استهلال :
ان العولمة من أكثر القضايا تداولا واثارة للجدل في ساحة
الفكر راهنا، مع أن الظاهرة التي تضاربت حولها الآراء ليست حديثة بالدرجة
التي قد توحي بها حداثة هذا اللفظ،كما أن العولمة لم تزل مصطلحا ومضمونا في
طور الغرابة ولم تعرف بعد الاستقرار. ان تناول اشكالية العولمة يقتضي الوقوف
على طبيعة الظاهرة وأبعادها وتحديد مدلولاتها والأدوار التي تنهض من أجلها
ويتطلب توخي الفطنة والحذر والاحتراس من الوقوع في الوهم والتنبه عند كل وضع
قد يؤدي الى اغتراب الانسان وفقدان كرامته.وهذا الأمر لا يكون الا بتشخيص
المفارقات واثارة الاشكاليات وبالارتقاء الى تفكير ثان يضاد التفكير الأول،
والصعود من مجرد المعرفة الى أسسها وتعقب ملابسات ظهورها وشروط تكونها في
غاية التعقب ،كما ينبغي أن يتحرى الفكر في ما تعد به العولمة من رفاه وتقدم
ومنافع،ويحقق ويدقق فيما يخفيه هذا التقدم من توحش ،وهذا الرفاه من بؤس وفقر،
وهذه المنافع من أخطار وذلك بالتلفت الى الأسئلة التالية وبذل الجهد لحلها:
ما العولمة؟عما تسائلنا وماذا تطرح علينا من تحديات؟ كيف تكونت العولمة؟ وما
السبيل الى فهم شروط امكان حدوثها ؟ هل هي ظاهرة قديمة أم جديدة ؟ ما الذي
يجري عولمته الاتصال أم الاقتصاد, السياسة أم الثقافة؟ ما هي تجليات العولمة؟
وأين الحقيقة والوهم فيما تعد به؟ ألا تخفي العولمة عدة مفارقات وتثير عدة
احراجات؟ أليست العولمة تراجع في قوة الدولة أم تغيير في الوظيفة؟ هل تعد
بدولة الرفاه والديمقراطية أم أنتجت دولة رخوة في طريقها الى الاضمحلال؟ ما
الفرق بين العولمة 'globalisation والعالمية 'mondialisation ؟ ألا تعمد
العولمة الى نفي الآخر وتهذب الاختراق الثقافي وتعكس ارادة الهيمنة على
العالم؟هل يمكن بناء ثقافة عالمية واحدة أم ينبغي المحافظة على خصوصية
الثقافات واستقلالية الهويات؟ هل العولمة قدر لا نقدر على الحذر منه وتفاديه؟
واذا كانت الدولة لا يعول عليها في مقاومة العولمة فمن يا ترى قادر على ذلك؟
ألا يؤدي الهجوم 'الاستقطابي ' للعولمة الى التقوقع في الهوية والتشبث
بالثقافة الوطنية؟
ان ما هو في ميزان الفكر هو تخلص الانسان من أوهام العولمة
وتمكينه من منافعها وايجابياتها دون تحويله الى منتوج جديد ضمن منتوجاتها
المعروضة للبيع والشراء.
Ι/تاريخ تكون العولمة :
ان للعولمة تاريخا قديما وبالتالي فهي ليست ظاهرة جديدة ولم
تنتشر وتذيع عن شمولية الحداثة في العالم .فالمكونات الأساسية لهذه الظاهرة
موجودة منذ بداية التاريخ وخاصة سواء نبذ العزلة والتعصب والميل الى التعاون
والتواصل مع الآخر والالتقاء به، وبالتالي فهي تطرح في اطار علاقة الفردية
بالانسانية والهوية بالكونية.زد على ذلك أن العناصر الأساسية في فكر العولمة
هي ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم سواء المتمثلة في تبادل السلع
والخدمات أو في انتقال رؤوس الأموال أو في انتشار الأفكار والمعلومات أو في
تأثر أمة بقيم وعادات غيرها من الأمم, وهي تجربة يعرفها العالم منذ عدة قرون
باستثناء فترات قصيرة للغاية مالت خلالها بعض الدول الى الانكفاء مع ذاتها
وفضلت أن تعزل نفسها عن العالم لسبب أو لآخر.ويعتقد البعض أن الظاهرة بدأت
منذ الاكتشافات الجغرافية في أواخر القرن 15 عندما بدأت العلاقات الاقتصادية
والثقافية بين الدول و الأمم تزداد قوة .
وقد اقترنت بزيادة الانتاجية وتوسيع نطاق السوق ليشمل الأمة
بأسرها بعد أن كان محدودا بحدود المقاطعة، فحلت الدولة محل الاقطاعية والملك
محل السيد الاقطاعي وأصبح الولاء للدولة والملك محل الولاء للمقاطعة أو للسيد.
هكذا ترتبط ظاهرة العولمة في بدايتها ومستقبلها بتقدم تكنولوجية الاتصال
والتجارة،انطلقت مع اختراع البوصلة والآلة البخارية وترسخت بفعل الأقمار
الصناعية والآلة الحاسبة.
لقد كان نمو الانتاجية وحجم التبادل في السوق ضروريا لنشأة
الدولة ونمو قوتها وقد تطلب غزو أسواق خارجية،الأمر الذي استوجب أن يكون
للدولة جيش قوي لحماية الأسواق الخارجية والمستعمرات.ولكن النمو في حجم السوق
هو الذي حتم بدوره بداية التضاؤل في القوة الدولية،اذ حلت اليوم الشركة
المتعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة،والسبب يكمن في أن التقدم التقني
وزيادة الانتاج اقتضت ايجاد أسواق أوسع تتجاوز حدود الدولة القومية وتروج ليس
فقط عناصر الانتاج بل الأفكار والمعلومات. وأصبح بامكانها التوريد والتصدير
والاستثمار واقتراض اجراءات اقتصادية ومالية قادرة على القفز فوق أسوار
الدولة [توجد اليوم علامة على تطور العولمة وهي سهولة حركة الانسان
والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني].
لقد مرت عملية تشكل العولمة بعدة مراحل:
1/ مرحلة التشكل و النشوء :
بدأت العولمة منذ القرن الخامس عشر حين شهدت هذه المرحلة نمو
المجتمعات القومية وانهيار القيود الوسطى،وخاصة تراجع دور الأديان وسيادة
الأفكار الخاصة بالفرد والانسانية باندلاع الثورة العلمية واعتماد التقويم
الغريغوري وانفتاح الاطار الجغرافي للعالم بفضل الرحلات المكوكية واكتشاف
العالم الجديد .
2/مرحلة الانطلاق والتطور:
استمرت في القرن 18 و19 وبداية القرن 20 عندما حدث تحول حاد
في فكرة الدولة المتجانسة الموحدة، وبدأت تظهر المفاهيم الخاصة بالعلاقات
الدولية وبالأفراد باعتبارهم مواطنين لهم أوضاع مقننة في الدولة ونشأ مفهوم
أكثر تحديدا للانسانية وانتشرت الأحلاف والاتفاقات الدولية وطرحت مشكلة قبول
المجتمعات غير الأوروبية في المجتمع الدولي، وظهرت مفاهيم القومية والعالمية
وتمت بعض المنافسات الكونية مثل الألعاب الاولمبية وجوائز نوبل،وتم تطبيق
فكرة الزمن العالمي. ووقعت الحرب العالمية الاولى والثانية ونشأت عصبة الأمم
المتحدة وظهرت المجتمعات القومية.
3/مرحلة التنظيم و الاكتساح :
حدث تطور هائل في عدد وسرعة الأشكال الكونية للاتصال ،وتصاعد
الوعي الكوني وتم ادماج العالم الثالث في المجتمع العالمي، وبدأت الخلافات
والحروب الكونية حول المصطلحات الناشئة الخاصة بعملية العولمة وصور الحياة
وأشكالها المختلفة تظهر وتبرز للعيان. وزادت الى حد كبير المؤسسات الكونية
والحركات العالمية وطرحت مشكلة تعدد الثقافات والأقليات داخل المجتمع
نفسه، وظهرت حركة الحقوق المدنية التي تجاوزت فكرة القومية وزاد الاهتمام في
هذه المرحلة بالمجتمع المدني العالمي والمواطنية العالمية، وتم تدعيم نظام
الاعلام العالمي وظهرت الأنترانات والأقمار الصناعية والفضائية والهاتف
الجوال والحواسيب وكل أنواع الاتصال الحديث. فهل كان اعلان الولايات المتحدة
عام 1971 القاضي بتحويل الدولار الى ذهب وانهيار نظام بريتون وودز هو البداية
الفعلية للعولمة ؟
ІІ/ تجليات العولمة :
"العولمة نظام يمكن الأقوياء من فرض الدكتاتوريات اللاإنسانية
التي تسمح بافتراس المستضعفين بذريعة التبادل الحر وحرية السوق"[1]
ليست العولمة مجرد مفهوم بل هي عملية مستمرة ومعقدة تحدث في
مجال السياسة الاقتصادية والثقافية والاتصال. يصعب تعريفها بدقة لسرعة انجازها
ولتدخل الظروف والعوامل المنتجة لها؛ ولكن يمكن رصد العولمة من خلال تجلياتها
وبالبصمات التي تتركها في الحياة اليومية.
1/ تجليات سياسية :
بروز السلطوية والشمولية وتراجع مقولات الديمقراطية والتعددية
السياسية وتقلص عدد المتحمسين لمبادئ حقوق الانسان وتكاثر عمليات انتهاك
المواثيق الدولية. كما أن فكرة السيادة الوطنية بدأت تفقد من قيمتها؛وبدأت
الدول القومية تعيش أزمة تبعية للرأسمال العالمي ولدول المركز. بل ان السلطة
انتقلت من مركزها السياسي التقليدي وهي الدولة الى مركز جديد اقتصادي هو
السوق، وتراجعت قوة الدولة الوطنية أمام قوة رجال المال بحيث صرنا نتحدث عن
الدولة الرخوة التي غيرت وظيفتها من السيادة والتحكم والمبادرة الى التنظيم
والتوجيه والمسايرة.
والحق أن العولمة تثير مفارقة على الصعيد السياسي تتمثل في
التلويح باحياء المجتمع المدني في مواجهة الدولة التي غزت المجال العام، ولم
تترك الا مساحة ضيقة للمجال الخاص. وفي الوقت الذي تبشر فيه بالديمقراطية
والليبرالية وحقوق الانسان وحرية الفرد والحريات العامة فهي تغض الطرف عن
انتهاك هذه القيم من طرف دول المركز. ويصور البعض العولمة على أنها تحرر من
رقبة الدول القومية الى أفق الانسانية الواسع. ولكنهم لم يعوا أن الدولة كانت
ولازالت أداة الطبقات المسيطرة لقهر الطبقات الاخرى، وهي دائما وسيلة الطبقات
المسيطرة في تحقيق تلك الأهداف باستخدام أشكال معلومة من القهر.
ولما لم يكن قيام الدولة بخدمة الطبقات المسيطرة يتطلب دائما
الأعمال نفسها، فان وظائف الدولة تتغير بتغير العصور. وبعدما كانت الدولة
تدخل في عملية الانتاج نفسها بتوحيد السوق القومية وازالة العقبات القائمة
أمام انتقال البضائع وتوفير الأمن.لذلك تراجع دورها في عصر العولمة لتترك
القرارات لأرباب العمل أنفسهم ولم تعد تحمي منتاجاتها من المنافسة الخارجية
أو تعيد توزيع المداخيل لصالح الطبقات الدنيا للحد من الفقر والتضخم ، بل
أصبح من مهامها خدمة المصاح الحديثة للطبقات المسيطرة والشركات المتعددة
الجنسيات والرأسمال العالمي وأصبح من الضروري أن ترخي الدولة قبضتها شيئا
فشيئا على الاقتصاد والمجتمع تحقيقا لمصالح هذه الشركات، وأن تتقلص مركزية
الدولة وتبدأ العودة الى احياء المجتمعات المحلية.
ان ما يثير الدهشة حقا أن دولة الرفاه الرخوة ارتبط ظهورها في
العالم المتقدم بظهور الأجهزة القوية في العالم المتخلف التي تهدم الأسوار
العالية التي كانت سدا منيعا أمام المشروع الرأسمالي العالمي.و في العالم
الثالث هذه الدولة القوية لا تبنى وانما تفكك وتترك مهمة البناء لغيرها ،أي
للشركات العملاقة متعددة الجنسيات في ظل استقطاب سياسي عالمي لا مثيل له في
التاريخ. هكذا" تعبر العولمة عن حقبة التحول الرأسمالي العميق للانسانية
جمعاء في ظل هيمنة دول المركز،وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ
"[2] ,فكيف تميزت العولمة في المجال الاقتصادي بالاستغلال والاغتراب ؟
2/تجليات اقتصادية :
لقد أخذت العولمة مجراها الطبيعي وأدت الى نشوء نمط انتاج
واحد يسيطر في كل مكان من بلدان العالم له قواه المنتجة وله علاقات انتاجه
الملائمة والمتميزة وله دائرته التبادلية التجارية الملائمة وباختصار فان
العولمة هي تسليع كل شيء من خلال انتصار لنمط معين من انتاج الثروة وتوزيعها
في كل مكان على سطح الكرة الأرضية .
ان ظاهرة العولمة التي نعيشها الآن هي عملية نقل دائرة الانتاج الرأسمالي الى
الأطراف بعد حصرها في المدة السابقة كليا في مجتمعات المركز ودوله. وتتميز
هذه الظاهرة بأربعة عمليات اقتصادية أساسية :
1- التزايد السريع في الاكتشافات
العلمية والتطور التقني الكبير.
2- ارتفاع حدة المنافسة بين القوى
العظمى والشركات العملاقة متعددة الجنسيات والرساميل العابرة للقارات.
3- انتشار عولمة الانتاج والتبادل
والتحديث.
4- تداخل الصناعات عبر الحدود
وانتشار أسواق التمويل وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول.
غني عن البيان أن العولمة هي زيادة درجة الارتباط المتبادل
بين المجتمعات الانسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الاموال القوى
العالمية،وتغير هيكل الاقتصاد العالمي وسياسات التنمية.ولقد تمت عولمة النشاط
المالي واندماج أسواق المال وذلك بالاعتماد على آليتين هما التجارة الدولية
والاستثمار الاجنبي .فاذا كانت الرأسمالية دوما نظاما عالميا، فان مرحلة
العولمة ليست أكثر من تكثيف وتسريع وتشديد لعلاقات التبادل الدولية ،واذا
قسمنا العالم على مستوى اقتصادي الى بلدان أطراف وبلدان مركز،فاننا نجد
اختلافا بين عولمة بلدان المركز وعولمة بلدان الأطراف.
* تعني العولمة في المركز الاستفادة القصوى من الأسواق
الواسعة والآخذة في التشكل في بلدان الأطراف وخاصة حول مراكز الاستثمار
الانتاجي الجديد، كما أن السلع المنتجة نفسها قد تعولمت ومواصفاتها لم تعد
مرتبطة باللدان المعدة لها ،بل هي في علاقة بالماركات وأسماء الشركات الكبرى
متعددة الاختصاصات، ويمكن أن نسجل تحولات بالنسبة للعولمة في المركز في طريقة
الاستقطاب والانتشار وفي نمط استغلال الأطراف،فلم تعد دول المركز تنهب الفائض
الاقتصادي للأطراف عبر التبادل التجاري غير المتكافئ و ترويج الأسلحة والحصول
على مواد خام وطاقة رخيصة ويد عاملة زهيدة من الاطراف،بل أخذت تنتج فائض قيمة
محليا لتنقله بعد ذلك حيث تشاء عبر آلياتها وميكانيزماتها المعقدة وتبحث عن
مصادر جديدة ورخيصة لقوة العمل مدعومة بجيش لعمل الاحتياطي المتوفر والمتشكل
من قبل. في ظل عولمة المركز هذه لم تعد عوامل الانتاج تقتصر على الأرض ودخلها
أو الريع العقاري ولا على الرأسمال ودخله الربح أو العمل ودخله هو ريع
الابتكار.
* أما العولمة في الأطراف فتعني القضاء على كل أشكال الانتاج
غير الرأسمالية وتصفية شروطها لصالح سيادة الشكل الرأسمالي والتسريع في حجم
الطاقات البشرية في الأطراف التي تعمل وتنتج وتستهلك.
هكذا تعمل العولمة على تحويل كل المنتجين المباشرين في
التشكيلات الاجتماعية الى العمل المأجور، وتجعل دخولهم تعتمد على السوق
والتوزيع والتبادل وتعمق التخلع الاقتصادي في بلدان الأطراف لاستقبال
الصناعات الأكثر تلويثا والأكثر ضررا بالبيئة والتي تتطلب كثافة عالية في
اليد العاملة. هذا بالاضافة الى تشجيع بلدان الأطراف على اكتساب المعلومات
والمعارف والاتصالات المعلوماتية والبحث العلمي للمحافظة على موقعها في حلقات
النظام العولمي.غير أن العولمة في تجلياتها الاقتصادية تكشف بدورها على
مفارقة لأنها تعني الاقتصاديات العالمية المفتوحة على بعضها البعض، والتي
تثمن شعارات اللبيرالية الجديدة التي تدعو الى تعميم الاقتصاد والتبادل الحر
كنموذج مرجعي، والى قيم المنافسة الانتاجية وتعد كذلك العالم بالرفاه
وبالمزيد من التقدم ولكنها من جهة ثانية تكرس سلطة السوق وتزيد في التبعية
وتعوض الاستعمار العسكري المباشر القديم باستعمار جديد اقتصادي غير مباشر
وذكي. فتنتج جحافل العاطلين عن العمل وتزيد من نسبة الفقر وتعود بالانسانية
الى عصور البربرية والتوحش. وبالتالي تنتهي الى تكوين امبراطورية الفوضى تعمل
على اختراق دائرة الانتاج في الأطراف ذاتها وفتحها لنفسها ورسملتها بما
يتناسب مع مصالحها.[3]
3/ تجليات ثقافية :
العولمة عند البعض هي من افرازات الثورة المعلوماتية وما
يرافقها من تطور في مجال الاتصال والاعلام، ولكن على العكس مما يقال ويشاع
العولمة ليست كذلك بل ثورة المعلوماتية والاتصالات والاعلام شرط ضروري ولكن
غير كاف لتحقق العولمة وتقدمها وتوسعها وتسارعها. لقد نتج عن هذه الثورة
الرقمية وعيا كونا واجماعا على مجموعة من الأفكار والقواعد الثقافية الكبرى
ونذكر منها ما يلي :
- الرأسمالية كتصور ثقافي ستكون ديانة الانسانية الى أبد
الآبدين.
- النسبية الفكرية انتصرت على الاطلاقية و ايديولوجيا الجنات الموعودة .
- انتصار القيم المادية والجسدية على القيم الروحية والانسانية.
- اطلاق الطاقات الخلاقة للانسان في سياق فضاء من التنافس والانتاج.
- حوار الحضارات والانفتاح بين الثقافات في ظل عالم متغير،ولكنه تم التقريب
بين المسافات
فيه والتوحيد تحت راية تصور ثقافي موحد للكون.
- اندماج الثقافات المحلية المتنوعة في ثقافة عالمية واحدة.
ان المشكلة المطروحة هي الاتجاه الى صياغة ثقافة عالمية لها
قيمها ومعاييرها والغرض منها لا يكون سوى ضبط سلوك الدول والشعوب تحت تأثير
عولمة اتصالية تبرز من خلال البث التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية ومن
خلال شبكة الأنترنات التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة.ان السؤال هنا هو: هل تؤدي هذه الثقافة العالمية الى القضاء على الخصوصيات الثقافية وتذويب
الهويات؟
لقد طالت العولمة ثقافات الشعوب وقيمها وعاداتها وتقاليدها
التي كانت الى عهد قريب بمثابة عوالم تكتنفها الغرابة والقداسة والمثل
والخصوصيات والرموز والمطلقات. فظهرت العولمة الثقافية لكي تفتح العالم كله
بعضه على بعضه الآخر بحيث أن ما حققه الانسان في العشرين سنة الأخيرة يتفوق
على منجزاته جميعها عبر آلاف السنين وخاصة عندما روج البعض امكانية توحيد
القيم حول المرأة والأسرة وحول الرغبة والحاجة وأنماط الاستهلاك في الذوق
والمأكل والملبس.
ان الثقافة التي تدعو العولمة الى توحيدها هي طريقة التفكير
والنظر الى الذات والى الآخر والى القيم والى كل ما يعبر عنه السلوك. وقد
تفيد العولمة في معناها اللغوي تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله،
وفي اللغة الفرنسية نجد مصطلحين: Mondialisation / Globalisation ولأن الذي
يدرس ظاهرة العولمة هو علم العولمة Globologie فإن العولمة ليست مجرد آلية من
آليات التطور الرأسمالي،بل تعكس مظهرا أساسيا من مظاهر التطور الحضاري الذي
يشهده عصرنا وتدعو الى تبنيه وتعميمه على العالم. هكذا تتحول العولمة الى
ايديولوجيا تعكس ارادة الهيمنة على العالم وفرض النموذج الغربي الأمريكي بحكم
زيادته و تطوره واكتساحه للمعمورة بأسرها.
ان كانت الثقافة هي المعبر عن نظرة أمة معينة الى الكون
والحياة والموت وما ينبغي أن يعمل وأن يأمل فإنه هناك عدة أمم وعدة ثقافات
وليست هناك ثقافة عالمية واحدة ، ومن بين هذه الثقافات هناك ما يميل الى
الانغلاق والانكماش ومنها ما يميل الى الانتشار والتوسع. من هذا المنطلق لا
بد من التمييز بين العالمية والعولمة. العالمية هي التواصل والتثاقف التوليدي
بين الحضارات دون تصادم universalité universalisme مع المحافظة على الهويات
والخصوصيات. أما العولمة فهي ادارة الهيمنة وبالتالي قمع واقصاء للخصوصي
والاستثنائي، تعمل على تسطيح الوعي وافراغ الهويات من كل محتوى وتسعى الى
تفتيتها بترويج ثقافة الاختراق التي تكرس التبعية الحضارية وتطبع الهيمنة
والانشطار داخل الهويات الثقافية . أما العالمية فهي طموح للارتفاع بالخصوصية
الى مستوى عالمي مع تفتحها على كل ما هو كوني. لكن ما ينبغي الانتباه اليه هو
أن ثقافة العولمة أو العولمة الثقافية تهزها مفارقة واضحة تبدو أكثر صعوبة
تتمثل في أنها مجرد معتقد فكري وليد ظروف تاريخية واقتصادية معينة،وبالتالي
فهي نسبية ومتغيرة وبالتالي ستجري عليها الضرورة والتغير الذي جرى على غيرها
من المطلقات.[4]
ثم ان ظاهرة العولمة هي في طور التشكل وغير مكتملة الملامح ،
ولذلك فان استكشاف القوانين الخفية التي تحكم مسيرتها هو أمر غير ممكن. فهل
أن ثقافة العولمة هي التي يجب أن يجري تجاوزها حتى يمكن الحكم على مسيرتها
بالاستحسان أو بالاستهجان؟ بماذا وعدت العولمة وهل حققت ما وعدت به؟ أم أن
هناك مخاطر لا بد من الانتباه اليها لتفاديها؟ ولكن كيف يمكن مواجهة أوهام
العولمة ومخاطرها؟
Ш/ وعود العولمة :
"حيثما نعتقد بوجود العولمة فهي بالتالي ما يجلب الأفضل وما
يجلب الأسوأ. والأفضل هو أن المعرفة وخطابها ونماذجها يتم نقلها على وجه أسرع
وأفضل وهنا تتاح للديمقراطية فرصة الوجود..."[5]
يعتقد منظرو العولمة أنهم في طريقهم الى بناء صرح حضاري جديد
تلعب فيه أسطورة الهيام بالحياة دورا رئيسيا، وتحتل فيه قيم الثراء والرفاه
والاستهلاك والوفرة مكانة بارزة. هذه الحضارة المعولمة الجديدة هي من صنع
وابتكار رجال المال وعلماء الاقتصاد الذين أصبحوا الكهنة الجدد،رفاق الحواسيب
ومضاربين في البورصة متراهنين على الأوراق المالية يحتكرون السلطة ويسيرون
الشأن العام ودواليب الدولة، فهم الفاعلون الحقيقيون يحركون التاريخ ويصدرون
قرارات نافذة المفعول.
من هذا المنظورتطرح العولمة للعموم مجموعة من الوعود في مجال
السياسة والاقتصاد والثقافة.
1/ وعود سياسية :
ان دولة الرفاهة ومجتمع الوفرة قد غدا حلم أغلب شعوب العالم ،
وآية ذلك أن هذه الدولة تدعو الى نمط من النظام السياسي الديمقراطي الذي يحقق
الاستقرار والسلم والحرية والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع المدني وشرائحه
دون تعصب أو تمييز. لذلك تعمل الليبرالية الجديدة على احترام حقوق الانسان
وتكفل شروط المواطنة الأقليات والفئات المهمشة، وتفصل بين السلطات وتضمن
استقلالية كل واحدة منها عن الأخرى وتنظم الجمعيات وتشجع التنظيم المشروع
داخل أحزاب مدنية معترف بها تتنافس سلميا في انتخابات دورية تكفل التداول
التناوبي على السلطة والانتقال الهادئ للحكم من حزب الى آخر في ظل سيادة
القانون واحترام هيبة المؤسسات والمواثيق الدستورية.
لقد ظهرت دعوى داخل الفكر الليبرالي مفادها أن العولمة تمثل
حلم لبدء مرحلة جديدة في السياسة في اطارعلاقة الدولة بالأفراد والعلاقات بين
الدول والشعوب لا تؤدي بالضرورة الى نشوب حروب وصراعات عسكرية، بل تقوم
بترويض اجتماعي واستقطاب سياسي يعمل على تحقيق التفاهم والتبادل والتساكن وفق
قيم حسن الجوار والتسامح واحترام سيادة الأوطان وعدم التدخل في الشؤون
الداخلية للدول. هكذا بدأ العالم وكأنه ينمو نموا يفرز التلاحم
والالتئام.وسطع نجم مقولة السلام الشامل وبرزت امكانية حل كل النزاعات
بالطرق السلمية والتفاوض الديبلوماسي وفق القانون الدولي. وقد مثل فوكوياما
المنظر اليديولوجي لهذه العولمة السياسية في كتابه ''نهاية التاريخ والانسان
الأخير'' بتأكيده على عالمية وكونية النموذج اللبرالي الديمقراطي باعتبار أن
البشرية بأسرها تسير في تطورها الى رفض كل النماذج الايديولوجية الأخرى-
الاشتراكية مثلا – وتسعى الى تطبيق النمط الليبرالي في تنظيم الحياة
السياسية لأنه الأكثر عقلانية وشرعية ولأنه النهاية الطبيعية للتطور التاريخي
والوجهة الحتمية لكل دول العالم التي لن نجد بديلا أفضل منه.
2/ وعود اقتصادية :
كل شيء صار في كل مكان, ان اقتناص الأرباح بسرعة الضوء،
الثراء السريع لأفراد الدول، مائة مليون دولار في الدقيقة من وراء المضاربة
في البورصة أو المراهنة على الأوراق المالية بزيادة قيمة الأسهم بشكل مذهل
وغير متوقع ، تلك هي الوعود الاقتصادية للعولمة، بحيث لو طلب اليوم من سكان
العالم لأي أسلوب من الحياة هم يفضلون، لاختاروا الأسلوب الذي يمكنهم من كل
شيء وخاصة منتوجات الحداثة المعدة للاستهلاك مثل السيارة والفيلا الفخمة
والحاسوب واللاقط الهوائي ومرسلة الاشارات اللاسلكية.وبرز مفهوم الحرية
الاقتصادية كبديل عن الحرية السياسية ويعني فتح السوق أمام البضائع الأجنبية
،و تسهيل عملية التصدير والتوريد بازالة القيود الجمركية وتحرير تنقل رؤوس
الأموال.وهكذا لم تعد الشمس تغيب عن سماء الشركات العملاقة متعددة الجنسيات
ولم يفتقر أي سوق في العالم لبضائعها.
وبذلك كانت العولمة انتصارا للجميع وأدت الى ارتفاع عائدات
الدول وأرباح المؤسسات وأجورالعمال، وبالتالي للناتج الخام ولقيمة الدخل
الفردي وتحسن المقدرة الشرائية للمواطنين وبالتالي دوران الحركة الاقتصادية
وما تفرزه من تقدم ورخاء،لأنه لم يحدث ان انصهر العدد الهائل من الاقتصاديات
القروية والوطنية في اقتصاد عالمي شمولي واحد كما حدث الآن مع العولمة.كما أن
الثراء والتقدم بالنسبة للدول النامية قد أصبح ممكن التحقيق حسب وعود
الليبرالية بفضل القروض الاستثمارية التنموية والتجارة العالمية التي أدت الى
تقريب المستويات المعيشية بين الطبقات وفسخ الهوة التي كانت تفصل الشمال عن
الجنوب والمركز عن المحيط.
ويعتبر كل من ميلتون فريدمان وفون هايك منظرا العولمة على
المستوى الاقتصادي لأنهما وضعا حد النظرية كينز وروجا للنظرية النقدية. وكان
كينز قد دعا الى رفع الحكومة الى مصاف المستثمر المالي الرئيسي في الاقتصاد
الوطني والتدخل عبر التخطيط وبرمجة الموازنة المالية في النشاطات الاقتصادية
لغاية تصحيح حالات البطالة والركود التي أفرزها السوق والقضاء على الانكماش
والتضخم، وبالتالي معالجة الأزمات الاقتصادية الطارئة مثل أزمة 1929. لقد
نادى كينز برفع الحكومات للطلب الكلي من خلال زيادة الانفاق الاستثماري اذا
تميزت الحالة السائدة بالركود وتفاديا لانكماش النمو الاقتصادي. أما اذا
أرادت الحكومات التخلص من التضخم قبل وقوعه في الحالات التي تتميز بنشاط
اقتصادي يفوق حجم الطاقات الانتاجية المتاحة، فينبغي عليها استخدام
الايرادات الضريبية لتسديد ما ترتب عليها من ديون أنفقتها في تمويل المشاريع
الاستثمارية التي واجهت بها حالة الركود. ومن هنا فقد دعمت كثير من الدول
تلك الصناعات التي تضمن تحقيق نمو اقتصادي سريع و تزيد من الطلب على اليد
العاملة، الا أن هذه الطريقة في المعالجة أخفقت وأثيرت حولها الشكوك بفعل
ارتفاع أسعار النفط في السبعينات وعدم تمكن الحكومات من السيطرة على العجز في
الميزانية والتحكم في التضخم، ولم تحافظ أسعارالعملات على استقرار قيمتها
المعهودة في سوق الصرف.
لذلك جاءت الليبالية الجديدة وخاصة النظرية النقدية مع فون
هايك في مؤلفه "الطريق الى العبودية"، كمحاولة لتجاوز المزالق التي وقع فيها
علم الاقتصاد الكينزي. وقد جعلت هذه النظرية الجديدة كلا من الليبرالية
والتحرير والخصوصصة ثلاثة وسائل استراتجية ينبغي على الدولة اتباعها كمسالك
ايديولوجية لتحقيق سياسة اقتصادية ناجعة تؤدي الى قيام مجتمع الوفرة ودولة
الرفاه، ومن هذا المنطلق أوكل كل من فريدمان وهايك الى الحكومة مهمة تحرير
الأسواق ورؤوس الأموال والاقتصاد واعادة هيكلة المؤسسات لأنه كلما تمتعت
المشاريع بحرية أكبر في الاستثمار واستخدمت اليد العاملة ذات كفاءة ومواد
أولية زهيدة التكاليف كان النمو أكبر والربح في أعلى درجاته وتحقق مستوى
اقتصادي أعلى للجميع. من أجل تحقيق كل ذلك رفعت القيود على رؤوس الأموال
وحررت التجارة العالمية وأمكن للأموال المدخرة في البنوك أن تنقل الى واحات
آمنة تهربا من الضرائب ورغبة في تحقيق أعلى الأرباح وأفضل العائدات، وظهرت
النتائج المترتبة عن هجرة الأموال واعتماد القرض الاستثماري مشجعة، لأن
انتقال الأموال من البلدان الغنية برؤوس الأموال الى المناطق المحتاجة الى
الفرص الاستثمارية قد حققت للمستثمرين أكبر ما يمكن جنيه من ربح .وبالنسبة
للمقترضين وفرت لهم فرص عمل كثيرة وتطور اقتصادي مرموق. وكمحصلة نهائية ستكسب
كل الأمم بفضل هذا الانتقال السريع للأموال والبضائع تقنيات الانتاج غير
المحدود, وستكسب كل الدول الربح والثراء وستحقق قدرا من الرفاهة والسعادة
الاستهلاكية الموعودة.
3/وعود ثقافية :
انه لأول مرة في التاريخ صار النوع البشري وحدة واحدة في
تخيله ، ولأول مرة تكونت ثقافة عالمية واحدة استطاعت أن تهيمن على كل
الثقافات المحلية. وقد تمظهرت هذه الكونية في المهرجانات الفنية العالمية
ومسابقات ملكات جمال العالم وعروض الأزياء وتقليعات الموضة والمنافسات
الرياضية الكونية والأولمبية وقد عم التطورالتقني لوسائل الاتصال البصري
والسمعي واللاسلكي بفضل الأقمار الصناعية. هكذا غدا العالم و كأنه قرية كونية
وحدت وسائل الاتصال وسرعتها ما فرقته الجغرافيا والتاريخ لأنه لم يحدث في
التاريخ البشري أن كان على علم بما يجري في بقية أرجاء المعمورة من وقائع هذا
العدد الهائل من الناس بفضل هذا العدد من جسور الاتصال وكأنه لم يحصل أن سمع
وعرف عدد هائل من سكان العالم ما يحدث في باقي الدول من تغيرات وأفكار
ومعلومات كما هو اليوم.
ان هذا الأمر قد أدى الى ظهور تبادل للمعلومات وتراسل وتفاهم
بين الشعوب لا مثيل له في السابق وأدى كذلك الى اندثار كل قيم العزلة
والانغلاق والتعصب، وبروز التفتح والتحاور والتمدن.وبرزت دول المركز لا كقوة
عظمى على المستوى العسكري والاقتصادي والسياسي ولا في مجال تصدير المال
والسلاح والغذاء،بل قوة كبرى كذلك في مجال تصدير منتجات اللهو والتسلية .وبالتالي
فهي قوى عظمى على مستوى الهيمنة الثقافية على العالم, وآية ذلك أن الولايات
المتحدة تتزعم العالم لا لغزوها الفضاء الخارجي وتحقيق الأسبقية في ذلك بفضل
وكالة النازا فحسب، بل أيضا بفضل استهلاك شعوب العالم لموسيقى البوب والروك
وأفلام هوليود وتصديقهم لما تروجه CNN من أخبار وتقارير. هكذا لم يعد هناك شيء
يستهوي وجدان أي مواطن من العالم النامي والشرقي غير ما يرغب فيه المواطن
الغربي ويمتلكه. فها هي شعوب العالم وقد بدأت تتهيأ لبدء مرحلة جديدة أو
لتحقيق الانطلاقة الكبرى الرامية للحصول على السعادة الرأسمالية والسيارة
الخاصة حيث هي مظهر من مظاهر الرقي الاجتماعي وشاهد على الثروة والقوة
والحرية الشخصية .
لكن أيمكن للمرء فعلا أن يرى في العولمة الثقافية طريقا ملكيا
للتحضر ؟ ألا تعيده العولمة الى البربرية والتوحش في أرقى درجاته ؟ والى أي حد
يستطيع المرء أن يثق في سوق المال العابر للحدود ويعتبره ينبوعا عالميا
للرفاهية وحارسا للعقلانية الاقتصادية الدولية ؟ وهل حققت العولمة ما وعدت به ؟
VІ/أخطار العولمة :
"نحن لم نعد قادرين على التفكير بمستقبلنا مثلما كنا نقول
بالأمس. واننا مازلنا نجهل كيف نفكر به على نحو آخر.بهذا المعنى هناك أزمة.
لكن هذا الانقلاب ليس فقط نتاج ضربة سيئة في التاريخ فهو متصل أيضا بانقلاب
في نطاق عقلانيتنا بالذات.انها أزمة تمثلاتن العالم وأزمة تمثلات السياسة
اللتان تترابطان لتعززا من شك بدا يمحو كثافة بيناتنا. ان ماهو بطريقه الى
الموت هو ايضا مفهوم علم مبني ومشبك كأنه كل متناسق ذو صيرورة دينامية. واننا
نكتشف أن العالم لا تحركه آلة تضبط الزمان وتنظم المكان.فهو لا يعمل كمحرك
انطلاقا من مركز يرتب وينسق. ان الصور التي اعتدنا على قراءة المجتمع من
خلالها قد أصبحت بالية جدا. فالنموذج الكبير الممركز والمتراتب حيث كل شيء
منتظم في مستويات ومراتب وقطاعات هيمنة لم يعد سوى علامة من علائم عالم يموت."[6]
تعنى العولمة الى حد الآن ما في أروقة الأمم المتحدة وهياكلها
السياسية وفي أسواق المال والبورصات الاقتصادية وأمام شاشات الحواسيب المتصلة
بالأنترنت أمركة العالم الى حد ما. فالجميع بما فيهم أوروبا يشعرون بالعجز عن
مواجهة التنين الكبير: الولايات المتحدة الأمريكية, مثلما تشعر الدول بالعجز
عن منازلة الوحش المفترس: السوق لأنه تحت سيطرة عصابة من لصوص الأموال
يتصرفون على نحو غير معقول ويصرفون الدولار دون الاحتكام الى أي تفسيرات
منطقية ويعبثون بالأحياء والأموات بشكل غير معهود دون احترام للطبيعة
والانسان، لأن السلطة لم تعد بيد القانون والدولة ،بل بيد المال والسوق .على
هذا النحو سببت العولمة مشاكل وأخطار جسيمة على صعيد السياسة والاقتصاد
والثقافة والبيئة، وأوقعت الانسان في أوهام عديدة،الأمر الذي جعل بعض
المفكرين الحقيقيين لا يختلفون في القول بأن العولمة حقيقة مفزعة وجحيم لا
يطاق بالنسبة للانسانية ينبغي مواجهته والتصدي لها.
1/مخاطر سياسية :
"العولمة لصالح الآخر على حساب الأنا(الذات) وقوة الآخر في
مقابل ضعف الأنا وتوحيد الآخر في مقابل تفتيت الأنا... وهي حضارة المركز
وتبعية الآخر. وهي مركزية دفينة في الوعي الأروبي تقدم على عنصرية عرقية وعلى
الرغبة في الهيمنة والسيطرة."[7]
لقد بان بالكاشف ان فكرة العولمة العادلة خرافة، وأن السعادة
الفردية الموعودة تخفي تعاسة جماعية حقيقية. لأن شريعة العولمة هي شريعة
الذئاب،أوقعت الديمقراطية في المصيدة وأوصلت أصوليين متمدنين الى السلطة لا
يقدر أي كان على أن ينقذ نفسه منهم لأنهم مجرمون الى أقصى مدى, يستنزفون
أموال الدولة ويساهمون في انحطاط السياسة ويمثلون خطرا على مستقبل السيادة
الوطنية.
وفي هذا النظام المعولم لم نعد ندرك لمن الدولة ؟هل لرجال
المال أم للحكام ؟ لم نعد ندري من هم الجناة ومن هم الضحايا ؟, فالطبقة
الوسطى التي كانت في الماضي أساس التوازن قد اضمحلت تدريجيا ليحل محلها تفاوت
صارخ بين الطبقات.
وقد بزغ نجم فئة من السماسرة والمضللين المتطرفين الأمر الذي
جعل القرار السياسي خاضع لإرادة المستثمرين، وجعل الدولة تحابي فئة تتمتع
بالامتيازات على فئات أخرى تشكل عبئا على كاهل ميزانيتها لعدم اندماجهم في
الدورة الاقتصادية ولعدم حاجة الاقتصاد لمؤهلاتهم وخبراتهم.
ان الأمر الذي عقد الوضعية يتمثل في أن الانفتاح المالي يجبر
بعض الدول على التنافس على تخفيض الأداءات الجمركية وقيمة العملات والتنصل من
الالتزامات في المجال الاجتماعي والخدمات الانسانية والاقتراض لتغطية العجز
والترفيع في الضرائب. بالتالي برز مفهوم الدولة الرخوة في علاقتها بشعبها.
خصوصا أن دولة الرفاه لن تحقق انجازاتها الا بالحد من النفقات المخصصة لتحقيق
العدالة الاجتماعية وبالتوزيع اللامتساوي للثروة،وعندما تتخلى هذه الدولة عن
الرقابة الحدودية على تنقل رؤوس الأموال فانها تترك المجال لاندلاع تجاوزات
وانفلات قوى ذاتية خطيرة النتائج تقوض سيادة الأمم وتخلق الفوضى في الشأن
العام ويضحى غالبية السياسيين خاضعين لرقابة مالكي وسائل الانتاج وتحت هيمنة
بعض المستثمرين الذين ينضمون الى قائمة التكنوقراطيين الذين يختصرون في تقييم
السياسة الاقتصادية للدول ويستمدون نفوذهم من الحرية التي يتمتعون بها في
استثمار رساميلهم أينما شاءوا وفي أي مكان من العالم، خاصة وأن الدول انتهجت
سياسة اقتصادية وجبائية تساعدهم على ذلك،فهي غير قادرة على فرض الضرائب عليهم
وضبط رأسمالهم كسند شرعي على أعمالهم.
لم نعد ندري أمام هذه الفوضى في الخيارات وانهيار المرجعيات
السياسية التقليدية وتميز النموذج الليبرالي بالوحشية ماذا نفعل والى أين
نذهب ؟ هل نعود الى خيارات الماضي أم نتمسك بخيارات الحاضر رغم افلاسها؟
2/ مخاطر اقتصادية:
ان العولمة هي وصول نمط الانتاج الرأسمالي الى نقطة الانتقال
من عالمية التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول الى عالمية دائرة
الانتاج واعادة الانتاج، وبعبارة أخرى هي عولمة الانتاج والرأسمال الانتاجي
وقوى الانتاج الرأسمالية.وبالتالي علاقات الانتاج الرأسمالية أيضا ونشرها في
كل مكان خارج مجتمعات المركز الى الأطراف بالتوسع الأمبريالي وتحقيق نمط من
الانتاج الكولونيالي.
انها أممية رأس المال وتسليع كل شيء، وهي حصيلة التحول
الرأسمالي العميق للانسانية جميعا،في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها الرشيدة
وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ. هذه الرأسمالية
تحمل الجميع ما لا طاقة لهم به، فهي تمارس ديكتاتورية غير مسؤولة وتؤسس
امبراطورية الفوضى لأنها تكرس اللامساواة، وتنتج مجتمع الخمس الثري والأربعة
أخماس فقراء،وتضغط على الحياة الفردية بحيث لم تعد الحكومات المنتخبة
ديمقراطيا هي التي تسير دواليب الاقتصاد وتقرر مستوى الضرائب ،بل صار
القائمون على توجيه تدفقات رأس المال والسلع هم الذين يحددون مقدار المبالغ
التي يريدون دفعها لكي تستطيع الدولة أن تؤدي المهام الموكلة اليها.
ان فشل الدولة في التعامل مع فوضوية السوق العالمية أصبح أمرا
مستعجبا ويبرز سيطرة الاقتصاد على السياسة, اذ فقدت الحكومات في أرجاء
المعمورة قدرتها على الأخذ بزمام المبادرة،رغم أن تدفق السلع ورؤوس الأموال
قد اتخذ أبعادا عالمية. ولكن التوجيه والرقابة بقيت من مشمولات الدول التي
كشفت عن عجزها عن القيام بهذه المهمة. من أمراض العولمة الاقتصادية التخلي
التدريجي عن العمل وتسريح العمال والعودة الى العمل بالأجر اليومي ،وكأننا في
ظل الاقتصاد اللامادي نعيش عصر اللاعمل وقد اتضح للعيان أن الرفاهية من خلال
التجارة الحرة هو وعد كاذب لأن الكارثة في أسواق المال قابلة للاندلاع في أي
لحظة نتيجة المراهنة على الأوراق المالية في البورصة وسيطرة الأجهزة
الالكترونية على العمليات المالية وكأننا على أبواب أزمة اقتصادية عالمية
شبيهة بأزمة 1929.
3/مخاطر ثقافية :
"إن العولمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الاعلام
تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف أي على العالم كله..."[8]
كل الأمور أصبحت على غاية من التعقيد تماما مثل تعقد العالم
الذي نحيا فيه وصعوبة حفظ الكيان في ظل النهج الاختراقي والاستقطابي للعولمة
هو أمر لاشك فيه، بحيث أصبحنا عاجزين عن وضع حد لعملية تدبيرالخصوصيات
الثقافية والهويات مما يهدد مستقبل حضارات بأسرها بالذوبان والاختفاء.لأن
العالم يشهد استقطابا وهيمنة ثقافية لا سابق لها في التاريخ تكرس الاستلاب
داخل علاقات الانتاج التي تنعكس على رؤية الانسان للعالم الحضارية.وبالتالي
فان الاستلاب الذي له أصول اقتصادية أفرز استلابا له أصول ثقافية وحضارية
بحيث أصبح المغلوب فيه مولعا بتقليد الغالب ،يحاذيه في حركاته وسكونه.وعندما
بدأ تبادل المعلومات والأفكار يصبح هو العنصر الغالب على هذه العلاقات التي
تنمو بأكبر سرعة، أمكن استيراد الأفكار والقيم مثل استيراد البضائع ورؤوس
الأموال.وبالتالي أصبحت الثقافة المحلية لا حول لها ولا قوة لها أمام الأفكار
والثقافات المستوردة والتي تعبر عن التحضر والتمدن، وبالتالي أصبح الشعور
بالولاء لأمة أو لوطن من مخلفات الماضي وعلامة على التخلف يحسن نسيانها
واهمالها. وبهذا تدفع العولمة الى التحرر من الولاء لثقافة ضيقة ومتعصبة الى
ثقافة عالمية واحدة يتساوى فيها الناس والأمم جميعا,أي التحرر من سجن الهوية
الى أفق الانسانية الرحب، ومن التعصب والتمركز على الذات الى الانفتاح على
مختلف الأفكار دون تخير أو تبرير.
عندئذ تنطوي العولمة على ثقافة عالمية ونظرة معينة الى الحياة
والكون يجد كل سكان المعمورة أنفسهم مجبرين على اتباعها،لأنه شاع الاعتقاد
بضرورة تبنيها ولأنها تقتحم العلاقات الأسرية
والاجتماعية والجنسية وتحدد حتى مسالك الترفيه والتسلية .بالرغم
من أن الثقافة قد تلقت دعما من خلال البث عن طريق الأقمار الصناعية وشبكة
الأنترنات التي يرى البعض أنها ستؤدي الى أكبر ثورة معرفية في تاريخ الانسان
لربطها بين البشر في كل أنحاء المعمورة،الا أن المشكلة المطروحة هي الاتجاه
الى بناء ثقافة عالمية لها قيمها ومعاييرها من شأنها أن تؤدي الى العدوان على
الخصوصيات الثقافية والى تهديد هويات المجتمعات،وهي عوض أن تفتح العالم كله
بعضه على بعضه الآخر،انتهت الى صدام الحضارات وصراع الثقافات وانغلاق الهويات
بالتالي على نفسها.[9]
خاتمة:
"الخلاف بين من يستسلم للأمر الواقع ويرى في العالم ذي القطب
الواحد نهاية التاريخ وأن العولمة قدر حتمي لا مفر منه قانون تاريخي ينطبق
على الجميع... وبين من يقاوم ويرفض الاستسلام ويرى أن العولمة غطاء نظري جديد
لأحد أشكال الهيمنة القديمة وأنها ليست قدرا ولا ناهية التاريخ بل هي مرحلة
تطول أو تقصر حتى ينشأ القطب الثاني..."[10]
كيف يكون في نهاية المطاف حكمنا على العولمة ؟هل نقبلها بهذه
السهولة التي يجري بها الترويج لها؟أم أن الأمر يقتضي المزيد من التحري
والتروي ؟ هل العولمة حتمية أم يمكن مقاومتها؟ وكيف نتعامل نحن العرب مع هذه
الظاهرة ؟ ماهو الوهم وما هي الحقيقة في عولمة العالم ؟ وما الذي قد لا يتحقق؟
لينقذ نفسه من يستطيع ولكن من هو الذي سيفلح؟
اذا أردنا مقاومة العولمة فينبغي أن نتبع الخطوات التالية:
- بناء علم انساني جديد مهمته دراسة العولمة Globologie
- تقوية دعائم المجتمع المدني بالحث على العمل النقابي والالتزام السياسي.
- التنمية المستقلة والعادلة والتكاملية.
- التوحد ضرورة للبقاء في الصراع من أجل الوجود.
- التأكيد على العالمية التي تضمن حق الاختلاف وتعترف بالآخر.
- تجديد الثقافة وارتباط الدفاع عن الهوية باكسابها أدوات العلم والحضارة
العقلانية
والديمقراطية.
- تجنيد ثقافة المقاومة وفلسفة المواجهة ضد ثقافة الاختراق والهيمنة التي
تسعى الى افراغ
الهوية من كل محتوى، وتكريس الثنائية والانشطار مع
الاحتفاظ بالإختلاف والتميز.
- الانخراط ضمن جبهة عالمية ثقافية يكون هدفها وضع استراتيجية واضحة للتعامل
مع
العولمة،وتعمل على نشر قيم التسامح والتواصل والتكامل
بين الدول مع المحافظة على
السلم ونبذ الحرب.
- اعطاء قيمة كبرى لقضية مستقبل الحياة على الأرض وذلك بالحد من التأثيرات
السلبية
للعولمة التقنية والصناعية على البيئة والمحيط
والانسان،والزام السلطات بقيم ايتيقية
كونية من شأنها عندما تحترم أن تقلل من التخوف من المخاطر
التي تهدد تواجد البشر في
المستقبل على هذا الكوكب.
لكن هل يمكن تحقيق كل هذه المطالب في ظل عولمة تلبست
بايديولوجيا المصيرالمحتوم،وتعمل على تسطيح الوعي وتلطيف أدوات الهيمنة وتقوم
بتجميل وتزيين الاحتواء الاقتصادي والاختراق الثقافي ؟
* كاتب فلسفي
الهوامش و المراجع:
1- د. صادق جلال العظم ما هي العولمة؟ ، مجلة الطريق ، عدد 4
لسنة 1997.
2- د.سمير أمين - العرب و العولمة - عودة لمسألة الإنتقال الى الاشتراكية،
بحوث ومناقشات الندوة الفكرية
التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية.
3- د.محمد عابد الجابري ,العرب والعولمة، عشرة أطروحات في العولمة والهوية
الثقافية، نفس الندوة
1998بيروت .
4- بيتر مارتين/هارالد شومان - فخ العولمة- ، سلسلة عالم المعرفة، أكتوبر
1998
5- حسن حنفي + صادق جلال العظم ما العولمة ؟ دار الفكر دمشق سوريا الطبعة
الثانية 2002
6- نعوم شومسكي,العولمة بين منظورين البيان السنة14 العدد145 كانون الأول
1999
7- روجي غارودي ,العولمة : الواقع ,الجذور, البدائل- دار الشوكاني للنشر
والتوزيع صنعاء 1998
8- جاك دريدا ماذا حدث في حدث 11سبتمبر ترجمة صفاء فتحي دار توبقال للنشر
الدار البيضاء الطبعة الأولى2006
روجي غارودي العولمة: الواقع الجذور البدائل ترجمة د محمد
السبيطلي دار الشوكاني للنشر و التوزيع صنعاء 1998ص17[1]
صادق جلال العظم ماهي العولمة ؟ مجلة الطريق عدد4 سنة 1997[2]
سمير أمين عودة لمسألة الانتقال إلى الاشتراكية ندوة العرب و العولمة[3]
محمد عابد الجابري عشرة أطروحات في العولمة و الهوية الثقافية ضمن العرب و
العولمة ص137[4]
[5] جاك دريدا ماذا حدث في حدث 11سبتمبر ترجمة صفاء فتحي دار توبقال للنشر
الدار البيضاء الطبعة الأولى2006ص91
[6] ب .روزانغالون/ ب. قيقري نحو ثقافة سياسية جديدة ترجمة خليل أحمد خليل
دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى1982 ص92
[7] حسن حنفي + صادق جلال العظم ما العولمة ؟ دار الفكر دمشق سوريا الطبعة
الثانية 2002 ص20
نعوم شومسكي العولمة بين منظورين البيان ص 125 السنة14 العدد145 تاريخ كانون
الأول 1999[8]
بيتر مارتين / هارالد شومان سلسلة عالم المعرفة أكتوبر أكتوبر1998[9]
[10] حسن حنفي + صادق جلال العظم ما العولمة ؟ دار الفكر دمشق سوريا الطبعة
الثانية 2002 ص15
|