجراءات أخرى لإكراه الناس على الحضور منها التهديد بقطع المرتب عن الموظفين والعاملين إذا لم يحضروا المؤتمر ! .. وكان لزاما ً عليهم إحضار ورقة تثبت أنهم قد حضروا المؤتمر وإلا فرواتبهم لن تُصرف لهم ! .. وكذلك الطلبة في الجامعات أو في المعاهد العليا فهم هُددوا أيامها إذا لم يحضروا ورقة تثبت أنهم حضروا المؤتمرات فلن يتم تسجيل قيدهم في الفصل الجديد !! .. بل حتى كبار السن من (الشياب) و(العجايز) ممن يتقاضون الرواتب الضمانية فرض عليهم أيامها الحضور وإلا سيتم قطع هذه الرواتب عنهم ! .. فكنت أيامها تشاهد الطالب والعامل والموظف والشيخ العجوز والمرأة العجوز يتقاطرون – على عجل وفي خوف - غصبا ً عنهم ! – لمكان إنعقاد المؤتمر لأخذ ورقة الإثبات تلك ومن ثم الإنصراف على الفور في حال سبيلهم !! .. وقد عايشت هذه المسألة بنفسي عندما كنت طالبا ً في جامعة ( النجم الصاعد ) وكذلك أيام دراستي في المعهد العالي للكهرباء فقد كان لزاما ً علينا أيامها إحضار هذه الورقة – ورقة حضور المؤتمر – كي نتمكن من التسجيل في الفصل التالي فضلا ً عن ورقة التدريب العسكري الصيفي الذي كان يفرض علينا أيامها ويحرمنا من الإستمتاع بالإجازة الصيفية وما نلقاه من مهانة وعنت خلال هذه المعسكرات الصيفية البائسة التي لاجدوى منها ولا معنى لها – بالطريقة التي كانت سائدة أيامها – إلا تحطيم الشعور بالكرامة وكسر شوكة الرجال وتعويدهم على الإذلال والكفر بالخدمة الوطنية !! .. وكان الكثير من الطلبة بالطبع لا يحضرون وإنما يعتمدون على واسطة أقاربهم في أمانات المؤتمرات وفي المعسكرات لتزويدهم بورقة حضور المؤتمر أو المعسكر دون أن يكونوا قد حضور بالفعل ولا هم يحزنون ! .. ولكنني في الحقيقة كنت أحضر أحيانا ًجلسات المؤتمر سواء في أجدابيا او في بنغازي بواعز فضولي معرفي بحت وهو مراقبة الواقع العملي لهذه النظرية وعن كثب ومن خلال الممارسة ! .. هذه (النظرية) التي إطلعت على طروحاتها وشروحاتها بشكل جيد وتفصيلي من خلال القراءة والدراسة أكثر من مرة وأعجبت أيامها بشعاراتها الطوباوية (الساذجة) كإعجابي أيامها بالتوجهات الإشتراكية ذات التأصيل الإسلامي !.
 
واليوم وبعد كم هائل من عمليات التجريب و الفك والتركيب والمسح والتقليب في هياكل المؤتمرات وفي شكل ومساحة تنظيمها الإداري وكذا في الأسماء والمسميات مما أدى إلى مزيد من الفوضى الإدارية وأنعدام الثبات في الإجراءات وفي الإستقرار الإداري في البلد على مستوى المحليات والبلديات هاهو القذافي يعود إلى لهجة تهديد الشعب بالحرمان من السلع التموينية المدعومة من الدولة إذا لم يحضروا جلسات موتمرات الكومونات المحليه ! .. فقد أضاف القذافي اليوم وحدة أخرى صغيرة جدا من وحدات المؤتمرات والتقسيمات الإدارية الدنيا أسماها (الكومونات) وهو أسم غير عربي بالطبع (!!؟؟) مع أن النظام يمنع الإسماء غير العربية في الإجراءات الرسمية !!؟ .. والواقع أن القذافي وإن كان يدعي أن هذه الوحدة الأساسية الجديدة الصغيرة الهدف منها أن يتمكن كل 100 مواطن من سكان كل محلة أن يشاركوا في مناقشة وإصدار القرارات إلا أن السبب الحقيقي قد لايكون هو هذا السبب بالفعل .. فالبعض يقول أن السبب الأساسي من تفتيت المؤتمرات الشعبية الأساسية – وهي الوحدة ألأساسية حسب النظرية – إلى (كومونات) يكمن في أمرين:
 
الأمر الأول: متعلق بالناحية الدعائية الإعلامية لمسرحية السلطة الشعبية.. أي لزوم الصورة !! .. فالهدف هنا هو التغطية على ضآلة عدد الحضور ففي الواقع أن معظم المؤتمرات الأساسية كان عدد الحاضرين فيها لا يتجاوز هذا العدد (100) عضو – في أحسن ألأحوال !- كما هو مشاهد في جلسات المؤتمرات المنقولة من خلال وسائل إعلام النظام وكما لاحظت بنفسي في أجدابيا وبنغازي .. ولذلك كان يطلب منا حينما يريدون تصوير جلسات المؤتمر أن لا نجلس متجاورين في القاعة بل يجلس كل فرد منا في مقعد ويترك عدد من المقاعد خالية كي لاتظهر القاعة من خلال الصورة فارغة !! .
 
الأمر الثاني: متعلق بالهاجس ألأمني المسيطر على النظام وخوفه الدائم من (التجمعات الجماهيرية الكبيرة والحاشدة) التي يخشى أن تتحول في المستقبل إلى مظاهرات شعبية غير متوقعة ضده كما حصل في أكثر من بلد ومناسبة سواء أكان هذا التجمع شعبي أو رياضي أو غيره بل إن السبب الحقيقي في إقامة جامعة أو كليات في كل مدينة ليبية هو رغبة النظام في عدم تجمع عدد هائل من الطلاب في المدن الكبرى فهم يشكلون قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة وبشكل غير متوقع في وجه النظام كما إنفجرت المسيرة التي إحتشدت أمام القنصلية الإيطالية في بنغازي وتحولت إلى مظاهرة ضد النظام !! .
 
إن ظاهرة عزوف الليبيين عن حضور المؤتمرات من المرشح أنها ستزداد وهي تقلق بال النظام بشكل جدي لأن مسرحية السلطة الشعبية المباشرة هي (الغطاء الأيديولوجي والرسمي) الذي يمرر العقيد القذافي من خلاله وتحته صلاحياته الثورية الشمولية المطلقة والإمتيازات المادية الضخمة التي يستمتع بها هو وأفراد عائلته وبعض من أفراد عشيرته ومجموعته الموالية له من كبار الضباط والتكنوقراط (قططه السمان) ! .. وبدون هذا الغطاء يصبح الأخ العقيد سلطانا عريانا بشكل مكشوف ! .. ومن ثم لابد من الإبقاء على هذا الغطاء كضرورة أمنية للنظام وليس من المتوقع أن يتخلى القذافي عن هذا الغطاء الفضفاض أبدا في حياته وإلا فكيف سيكون موقفه من الإعراب وبأي غطاء وثوب سيخرج إلى الناس !!؟؟ .. ولكن الأبناء سيفعلون ذلك حتما ً .. أعني إستبدال هذا الغطاء الفضفاض المهترئ والمستهلك بثوب وغطاء آخر جديد ! .. فهم سيتخلصون من هذا الغطاء القديم (الشعبي الثوري) (سلطة الشعب) الذي كان أيوهم يمارس من تحته كل هذه الصلاحيات الواسعة والمطلقة بعدما يتمكنون من إختلاق غطاء سياسي ورسمي جديد (وطني دستوري) يضمنون من خلاله المحافظة على (الملك الشمولي المطلق) الذي ورثوه عن أبيه والذي تحميه بقوة السلاح وبشكل أساسي (عصبة القذاذفة) ومن والهم من (الحرس القديم) فضلا ً عن (الحرس الجديد) من القطط غير السمان الطامحة للوصول إلى السمنة والحصول على أكبر قدر ممكن من (الزيت والدهون) ! .. ولكنهم – أي هؤلاء الأبناء – قد يرضخون لمطالب القوى الوطنية – من باب الواقعية السياسية – ومن أجل عدم فقدان كل شئ - ويتنازلون عن (شئ) من هذا (الملك الشمولي المطلق) الذي ورثوه – بحكم الواقع – من أبيهم بعد وفاته ! .. أما في عهد القذافي الأب فلا أعتقد أن التخلي عن هذا (الغطاء الرسمي) – أكذوبة سلطة الشعب – ممكنا بحال من الأحوال إلا في حالة واحدة فقط وهي حالة حدوث ثورة شعبية عارمة في أكثر من مدينة ليبية – وهو أمر إن كان مستبعدا ً فليس مستحيلا ً – بحيث تهدد هذه (الثورة) النظام وتجبر العقيد القذافي على القبول بإجراء تغيرات جذرية في شكل وهياكل النظام .. هذا إن لم تجبره هذه الثورة الشعبية على (التنحي) أو تضطره – إذا أحس بالخطر – إلى الهروب هو وأفراد عائلته تاركين قططهم السمان وأدوات النظام إلى مصيرهم البائس في مواجهة الشعب الغاضب !!؟؟ .
 
سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk

 

راجع الجزء الأول

 

أرشيف الكاتب

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com