30/01/2007

      


 
القذافي .. والعريبات .. وبيع اللبن !؟؟
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

 
في توجيهاته للشعب الليبي – وهي بالمناسبة توجيهات ملزمة لهذا الشعب نفسه بحكم الشرعية الثورية !؟ - كان العقيد القذافي يخاطب الليبيين ويكأنهم ليسوا سوى قطعان من الهمج البدو الخارجين لتوهم من البادية ومن بيوت الشعر والخيام ! .. فأخذ يحدثهم عن الذوق والأدب الذي يجب عليهم أن يتحلوا به في المدن وفي هذا العصر وأحيانا ً كان يقرعهم كما يقرع (الأخ الأكبر) – بكل شدة - أخوته الصغار القصر الذين يعتقد بأنهم لا يعرفون مصلحتهم لا من حيث تصرفهم في أموالهم ولا من حيث السلوك المتمدن ! .. والغريب أن بعض التبع والإمعات والأرقام ممن يمدون وجوههم أمامه وهو يقرعهم بمزيج من التهكم والإحتقار ويتهمهم بالهمجية والرجعية بل والسفاهة في تصرفاتهم المالية نراهم يصفقون له !!؟؟ .. والأغرب من هذه كله وهو من يدعي أنه يرشدنا ويعلمنا السلوك الحضاري المتمدن السليم نجده لا يراعي الإصول الأدبية العامة وقواعد الذوق الواجب إحترامها والتقيد بها عند مخاطبة (الزعيم) و(القايد) لشعبه ومندوبي الشعب ! .. كما ستلاحظ في هذا الشريط المسموع ! .
 
فهو – وياللغرابة ! - كان بصدد تذكير الليبيين بمقتضيات التمدن والتحضر – التي لم يلتزم بها هو أصلا ً في سلوكه السياسي لا داخليا ً مع شعبه ومع معارضيه السياسيين أو حتى معارضيه في الأراء الفكريه ولا في تصرفاته الخارجية وفي المحافل الرسمية العربية والدوليه ! .
 
وأخذ يشرح لنا وللشعب الليبي – على الهواء – في حديث طويل وممل - ما أسماه بضريبة التحضر والتمدن الواجب على الشعب الليبي دفعها بالضرورة محاولا ً أن ينبهنا أن الدنيا قد تغيرت كأنه هو من إخترع العجلة أو المصباح الكهربي أو إكتشف قوة البخار وإخترع القطار ! .. ويالته ينتبه هو أولا ً لهذا الأمر ! .. ويعرف حقيقة السلوك المتمدن والمتحضر على الأقل في المجال السياسي والدبلوماسي أو على ألأقل في طريقة ومقتضيات وأداب مخاطبة الزعيم لشعبه ومايتطلبه هذا الأمر من الإحترام – إحترام كرامة الناس وإحترام مشاعرهم وإحترام عقولهم أيضا ً .. لا كمن يخاطب الجهلاء والسفهاء القُصر الذين لا يعرفون مصلحتهم ولا يعرفون الجار من المجرور والفاعل من المفعول !! .. دون أن يكلف نفسه بأن يسألها أو تسأله لماذا ياترى تردى مستوى العلم والثقافة بل والأخلاق والذوق العام إلى هذه الدرجة في ليبيا – وخصوصا ً في المدن - وماهي حقيقة وسر إنتشار كل هذا النفاق والشقاق وسوء الأخلاق وكل هذا الفساد في ربوع البلاد !؟ .. ومن المسؤول عن ذلك بالدرجة الأولى والأساسية !؟ .
 
وهنا في هذا الموقف كان القذافي يقارن بين حياة البداوة وحياة الحضارة وكيف أن الماء اليوم أصبح في المدينة يباع وقد كان من العيب بيعه في الماضي ثم خطر له فجأة مثلا آخر وهو (اللبن) فذكر أن اللبن كان قديما ً في ليبيا وعند البادية لا يباع (!!؟؟) بل كان أهل البادية يقدمون الماء واللبن والخبز لكل عابر سبيل أو ضيف أو لكل جار بدون مقابل ! .. ثم قال بشئ من الإستهزاء والسخرية : (واليوم اللبن يباع !) ثم إنفجر ضاحكا ً يقهقه وهو يردد (والله عندنا هذي عيب واحد يبيع اللبن) ! .. ثم أشار وهو يقهقه ضاحكا ً إلى (مبارك الشامخ) قائلا ً (آهو مبارك عارف) !!؟؟ ... وبالطبع فإن من ليس لديه (خلفية) حول هذا الموضوع لن يفهم لماذا يضحك القذافي ؟ وماذا قد دار بخلده عندما ضرب هذا المثل حتى ضحك كل هذا الضحك !؟ .
 
والسبب يرتبط بقبيلة (العريبات) !!؟؟ .. وهي إحدى قبائل البادية التي تقطن في شرق ليبيا حيث يقال أن بعض أفرادها هم أول من قام ببيع اللبن (الحليب الرايب) في السوق وللناس .. ولأن هذا الأمر كان في حينها أمرا ً غير مألوف وغير معتاد فقد أعتبر يومها من الإمور المستقبحه والمخالفة لأعراف البادية !!؟؟ .. ومن ثم أصبح أهل البادية يتندرون بهذا الأمر ويعيرون به أفراد هذه القبيلة الكريمة التي لا يمكن لأحد أن ينكر دورها في معارك الجهاد ضد الطليان وقد كاد القذافي أن يذكر هذا الأمر في غمرة سخريته وضحكه لولا أن الله ستر ! .. ولكن حالة الضحك والإستهزاء التي إعترته وهو يتحدث حول (بيع اللبن) جعلت كل من يعرف خلفية هذا الموضوع يعرف بشكل قطعي لماذا كان القذافي يضحك ساخرا ً مع كل هذه القهقهه !! .. وإلى من وماذا كان يـُوميئ بقوله أن الشامخ عارف !؟ .
 
وبغض النظر عن هذا الموضوع الذي يتندر به البعض في حق هذه القبيلة الأصيلة الكريمة ومامدى صحته ومن كان وراء تضخيمه ونشره وترويجه إلى هذه الدرجة !؟ .. خصوصا وأنه لايتصور عقلا ً أن قبيلة كاملة أو معظمها تقوم ببيع اللبن !!؟؟ .. خصوصا ً في زمن يعتبر فيه الناس – وخاصة البادية - هذا الفعل من خوارم المروءه ! .. وهل تم تضخيم هذا الأمر بفعل القبائل الأخرى المجاورة والمنافسة لهذه القبيلة أم جاء هذا التضخيم على خلفية الحساسية الخاصة الموجودة بين البدو والحضر في مدينة بنغازي !؟ .... فبغض النظر عن حقيقة هذا الموضوع إلا أنه من المؤكد أن هذا الموضوع بالفعل وبالذات هو ما كان وراء حالة الضحك التي إنتابت العقيد القذافي أثناء حديثه أمام مندوبي الشعب دون أن يشاركه الجهمور فيها !!؟؟ .. وعموما ً فهذا الشريط المرفق هو جزء من خطاب العقيد القذافي في جلسة مؤتمر الشعب العام الأخير والتي إنعقدت يوم الأحد 21 يناير 2007 قمت ببعض الإضافات والتعديلات الفنية عليه لرسم صورة ساخرة وطريفة (كاريكاتيريه) لهذا الموقف ولحديث (الأخ القايد) الذي يختلط فيه الجد بالهزل .. والخيال بالواقع .. والحقائق بالأوهام .. وشعارات التمدن بتصرفات التخلف ! .. ويغلب عليه بشكل دائم طابع الإرتجال واللامعقول واللامقبول في كثير من الأحيان ! .. في حين أن (الزعامة) الحقيقية تتطلب من الزعيم الحقيقي والقايد الوطني الجاد فضلا ً عن الأمانة والإتزان والإنضباط أن يخاطب شعبه – ومندوبي هذا الشعب – بكل جدية ومسؤولية وأحترام وبشيئ من التوقير ! .. وهو مالم نلحظه في خطابات ومداخلات (الأخ القائد ) بل العكس هو ماغلب على طريقة مخاطبته للشعب الليبي إلى درجة أنه ذات مرة – وللغرابة ! – وفي أواخر الثمانييات (عام 1989 تقريبا) عقب لقاءه بالرئيس المصري – وكما شاهدت بنفسي - نشر صورة بطن حذاء من الأسفل في وجه الشعب الليبي من خلال شاشة القناة الرسمية للنظام (؟؟؟؟) وظل بث هذه الصورة المرسومة بخط اليد على ورقة بيضاء لمدة ساعات طوال بلا إنقطاع ودون أي تفسير أو أي تعليق يوضح لنا وللشعب الليبي وللتاريخ ما الهدف ؟ ومن المستهدف ؟ من هذا العمل الإجرامي الصفيق إلى يومنا هذا الذي أخط فيه هذه الكلمات ! .
 

إستمع للملف الصوتي

 

سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk

 


(*) أرجو أن لا يتهمني أحد بأنني أقصد التعرض لقبيلة العريبات الكريمة ولكن الهدف هنا هو بيان حقيقة وأسرار الكثير من تصرفات العقيد القذافي أمام جمهور الشعب .. هذه التصرفات التي للأسف الشديد كثيرا ما تغيب عن بال الكثيرين ومن ثم فإن من مهام الصحفي أو المراقب والمحلل والمثقف السياسي أن يمد الجمهور بأسرار هذه التصرفات ما ظهر منها وما بطن ! .. وأنا بالطبع أتعرض هنا لشخصية عامة بالنقد والتحليل وليس المقصود تجريح الأشخاص أو الحط من كرامتهم أو أدميتهم إذ أنه من المعروف أن على كل من يريد أن يتصدى للشأن العام أو يشغل وظيفة قيادية عامة في الدولة أن يتوقع أن يوجه إليه خصومه السياسين والمراقبين السياسين إنتقادات قد يكون بعضها لاذعا ً وموجعا ً ومن لايستطيع أن يصبر على هذا الأمر وهذا النقد السياسي فليقعد في بيته ولتسعه حياته الخاصة أما الحياة العامة فلا مفر من المعارضة والنقد بل وأحيانا ً التشهير !؟؟ .
 
 

أرشيف الكاتب

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com