تـوطئـة:
يعتقد البعض أن
الإسلام كلمة مألوفة شاعت لدى مختلف الأمم وتناقلتها جميع الألسن وأن
المسلمين شعوب معروفة يعتقدون في اله واحد ويتبعون ما جاء به نبيهم محمد (صلعم)
ويعتبرون أنفسهم أمة واحدة لا فرق فيها بين أعجمي وعربي إلا بدرجة التقوى
والإيمان والقرب من الله لكن الأمور ليست بهذه السهولة إذ نجد العديد من
الأفراد والأمم التي تعتقد في الإسلام ونعثر على الكثير من الفرق والمذاهب
وكلها تقول أنها تمثل الدين الحق وأدركت جوهر الإسلام, الأمر الذي عقد
المشكلة وجعل النظرة إلى الإسلام تكون مشوبة بالحذر ومحفوفة بالمخاطر خصوصا
وأنه تحول إلى ساحة حرب ومجال للسجال فدار صراع بين الجميع في مختلف العصور
على استعمال هذا الدين واحتكاره لصالحهم في الصراع الاجتماعي والسياسي وقد
قيل أنه حمال أوجه,فمـا هو الإسـلام ؟ ما هي طبيعتـه ؟ وعلى ماذا تقوم أصوله
؟ هل هو حقـائق أم أوهـام ؟ هل هو جوهر أم عرض؟ ما الفرق بين الإسلام كما هو
في حدّ ذاته والإسلام كما مورس تاريخيا ؟ هل يجوز أن نفرق بين الظاهرة
القرآنية والظاهرة الإسلامية ؟ ما هي المسافة التي تفصل بين الإسلام والإيمان
؟ ما الوجه الذي يكون به الإسلام إيمانا والإيمان إسلامـا؟ كيف نقنع الناس به
دون أن نلجئ إلى الإكراه أو التشدد ؟
ألا تختلف دلالة الإسلام من عصر
إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى ؟ أليس هناك فرق بين الإسلام كما يحفظه التراث
والإسلام كما يؤوله المعاصرون ؟
هل من المشروع أن نخضع الدين إلى
الهيرمينـوطيقـا بماهي اجتهاد تأويلي على النصوص المقدسة ؟ وما هو الغنم الذي
نحصل عليه من هذه الدراسـة ؟
إن حـددنا الهيرمينـوطيقـا بأنها
فـن في الفهم وتجربة للفوز بالمعنى فإنه من المسموح لنا أن نبحث عن سبل جديدة
لتحقيق فهم أفضل للقرآن وللحصول على المعنى الجوهري للإسلام.
1*
الدلالـة التـراثيـة للإسـلام:
»إن
الدين عند الله الإســلام « آل عمـران 19
إن معنى الدين هو الطاعة وقد يرد
بمعنى الجزاء إذ يقال كما تدين تـدان أي كما تفعل تجـازى. وقد يرى الدين
بمعنى الحساب يوم المعاد والتنـاد، فالمتدين هو المقر بالجزاء والحساب يوم
التنـاد والمعـاد.
ولما كان النوع
الإنسـاني محتاجا إلى الاجتماع في إقـامة معاشه والاستعداد لمعاده فإن صورة
ذلك الاجتماع تحصل بالتعاون و التمانع ضمن أفق الملّة أمّا الطريق الخاص الذي
يوصل إلى هذه الهيئة فهو المنهـاج والشرعة والسنة والاتفاق على تلك السنة هي
الجماعة.
ولن يتصور وضع
الملة وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله بآيـات تدل على
صدقه وهذا الشارع هو النبي المصطفى.
والدين عندنا هو
الإسلام والملة هي ملة إبراهيم الخليل وهي الحنيفية والشريعة ابتدأت من نوح
عليه السلام أما الحدود والأحكام فقد ابتدأت من آدم وتواصلت مع شيث و إدريس
وختمت بمحمد المصطفى الذي أتمها حسنا وجمالا. وقد خص آدم بالأسماء وخص نوح
بمعاني تلك الأسماء وخص إبراهيم بالجمع بين الأسماء ومعانيها ثم خص موسى
بالتنزيل وخص عيسى بالتأويل وخص المصطفى محمد بالجمع بين التنزيل والتأويل
على ملة إبراهيم ثم كيفية التقرير الأوّل والتكميل بالتقرير الثاني بحيث يكون
مصدق كل واحد ما بين يديه من الشرائع الماضية والسنن السالفة تقديرا للأمر
على الخلق وتوفيقا للدين على الفطرة.
إذا كان الدين هو
الإسلام والإسلام هو الفطرة فإن الله عز وجلّ أسس دينه على مثال خلقه ليستدل
بخلقه على دينه وبدينه على خلقه. وقد قال النبي الحبيب. محمد "كلّ مولود
يُولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه كما تناتج الإبلُ من بهيمة
جمعاء".
على هذا النحو
يكون الإسلام جوهر الدين، يقول تعالى : "ذلك الدين القيّـم" –[التوبة 36][1]-
فمـاهو الإسـلام ؟
سأل أعرابي النبي( صلعـم ): يا
رسول الله ما الإسـلام ؟ فأجاب : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأتي رسول الله
وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه
سبيلا. قـال صدقت. ثم قال "ما الإيمـان ؟" قـال عليه السلام : أن تؤمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره" قال صدقت. ثم
قال : ما الإحسان ؟" قال عليه الصلاة والسلام : "أن تعبـد الله كأنك تراه فإن
لم تكن تراه فإنه يراك" قال صدقت. ثم قال : متى الساعة ؟" قال عليه السلام :
ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" ثم قام وخرج فقال النبي( صلعم) : "هذا
جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم".
بادئ القول أن
الإسلام هو الخضوع والانقياد لما أخبر به الرسول( صلعم) أي كل ما يكون
الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب. لذلك وقع التمييز بين الإسلام والإيمان،
فالإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرا ويشترك فيه المؤمن والمنافق أما
الإيمان قد يرد في اللغة بمعنى التصديق بالقلب وفي الشرع بمعنى الاعتقاد
بالقلب والإقرار باللسان أي ما وطئ فيه القلب اللسان وقد قيل : من شهد وعمل
ولم يعتقد فهو منافق ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق ومن أخل بالشهادة فهو
كـافر وبالتالي ثمة فرق بين النفـاق والفسق والكفر.
أمّا الإيمـان
فيقـال على خمسة أوجه : إيمان مطبوع وهو إيمان الملائكة وإيمان معصوم وهو
إيمان الأنبيـاء وإيمان مقبول وهو إيمان المؤمنين وإيمان موقوف وهو إيمان
المبتدعين وإيمان مردود وهو إيمان المنافقين. وقد فرق التنزيل بين الإسلام
والإيمان.
قال تعـالى:"قالت
الأعراب ءامنا قل لم يؤمنوا ولكن قولوا أسلمنـا"وكان الإيمان دائرة أصغر
وأضيق من دائرة الإسلام الأوسع والأكثر انفتاحا لأنها يمكن أن تضم الكفار
والمنافقين والفاسقين ولا تبقى إلا المشركين خارج دائرتها.
بيد أن الإيمان على الحقيقة إسلام
والإسلام على الحقيقة إيمان ومن يبتغي غير الإسلام دينا كان كافرا
بالإيمان.من هنا فإن الإسلام هو الاستسلام أي أن يلقى المرء السلم إظهـارا
لطاعة من قهره فيكون من فاعله نفاقا لكن من جهة أخرى الإسلام هو ما انشرح
الصدر إليه وأما ما ضاق الصدر عن قبوله ونفر منه عند سماعه فصاحبه غير مؤمن.
فالإيمـان هو
التصديق في القول والقلب أي هو قول باللسان وإخلاص بالقلب وإقرار بما سماه
النبي صلعم أما الإسلام فهو عمل بالجوارح بما فرض عليها لأنه هو الذي يدلّ
على استسلام من قال : أسلمت لله. ومن قال آمنت فإنما هو مخبر عن تصديقه ومحل
صحة التصديق فيما عقد عليه القلب واطمأن إليه.
فإذا كان الإيمان
هو القبول من الرسول ما جاء به يصححه لقائله اعتقاد قلبه بتصديقه فإن الإسلام
هو أن تعبد الله لا تشرك به وهو العمل بما أمر به ودعا إليه والانتهاء عما
نهى عنه يصححه اعتقاد قلب.
اللافت للنظر أن
الدين له مبدأ ووسط ويمكن أن يرتقي إلى درجة الكمال فإذا كان الإسلام بمعنى
التسليم والانقياد هو المبدأ والإيمان بمعنى التصديق بالقول والقلب هو الوسط
فإن الإحسان بمعنى الإخلاص والاستقامة والصلاح هو الكمال.
قد ذكرنا معنى
الإسلام وفرقنا بينه وبين الإيمان ونبين هنا معنى الإحسان بوصفه درجة الكمال
في الإسلام. قال تعالى: "إذ قال له ربّه أسلم قال
أسلمتُ لرَبّ العـالمينَ" )البقرة 131 .(ولكن قد يرد الإسلام وقرينه الإحسان
قال تعالى : "بلى من أسلم وجهه لله وهوَ مُحْسن".
فما
معنى الإحسـان ؟
الإحسان لغة هو فعل ما ينبغي أن
يُفعل من الخير، أما في الشريعة فهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه
فإنه يراك. بعبارة أخرى الإحسان هو إحسان عبادة الله في كل ما يُعبد من
الشهادة له بالألوهية وحده ومن كل ما أمر به من عمل بطاعته وأن يكون العامل
بذلك يعمله لله وأن يعلم أن الله يراه فيما يؤدّيه إليه من طاعته ولا يخفى
عنه ما في سره من ذلك وأن ينتهي عما نهاه الله عنه لله.
وإذا تكلمنا بلغة
الباطن فإن الإحسان هو التحقق بالعبودية على مشاهدة حضرة الربوبية بنور
البصيرة أي رؤية الحق موصوفا بصفاته بعين صفته فهو يراه يقينا ولا يراه حقيقة
ولهذا قال صلعم "كأنـك تـراه" لأنه يراه من وراء حجب صفاته فلا يرى الحقيقة
بالحقيقة لأنه تعالى هو الداعي وصفة لوصفه وهو دون مقام المشاهدة في مقام
الروح.
ويمكن أن ننتقل في الفقه من
الإحسان إلى الاستحسان وهو ترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس قال تعالى :
"فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"ولا نقصد من الاستحسان المعنى
اللغوي أي عد الشيء واعتقاده حسنا بل المعنى الاصطلاحي أي الرأي الجلي
والمستحسن.ولا يكون المسلم محسنا إلا إذا كان مخلصا ولذلك اقترن الإسلام
بالإحسان واقترن الإحسان بالإخلاص، فما المقصود بالإخلاص ؟
إن الإخلاص في اللغة هو ترك الرياء
في الطاعات، أما في الاصطلاح فهو تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدّر لصفائه
وتحقيقه أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي صالحا
ويسمى الفعل المخلص إخلاصا. قال تعالى : "من بين فَرْثٍ ودمٍ لبنًـا خـالصًا"
النحل 66.
وقال ابن عيـاض :
"ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجلهم نفاقا والإخلاص : الخلاص من هذين"
ومن هنا فإن الإخلاص هو أن لا تطلب لعملك شاهدا غير الله ولا يكون إلا بعد
التحول في العمل بتصفية الأعمال من الكدورات وأن لا يعلم الستر القائم بين
العبد وربه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.
عندئذ الإخلاص هو
أن يصدق المخلص بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويقر عقدا بأن القدر
خيره وشره من الله تعالى بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن
ليصيبه وبالتالي يكون مؤمنا حقا. وهكذا كان الإسلام هو المبدأ والإيمان وسط
والإحسان كمالا.
وقد شمل لفظ
المسلم الناجي والهالك، المؤمن والمنافق، الفاسق والكافر إذ يقول سيد البرية
محمد عليه الصلاة والسّلام :"المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترنجة
طعمها وريحها طيب والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب
ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ
ومثل المنافق الذي لا يقرأ كالحنظلة طعمها مرا وخبيث وريحها مرّ" [صحيح
البخاري][2].
علاوة على ذلك
يتطلب الإسلام لتحقيق الكمال الاستقامة والصلاح. أمّا الاستقامة فهي القيام
بما أمر الله به, فالمستقيم هو واحد من أولى الألباب الذين يصلّون ما أمر
الله به أن يوصل، والاستقامة في الدين هي مداومة المقام فيه على استوائه
واعتداله لا ينكب عنه يمينا ولا شمالا ولا يلتزم منه مالا يطيقه، وهو كذلك
الإتباع والسداد والمقاربة والاستغاثة بالله في كلّ أمر بالقصد والتوجه
والتوكل والتحلي بالتؤدة والصبر وحسن الصّمت أثناء المتابعة.
قال تعالى: "اهدنا صراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب
عليهم ولا الضالين" (الفـاتحة).
بقي أن نشير أن
صفة الصلاح لا يمتلكها إلا من وفى بجميعه وفاءا حسنا واستكمل خصال الشاكرين
والتزم بها في أحوال متقلبة ومثواه. والمصلح هو الذي تعلم القرآن وعلمه وعمل
به وكان من أهله دون أن يضيعه أو ينسيه، الذي لا يقتصر على أداء الفرائض
واجتناب المحارم بل يستكمل العبادات بأداء النوافل.
فإذا قرن المرء بين الإيمان
والإحسان والإخلاص والاستقامة والصلاح وقرن المجاهدة بالمشاهدة وصار غيبه
شهادة وشهادته غيب كان مؤمنا حقا وحصل على الإسلام بدرجة الكمال الذي هو
المبدأ والمعاد والمبتدى والمنتهي وعلى هذا خص الإسلام بالفرقة الناجية و
الرسول خاتم النبيين والقرآن ناسخ لكلّ الكتب والصحف والشرائع المنزلة. قال
تعالى: "فلا تمـوتُـن إلا وأنتـم مسلمـون" البقـرة 132
وعلى الرغم من أن المسلمين تفرقـوا
إلى مذاهب وطبقات وملل ونحل فإنهم أجمعوا على أن الإسلام له مجموعة من الأصول
والشرائع لا يمكن لأحد أن ينكرها. يقول الرسول صلعم:"تفترق هذه الأمـة على
ثلاث وسبعين ملة كلّهم في النار إلا واحدة" قـالوا : يا رسول الله وما الملة
التي تتغلب " قـال : "ما أنا عليه وأصحابي" ويقول أيضا : "لا تزال طائفة من
أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمرُ الله" الحق هنا هو
الإسـلام, فما هي أركان الإسلام التي هي محل اتفاق بين جميع الفرق والملل ؟
من المعروف أن الأمة أجمعت أن
الإسلام يقوم على مجموعة من الأركان والشرائع وهي خمسة:
1- شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله... 2- إقامة الصلاة
3- إيتاء الزكاة 4- صوم رمضان 5- حج البيت الحرام.
ومن أسقط وجوب ركن من هذه الأركان أو تأولها على معنى موالاة قوم فقد
كفر وخرج من دائرة الأمة. وقالوا أن أصول أحكام الشريعة : الكتاب والسنة
والقياس والإجماع والاستحسان والاستصحاب والعقل والمصلحة المرسلة والعرف وشرع
من قبلنا ومذهب الصحابي وفتح الذرائع وسدها.وعرفوا أحكام الأمر والنهي وقسموا
أفعال المكلفين إلى خمسة : واجب ومحظور ومسنون (مندوب) ومكروه ومٌباح.
فالواجب: ما أمر الله به على وجه اللزوم وتاركه مستحق العقاب على تركه
المحظور: ما نهى الله عنه وفاعله يستحق العقاب على فعله.
المسنون: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه (النوافل)
المكـروه: ما يثاب تاركه
ولا يعاقب فاعله (التدخين)
والمبـاح: ما ليس في فعله ثواب
ولا عقاب ولا في تركه ثواب ولا عقاب إنّ هذه الأحكام تتوجه إلى المكلفين
العقلاء أما البهائم والمجانين والأطفال فخارج دائرة التكليف.
وقالوا: إن كل ما
وجب على المكلف من معرفة أو قول أو فعل فإنما وجب عليه بأمر الله تعالى إياه
به وكل ما حرم عليه فعله وقوله ومعرفته فينهى الله تعالى إياه عنه ولو لم يرد
الأمر والنهي من الله تعالى على عباده لم يجب عليهم شيء ولم يحرم عليهم شيء.
وهذا التكليف يتوجه على العاقل بخاطرين يخطران بقلبه الأول من قبل
الشيطان يدعوه به إلى العصيان وينهاه به عن طاعة الله والخاطر الثاني من قبل
الله سبحانه يدعوه به إلى النظر والاستدلال.
نتكلم الآن عن
أصول الإسلام وهي معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته ومعرفة الرسل بآياتهم
وبينـاتهم. ومن المعلوم أن الدين منقسم إلى معرفة وطاعة وإلى حقيقة وشريعة
وإلى مقصد وطريقة, فمن تكلم في المعرفة والتوحيد والحقيقة والمقاصد كان
أصوليا ومن تكلم في الطاعة والشريعة والطريقة كان فروعيا وبعبارة أخرى كل ما
هو معقول ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال فهو من الأصول وكل ما هو مظنون
ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع.فالأصول موضوع علم الكلام
والفروع هو موضوع علم الفقه.
أصول الدين هي
التوحيد والعدل والوعد والوعيد والسمع والعقل والولاية والإمامة. وقد اتفق
الجمهور من المسلمين على صدقية هذه المبادئ :
1- إثبات الحقائق
والعلم على الخصوص والعموم.
2- العلم بحدوث
العالم من محدث هو الله.
3- معرفة صانع
العالم وصفاته الأزلية وأسمائه وأوصافه.
4- معرفة الرسل
والأنبياء ومعجزاتهم وكرامات الأولياء.
5- معرفة ما
أجمعت عليه الأمة من الشرائع وأحكام الأمر والنهي والتكليف.
6- معرفة فنـاء
العباد وأحكامهم في المعـاد.
7- معرفة شروط
الخلافة والإمامة وأحكام الأعداء من الكفرة وأهل الأهواء.
قال تعالى: "فمن
يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا" [الأنعام
125]. وقد قال المسلمون إن أصل الإيمان المعرفة
والتصديق بالقلب واتفقوا على وجوب جميع الطاعات المفروضة وعلى استحباب
النوافل المشروعة فاسم الإيمان لا يزول على مرتكب الذنوب وهو ليس الإقرار
الفرد سواء كان معه إخلاص أو نفاق وقالوا : إن اسم الإيمان لا يزول بذنب دون
الكفر ومن كان ذنبه دون الكفر فهو مؤمن وإن فسق بمعصية، وقد استثنوا من ذلك
المشركين.والله تعالى يقول : "ما كان للمشركين أن يعمرُوا مساجد الله شاهدين
على أنفسهم بالكفر" [التـوبة 17].
ولم يبح المسلمون
قتل كل عاص لله تعالى ولو كان المذنبون كلّهم مشركين لكانوا مرتدين عن
الإسلام ولكان الواجب قتلهم بل دعوا إلى إقامة الحدود عليهم فحكم السارق قطع
اليد والقاذف للمحصنات يجلد والزاني المحصن يرجم.
وقالوا لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : من ردة بعد إسلام أو زنى بعد
إحصان أو قصاص بمقتول هو كفأه و هذه أمور ليس من اليسر إثباتها على أحد.
وقد ترتب عن هذا
التصور التراثي للإسـلام:
1- الاختلاف في
الأصول.
2- بروز المذاهب
ونشوب التوتر فيما بينها.
3- التكفير
والإقصاء والتقاتل.
4- ظهور دعوى
الفرقة الناجية.
5- إغلاق باب
الاجتهاد وتغلب التفسير على التأويل.
6- جمـود الإسلام
وذهاب ريح حضارته.
7- انفصال الدين
عن الحياة والواقع وتحوله إلى كهنوت ووثنية.
وإذا كان غرضنا
إحياء الدين وإصلاح عقيدته وبناء فهم صحيح للإسلام ملائم للعصر ومتطلباته
فإنه لا مناص لنا من عرضه على محك النقد الفلسفي الهيرمينوطيقي.
لكن قبل ذلك حري
بنا أن نعرف حقيقة فلسفة الدين ما هي ومن ثمة ننتقل إلى التحدّث عن الدلالة
المعاصرة للإسلام. لكن ماذا تعني هذه الآية: » اليـوم أكملتُ لَكُـمْ
دِينـكُـمْ وأتْمَمْـتُ عَلَيـكُـمْ نِعْمَتِـي وَرَضِيتُ لَكُـمْ الإسـلاَمَ
ديـنًـا... «(المـائدة 3)؟
2*
الديـن على محـك العلم والفلسفـة:
» إن الدين رغم
كثرة ارتباطه بالحركات الرجعية هو من أكثر العوامل الاجتماعية بقاء ومن أقوى
الوسائل الفعالة للسمو بحياة الفرد والمجموعة البشرية « [3]
ما دام الدين قد
انفصل عن الحياة وما دام الفكر الإسلامي قد ابتعد عن الواقع ومادام الإسلام
استقل بنفسه وتحول إلى كهنوت عندما تصور أنه ينفرد بمعرفة الله وأنه يمتلك
سلوكا خاصا هو العبادة ومكان خاص هو الجامع وموظف خاص هو الشيخ وزي خاص هي
العمامة ولغة خاصة هي لغة المفتي والداعية والمرشد الوعظية المعيارية فإنه من
البديهي أن يصبح الإسلام في حالة من الضمور والانكماش ومن المنطقي أن يكون
للدين عالمه الخاص هو الغيب والآخرة وما وراء الموت وهو مليء بالأسرار
والألغاز يختلط فيها بشعوذات الجمهور من الاعتقادات الأسطورية.
وقد استطاع الحس
الشعبي أن يكشف هذا الكهنوت في ممارسة الشعائر لأن الحياة أقوى من أي مظهر
خارجي فالصلاة قد تدل على التظاهر بالإيمان وقد لا تنفع التوبة في تغيير
الحال وقد تكون قراءة النصوص مجرد ترتيل دون فهم معناها ودون أن يعيها أحد
أما رجل الدين نفسه فقد يسرى عليه ما يسرى على سائر البشر وقد لا يكون
لروحانيته أي أثر في سلوكه وقوله وفكره بل تسيطر عليه أمراض النفاق وسوء
النية تظهر في ازدواجية الشخصية والتناقض في الأفعال والتباعد بين النظر
والعمل بيد أنه إذا أمعنا النظر وفصلنا في الإيمان بين الجوهر والعرض فإننا
سنجد أن الإسلام لا يوجد فيه كهنة أو طبقة جامدة تحترف إقامة الشعائر وتباشر
الوساطة بين العبد وربه وأن علماء الدين ليسوا فئة بل هم مجرّد مبلغين وليسوا
مقدسين ومسيطرين،أضف إلى ذلك أن كلّ مسلم هو رجل دين يستطيع أن يتعلّم من
القرآن ومن الله بنفسه عندما يناجى ربه مباشرة بلا واسطة.
وحتى وإن وجد رجال
الدين في الإسلام مثل الأئمة والفقهاء فهم في غالب يقفون إلى جانب الأمة
والشعب ويناصرون المظلومين وليس إلى جانب "الدولة والطبقة المالكة والظالمين".
كما أن الشعائر الدينية متطورة وليست جامدة لاعتمادها على نصوص تقتضي
الفهم وإعادة القراءة, فالإسلام بعد أن وضع النبي أصوله وحدد نصاب شعائره فتح
مجالا واسعا للتطور الاختياري من خلال الاجتهاد النظري والتأويل والاعتبار
العقليين في الطبيعة دون أن ننسى الجهاد العملي في السلوك اليومي والحياة
المجتمعية.
ولا يرتضى الإسلام أن تصطدم شعائره
بفروض الحياة ومتطلبات الواقع لذلك كانت الشعائر اختيارية متروكة لظروف
الأفراد واختلاف الزمان والمكان وبإمكان الناس أن ينتقلوا من الشعائر المحددة
إلى الشعائر الميسرة. فالشريعة المحمدية هي شريعة إنسانية ولا روحانية والدين
هو دين يسر وليس دين عسر فليس هناك كهنوت وينبغي أن نعترف أن الدنيا كلها
مساجد وأن مساحة الطقوس والعبادات محدودة ولا تمثل عائق أو عقبة أمام التطوّر
والإبداع والتمتع بالحياة. إن الكون مستودع ضخم لنعم الله أبيح للناس أن
يتمتعوا بها والقرآن دستور حافل بالآيات للإفادة من هذه النعم.
على هذا النحو فإن
الدين نفسه خاضع لجدلية الهدم والبناء وإن نقده هو الشرط الممهد لكل نقد في
السياسة أو في المجتمع لأنه لا تقدم لأي شعب ما لم يجدد في نظرته إلى عقيدته
ويطور أصولها بشكل يجعلها تتأقلم مع معطيات العصر.وقد نتج عن هذه الحداثة
الدينية أن تحول الدين نفسه إلى موضوع أسمى للفلسفة وللعلوم الإنسانية وهي
علم النفس الديني وعلم الاجتماع الديني وعلم الأديان المقارن.وقد ترتب عن ذلك
أن الوحي المقدس لم يعد المقصود منه إثبات موجود مطلق متعالي لا يحتاج إلى
الغير وإنما غايته هو تطوير الواقع في لحظة تاريخية معينة ومساعدة الإنسان
على تطوير قواه وقدراته لتحقيق حسن البقاء وتنظيم علاقته بنفسه وبالآخر
وبالعالم. وقد نشأ علم التفسير من أجل ضبط معاني النصوص والحصول على معاني
الوحي طبقا لحاجات العصر وبناء على اتجاهات المفسر.
من هذا المنطلق
فإن العقائد مثل الإسلام ليس لها صدق داخلي في ذاته بل صدقها هو مدى أثرها في
الحياة وتغييرها للواقع لأنها موجهات للسلوك وبواعث عملية لا أكثر, وأي حكم
فقهي بالتحليل أو بالتحريم أو بالإلحاد أو بالإيمان هو حكم قيمة وليس حكم
واقع لأن مقولتي الإلحاد هما مقولتان نظريتان لا تعبران عن شيء واقعي لأن ما
يظنه البعض على أنه إلحاد قد يكون جوهر الإيمان وما يظنه البعض الآخر على أنه
إيمان قد يكون جوهر الإلحاد. فالإيمان بناء نفسي للفرد وبناء اجتماعي للواقع
بالانتقال من العرض إلى الجوهر ومن الشكل إلى المضمون و لابد من القيام بتحول
من القول إلى الفعل ومن النظر إلى السلوك ومن الفكر إلى الواقع. وأعلى درجات
الإيمان هو كلمة حق في وجه حاكم ظالم. إنه اختيار الطريق الصعب طريق الشهادة
والعدل وترك طريق الادعاء والمنصب والرياء والنفاق.
كما أن الإلحاد
يمكن أن يكون في جوهره رغبة في بيان الأثر العملي كالأفكار ورد فعل على
الإيمان العجائزي الموروث المتحجر الناتج عن تقليد لا أصالة فيه . و قد يكون
الإلحاد ثورة داخل الدين من أجل تجديده تعبيرا عن تطابق الفكر مع الواقع
والوصول إلى درجة من الوعي بالحاضر والشروع في درء الأخطار وفضح شتى أنواع
التسلط والتزوير ومقاومة للاستعمار بمرونة الفكر وشجاعة في الموقف.
غني عن البيان أنه
يمكن إعادة بناء العلوم النقلية الخالصة مثل "علوم القرآن والحديث والتفسير
والسيرة والفقه من أجل إسقاط المادة القديمة التي أصبحت بغير ذي دلالة مثل
الآيات التي نسخت قراءتها وحكمها أو تاريخ المصاحف وجمعها وإبراز الموضوعات
الدلالة مثل أسباب النزول (أولوية الواقع على الفكر) والناسخ والمنسوخ (الزمان
والتطور)..الخ.أما علم التفسير فانه أيضا يعاد بناؤه بحيث يتم تجاوز التفسير
الطولي(سورة سورة وأية آية) وتجاوز التفسيرات اللغوية والأدبية والفقهية...الخ,وبداية
التفسير الموضوع بوصف بناء الشعور ووضعه في العالم مع الآخرين ووسط الأشياء.
أما علوم الحديث فانه يتم فيها تحليل الشعور,شعور الراوي من خلال مناهج
الرواية ثم تجاوزها الى النقد العقلي والحسي للمتن.وفي علوم السيرة يتم
الانتقال من الشخص الى الكلام حتى يتم القضاء على التشخيص وعبادة الشخص في
حياتنا العامة.أما علم الفقه فانه يتم إعادة بنائه بحيث تعطى الأولوية
للمعاملات على العبادات ولنظم الدولة على قانون الأحوال الشخصية."[4]
إن تحديث الدين
علميا وفلسفيا هو أمر ممكن سواء بتطوير العلوم الدينية أو بتسليط أنوار علمية
وفلسفية على الظاهرة الدينية من أجل تحقيق فهم آخر لها. فالغرض من فلسفة
الدين هو إثبات أن حرية الفكر لا تعارض الإيمان الصحيح بالبرهنة على أن حرية
التفلسف لا تمثل خطرا على التقوى الصحيحة: فإيمان يقوم على البحث الحر خير من
إيمان يقوم على العادات والتقاليد الموروثة وحرية التفكير هي السبيل إلى
تطهير ما يعلق بالإيمان مما يضاده من مصلحة طبقية أو رياء نفسي أو نفاق سياسي.
ويؤدي القضاء على حرية التفكير إلى ضياع التقوى و تحويل الإيمان إلى وثنية أو
طاغوت.
على هذا النحو
لابد من تطبيق منهج العقل ضد الخرافة والجهل ولابد من استخدام سلاح العلم على
ما يعتري الناس من مخاوف وأوهام نتيجة الاستبداد والقمع والتقليد. إن الشعور
الديني يميل بطبعه إلى التصديق السريع بتذبذبه بين الرجاء والخوف وبين الرهبة
والرغبة,إذا اعتراه الشك تاه بين تفاصيل الوجود وإذا حصل على اليقين سقط في
التعصب والغرور.
فماهي المسلمات الضمنية لفلسفة
الدين؟ ماهي رهاناتها واستتباعاتها؟
أ- فلسفـة الدين:
» إن مجتمعا بـلا
ديـن مصيـره الاسترخـاء« (أوليفـر ليمـون).
تكتسب فلسفة الدين
أهمية أكثر من مجرد الأهمية النظرية لأن لديها ارتباط وثيق بأكثر الأشياء
خصوصية وشخصية لدى الإنسان ولأنها تهتم بأكثر المسائل حيوية والتي لها تأثير
على الحياة مثل الأصل والهدف والمصير. لذلك انهمك الكثير من المؤمنين بالدين
في الفلسفة للتعبير عن مبادئ وأساسيات الدين بطريقة عقلانية ولاستخلاص منهج
عقلاني للدفاع عن القضايا التي يثيرها الجدل حوله.
إنّ فلسفة الدين
لا ينبغي أن توضع على رف الأفكار غير المهمة والمهملة بل لابدّ من إسقاط
الكثير من القضايا التقليديـة التي تشكل معضلات تمنع الفلسفة من فهم طبيعة
الدين. فاللاهوت التقليدي هو بالفعل مضلل وقائم على فكرة مبسطة وتصور ساذج
ويقيس الغائب على الشاهد أي بتصور الله على مثال الإنسان وبالتالي فهو لم يعد
مستودع المشاكل الفلسفية المثيرة، فالله لا ينبغي أن تنظر إليه على أنه نوع
الجنس الإنساني وما بعد الحياة لا ينبغي فهمه على أنه شكل من الوجود الذي
يستمر بعد الموت وفيلسوف الدين ليس ذلك المفكر غير المتأكد مما يفعله بل إن
حديثه لا ينبغي أن يدور حول البرهنة على وجود الله فهذا أمر مفروغ منه بل
ينبغي أن ينصب حول العلاقة الممكنة بين الله والكون ويبحث عن الرباط الأصيل
الذي ينبغي أن يصل الإنسان بالله.
ينبغي علينا توظيف
الفلسفة ليس لتعريف الدين والقول بأن مصدره هو الخوف من القوى الغامضة في
الطبيعة بل في استكشاف الطرق التي يساعدنا بها الدين في فهم أنفسنا وفي كيفية
تصرّفنا إزاء أنفسنا وإزاء الآخر وإزاء الكون. فإذا كان الإيمان يتعلق
بالسلوك أكثر منه بالاعتقاد فإن الدين يتعلق بالأفكار التي ينبغي أن نرى بها
الحياة ويحدد ويضبط ماهية مثالياتنا الأخلاقية وماهية وجهة نظرنا حول معنى
العالم. إنه شكل من أشكال الحياة ونهج للسلوك، فإذا كان الدين في الغالب
مؤسسة قديمة فإن القضايا التي تبرز اليوم فيه كانت تقلق الناس منذ زمن طويل
ولم يعثر لها عن حلّ بعد و لابد من إعادة طرحها على صعيد البحث من جديد. بيد
أن الاعتقاد الديني هو مسألة التزام بطريقة للحياة وليس سلسلة من المعتقدات
النظرية والأحكام المعرفية.يساعد الدين المؤمنين وغير المؤمنين على إيجاد
معنى لحياتهم سواء بقبولهم وانقيادهم وطاعتهم أو بسخطهم وعنادهم وجحودهم.
ومن الواضح أن خطوط التأويل
المختلفة للنصوص الدينية مهمة في تعزيز قدسية هذه النصوص ولبيان إعجازيتها
ولإنقاذ معانيها لأن التمسك بفهم واحد للنص لن يسهم بشيء في تكسير الجليد في
إطار الظروف التي لم يعد فيها الحديث عن هذا الفهم أي رجع صدى عند العامة،
فالإيمان الديني يكون ناجحا إذا كان مرنا بما فيه الكفاية وإذا كان يميل إلى
التغيير في كل مرّة بحيث يأخذ في الحسبان تغير الظروف والأزمان.
إنّ الدين يتغير
مع مرور الزمن ولم يعد يسمح بإقامة علاقة عاطفية مع الله تشابه العلاقات التي
نقيمها مع البشر وهذا التغيير هو تطور يسمح للناس بأن يفهموا لله ويفهموا
أنفسهم ويفهموا إيمانهم بطرق ومواضع مختلفة على حسب تغير ظروفهم. الناس
يتغيرون بسرعة هائلة بمرور الزمن ونحن لا نستطيع في كل لحظة أن نتوقع منهم أن
يغيروا جذريا موقفهم من الله[5] بل بمقدور الله عن طريق المعجزة أن يجعلهم
يغيرون مواقفهم وممارساتهم في الحال ولكن يرجع الفضل لهم وحدهم في إحداث
تغييرات جذرية وتطويرات حاسمة خاصة بحياتهم، لذلك ينبغي أن يستجيب الدين
للظروف الاجتماعية والتاريخية المتحولة وإلا فإنه سيخفق في أن يكون له معنى
في الطرق التي يتفاعل بها الناس مع الأشياء المحيطة بهم.
المشكلة هي في اصطناع التفرقة بين
الدين والفلسفة لكون الفلاسفة حينما يفكرون في الدين يرون أنه من غير الملائم
أن يعتقدوا فيه لكن ينبغي أن تنظر إلى الفلاسفة كعلماء دين وإلى علماء الدين
كفلاسفة لأن الدين هو الذي يزود الفلسفة بموضوعها الرئيسي كما أن الفلسفة هي
وحدها التي تحوز على الفهم الحقيقي للدين.
كلّ الفلاسفة
يبدؤون من دون أن يكون لديهم اعتقاد ديني في الأساس ولكنهم يتوصلون إلى
الاقتناع بأن الله موجود من خلال بحثهم العقلي. فلسفة الدين هي فلسفة دين ما
أو فلسفة أديان ولكنها تجمع على أن الدين له صلة شخصية بالإنسان لأنه الوحيد
الذي يطرح هذه المسائل:
من يكون الإنسان؟ متى وأين يحيا؟
إلى أين سيذهب؟
غير أن فهم ما يجعل الدين جذاب
يختلف تماما عن سبب قبوله لدى الناس لأن الفيلسوف غير قادر على الفصل بين
الديني والشخصي وإذا لم يكن معتقدا ملتزما فإنه لن يكون قادرا على فهم جوهر
الدين ولن يتمكن من الحصول على إدراك مطابق لحقيقة الوعي الديني.
إن فلاسفة الدين
هم الأقدر على تأسيس رؤية دينية للعالم يشرعون لحق الاختلاف والتعدد في
التأويل مع البحث عن التأويل الأفضل دون أن يكون الوحيد المقبول بوصفه
التأويل الصادق والحقيقي. وإن رأى البعض من الفلاسفة : أن الدين بقية من
بقايا تفكير الطفولة أو راسب من رواسب الهمجية البدائية أو مجرد أثر خرافي لا
يجدر بالفكر المستنير الإبقاء عليه لأنه قريب من السحر والخرافة ولون فقير من
ألوان هذا الفكر الساذج القديم فإنّ ماركس يحشره ضمن دائرة الأوهام التي كبلت
الناس وسببت تعاستهم وعبوديتهم و هذا موقف قلة من الفلاسفة و لكنه ليس موقف
معظمهم .
وقد قال فيورياخ
في هذا الصدد :" لقد هجرت اللاهوت ليس عبثا أو استهتارا أو كرها ولكن لأنه لا
يشبعني، لا يعطيني ما أحتاج إليه ولا أستطيع الاستغناء عنه، أود أن أضم
الطبيعة إلى قلبي، تلك التي يرتد عن أعماقها رجال اللاهوت الجبناء أود أن
أعانق الإنسان، الإنسان في كماله"[6]. ويضيف "لقد كان شغلي دائما وقبل كل شيء
أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان أن لا يقع
ضحية للقوي المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري"[7].
على هذا النحو يرى
البعض الآخر أنه يمكن دراسة الدين بالعلم أو بالأحرى الدين نفسه يمكن أن يأخذ
شكل العلم لأنه في القرون المغايرة كان الدين هو العلم الذي ينظم الوجود
بمختلف أبعاده. غير أن إخضاع الدين للعقلانية العلمية يؤدي إلى الفصل بين
ديانة الجماهير الغالبة على الناس والمتغلغلة في نفوسهم والمبادئ والأصول
النظرية التي يصبها العلم في قوالب فارغة وأشكال وأبنية جاهزة.
إن الدين يتوقف على عوامل نحن بها
نصف شاعرين وعندما يتحول إلى مجال ذهني خالص سرعان ما يفقد نكهة كونه دين
لأنه سيصبح لاهوت أو فرع من الميتافيزيقا، في حين أن الميتافيزيقا ولا حتى
العلم بالمعنى الوضعي لا يستطيعان أن يعطينا في شكلهما الحاضر صورة نهائية
ومقنعة عن الوجود وعلاقته بالفرد الإنساني, ولهذا نجد معظم الناس يشعرون
بالحاجة إلى شيء ما، قوة غيبية مثلا أو مبدأ أول يطمئن إحساسهم ويقوي
إراداتهم وهذا الأمر لا يوفره لهم غير الدين.
وقد انتبه سبنسر
إلى أن معظم نظريات الدين وشعائره قد تطورت من عبادة الأسلاف في الزمن الأوّل
أين كان أفراد القبيلة يعبدون سلفهم المقدس الذي انحدروا من صلبه إلى عبادة
روح حالة في شيء معين من الخلف أو من الطبيعة.
أما برجسن فإنه
يقر بحتمية تلازم الظاهرة الدينية و الظاهرة الاجتماعية : "فلقد نرى في
السابق أو في الحاضر مجتمعات لاحظ لها من علم أو فن أو فلسفة ولكن لا نعرف
مجتمعا لا دين له[8]" وآية ذلك أن الدين ضرورة أساسية في هذه المجتمعات
وامتداد لوظيفة الأخلاق التي تنشر الإخاء والتضامن وتعمل على التضحية
بالنوازع الخاصة للأفراد في سبيل المصلحة العامة, إلا أن هذه التضحيات لا تجد
المكافأة إلا بالإيمان بوجود جزاء في العالم الآخر, وهو ما يرجع إلى النفوس
نوع من الطمأنينة يجعلها تقبل على الحياة الجماعية بروح كلها أمل واندفاع
للمثابرة في العمل والبذل لأنه "ثمة قسطاس إنساني يزن العقاب والثواب كما
ينبغي أن يوزنا" وها هنا تبدو وظيفة الدين.
وعلى مستوى الحياة
اليومية نجد الأفراد في حالة صراع مع الطبيعة لافتكاك ما يمكن به تلبية
حاجياتهم إلاّ أنّ هذا الصراع لا يكون دائما لصالح الإنسان وذلك ما للضعف
البشري وقلة الوسائل وتخلفها أو لندرة الموارد وشحتها, فكثيرا ما يرجع الملاح
من البحر دون أن يتمكن من توفير رزق يومه بالرغم من جميع الاحتياطات المتخذة
أثناء إعداد أدوات الصيد وأثناء القيام بالعمل, وقد يرجع البدائي بدون قنص
وفير بالرغم من مهارته الجيدة, كما يمكن للعواصف والرياح أن تأتي على
المحاصيل الزراعية في هذا الموسم دون ذلك الشيء الذي يجعل هؤلاء الأفراد
يشعرون بأن مجهوداتهم معرضة للإخفاق دون سبب واضح ممّا يهيئ هؤلاء الأفراد
إلى الاهتمام بإمكانية الخلاص من هذا الفشل وأن يأخذوا احتياطاتهم ضدّ كلّ
شيء غير محتمل وغير متوقع.
إنّ هذه المحاولات
التي يسعى إليها كلّ فرد وكلّ مجتمع تجد خير تعبير لها في الدين.
إن عمل التفكير حسب برجسن لا يتماشى وسير الحياة واتجاهها لأن العقل
له يقين بالموت لذلك يقوم بعمل موجه ضد الفرد والجماعة بما يوحي به في النفس
من قنوط ويأس وبما ينشره داخل الجماعة من أنانية وتشتت وانفصام وإن الدين
يتدخل لحماية الفرد من التصورات العقلية فيعطي دعما روحيا متمثلا في نشر فكرة
البقاء بعد الموت والدعوة إلى الخلود وراء الفناء المؤقت فيحدث هذا الاعتقاد
انقلابا عكسيا يظهر أثره في استقرار الفرد وراحة باله، الشيء الذي ينجر عنه
استقرار المجتمع ذاته وتوازنه وانصراف أفراده للعمل والإنتاج وتسود روح البذل
والعطاء. إنّ الدين عند برجسن يمثل ردّ فعل دفاعي تقوم به الطبيعة ضد كل
الأفراد الذين يتهاونون في أداء واجباتهم الاجتماعية مثلما أنه وسيلة
للحيلولة دون نفاذ العقل إلى ما يريد أن يصل إليه من تثبيط للعزائم وتوهين
للقوى.
إن الدين يقلل من
الخوف والقلق الراجع إلى الضياع واليأس بأن يحل الطمأنينة والسكون بين
الأفراد ويحول دون انتشار الأفكار العقلية الهدامة والأنانية.يقول
برجسن:"فكيفما فسرنا الدين، وسواء أكان اجتماعيا بالجوهر أو بالعرض فإن ثمة
ناحية لا سبيل إلى الشك فيها، وهي أنه قد قام دوما بوظيفة اجتماعية"[9],فإذا
كانت العلاقة ثابتة بين الدين والمجتمع ألا يجدر بنا إذن أن ندرسه من زاوية
علم الاجتماع؟
ب- علم الاجتمـاع الدينـي :
»أول شكل من أشكال
الدين، إذن، يجب أن يتطلب في الإحساس الديني أكثر ممّا يتطلّب في المذاهب
الدينية, إن الدين مدين بميلاده إلى بعض غرائز غامضة, ولكنها عامة تشترك فيها
الجنس البشري كله, هي غرائز الخوف والرهبة والخضوع والإعجاب بشيء خارجي يصح
أن نسميه الروع أو التقي،فهذا المعنى معنى الشيء الرائع تعمرنا قبل أن تكون
لأنفسنا رأي واضحا عما فوق الإنسان أو فوق الطبيعة بأمد طويل...«[10]
ما هو مصدر الاعتقـادات الدينية
حسب علم الاجتماع ؟
هل هي الانفعالات السحيقة القابعة
في أعماق النفس أم العادات والتقاليد الموروثة؟
سادت منذ مدّة في الدراسات
الاجتماعية للظاهرة الدينية نظرية
E.B.Taylor والتي ترى بأن التصورات الدينية الأولى عند المتوحشين نبتت من
اعتقادهم في وجود أرواح تسكن الأشياء Animisme والتي قد يتّخذون الكثير من
هذه الأشياء أو واحدة آلهة يعبدونها ويتقربون منها.
كيف غزت هذه النظرية الإحيائية
الأرواحية الساحة الدينية المقدسة؟
والحق أن المتوحشين الأوائل
والأطفال والعرافين يحوزون على صور ذهنية بصرية غير واضحة ومشوشة تعكس
خيالاتهم أكثر من واقعهم فهم مثل هاملت الذي يرى صورا غريبة بعيون عقله
وبحذاء بصيرته, ولذلك نجدهم يتحدثون عن الأطباق والأشباح والمسوخ لوصف هذه
الصور الذهنية الغريبة, ففي الغابة الكثيفة أو بين القبور حيث يخيم الصمت
والظلام فيمنع من رؤية الأشياء على حقيقتها يرى الفطري البدائي خيالات أولئك
الذين غابوا عنه أو ماتوا وكان كثيرا ما تعلق بهم وتأسف على مغادرتهم
وبالتالي فإنه يتخيل أن أحياء يجيئون لزيارته وهو نائم ليلا حتى أنه إذا
استيقظ وفكر في تلك الرؤى الغريبة ملأ الدنيا حديثا عن تلك الأطباق والأشباح
الرقيقة شبه الشفافة التي تزوره بينما هي مجرد انعكاس في مخيلته ووجدانه
لكائنات كان قد رآها في يقظته.
غير أن نظرية
تايلور التي تذهب إلى الاعتقاد في الأرواح في الأشياء تعطينا تعريفا ممكنا
للدين يضعه في علاقة عضوية بالأسطورة والسحر خصوصا وأن الاعتقاد في القوى
الغيبية وتأثيرها على الأشخاص واضح للعيان لذلك سيسعى جيمس فرايزر إلى
التفريق بين الدين والسحر، لأن السحر ليس دينا بدائيا بل هو نوع من العلم
الضارب في القدم, إذ يقول : "إن عصر السحر قد سبق عصر الدين في كلّ مكان,"
فالساحر يسير على ضوابط تقليدية متوارثة يحاول أن يسيطر على الطبيعة ويخترق
قوانينها ليوجهها نحو رغباته فهو يحاول مثلا أن يثير الريح بالصفير أو يجلب
المطر بأن يلوح بفرع نخل بعد غمسه في ماء حار, وهو بذلك لم يبتهل مثل رجل
الدين إلى قوة عالية تتدخل بالنيابة عنه بل إنه لا يثق حتى ثقة ساذجة في
العلية الإلهية المباشرة ولا يؤمن بالعناية الربانية للكون والخلق، لذلك فإنّ
غلطة الساحر أنه يختار السبب البعيد الخاطئ ويهمل السبب القريب الفاعل وسبب
غلطته أنه يفضل أن يحدث الشبيه بالشبيه ويرفض البحث عن القوانين الكلية التي
تختفي وراء ظواهر الطبيعة.
غير أنّ نظرة
فرايزر للساحر خاطئة لأنه ليس رجل علم بدائي ولا رجل علم ناشئ ولا كذلك مفكرا
منطقيا واضحا وإنما هو شخص سريع التأثر حريص أن يخبر من حوله ويسعى إلى
خداعهم والتأثير عليهم أكثر من سعيه إلى السيطرة على الطبيعة لذلك يلجأ إلى
الخوارق والبدع. هكذا فإن الأحاسيس والأعمال البشرية تندفع إلى الظهور أولا
ثم تنبعث العقائد والتصورات الدينية متأخرة لتبرز هذه الأحاسيس والأعمال.
من زاوية أخرى إذا عدنا إلى ليفي
بريل في كتابه الميثولوجيا البدائية نجده يعتبر ظاهرة الأسطورة سابقة على
الظاهرة الدينية لأنها منتمية إلى مرحلة ما قبل الدين، فهي لا تمثل جزءا من
الديانات القديمة بل تعتبر سابقة على الديانات الموجودة لاحقا لأن عملية
الانتقال من الأسطورة إلى الظاهرة الدينية قد تمّت من خلال تغيير جذري في
مستوى العناصر الأساسية المكوّنة للأساطير باختفاء بعض العناصر التي تكون
مرحلة الأسطورة وبروز عناصر جديدة تكون العقلية الدينية, إذ ينتقل من مشاهدة
تأثير الحوادث في الكائن البشري إلى الإقرار بوجود قوى خفية لهذه الحوادث
ويختلف تأويله لهذه القوى والأحداث تبعا لأهميتها بالنسبة لحياة الأفراد.
هنا نرى كيف يحس
الإنسان الأول البدائي/الهمجي بالفزع من شيء يعامله كأمر خطير وغير عادي ثم
يقوده فزعه بعد ذلك إلى أن ينسج تفسيرا عقائديا حول ذلك الشيء الذي كان مصدر
خوفه لكن أسلوبه في التفكير والاستنتاج وهو محدود يجعله يعتبر التخويف من عمل
كائن مثله ولذلك يرد الفعل ويحاول بدوره أن يخيف ذلك الكائن الذي هدده أو
يتقرب إليه زلفى وينافقه ليتجنب شره من خلال الأضرحة والدعاء أو عن طريق
تعويذات ورقيات السحرة. وهناك أشياء عادية وظواهر طبيعية تؤثر في انفعالاتنا
بطريقة غير مفهومة مثل الرعد والبرق والأجسام الميتة (الجثث) والدم فكل ذلك
رائع ولكنه مخيف، إن مجرد رؤية هذه الأشياء أو التفكير فيها يجعل البدائي
يخاف ويرهب لأنه يعتقد أن لها من القوى الخفية اللامادية التي يمكن أن تغير
مجرى حياته، تجمع هذه الظواهر بين الإعجاز والغموض وبين التقديس والتحريم
وتتضمن عناصر الشدة والحيوية والنفوذ وتمارس التأثير السحري والقداسة الممجدة
ولذلك فهي ليس فقط تنذر وتخيف بل تثير أيضا كل الانفعالات الإنسانية العميقة.
الإنسان الأول
البدائي/الهمجي إذ يؤمن بهذه القوى الخارقة للعادة فإنه يحاول أن يسترضيها في
حذر وأن يحصلها لنفسه فقد يشرب دم الأضحية أو يأكل لحك العدو من أجل أن يحصل
منه على القوة التي يستخدمها ضدّه ومن أجل أن يرهبه وينتصر عليه. هذه المناسك
والشعائر تلعب دورا كبيرا في الديانات الفطرية وتحولت إلى طقوس وحفلات رمزية
والتي مازالت إلى الآن محور تأويلات مختلفة.
إن انفعالاتنا
الموروثة هي مصدر التدين الإنساني وهي لم تتغير ذرة واحدة عما كانت عليه
عندما فارقنا عهد البربرية فلا تزال تبعث فينا الرهبة والروعة تحت تأثير نفس
الأحداث والوقائع مثل المرض والخطيئة وأزمات الحياة ومصائب الميلاد والزواج
والموت المفاجئ وحكم القوى الغامضة (القدر المحتوم) والتي يبدو أن لها دور
كبير في كل ما يحصل لنا ويحل بنا في حياتنا.
من جهة أخرى
يستبدل دوركايـم الطبيعة بالمجتمع في تفسير نشأة نزعة التدين لدى الإنسان
ويبرز الدين كجزء ملازم للحياة الخلقية والحياة الاجتماعية. إن الظاهرة
الدينية جزء لا يتجزأ من الظاهرة الاجتماعية بل هي التعبير عن مطلب المجتمع
ذاته, فهي راجعة إلى نوع من الاحترام والتقديس الذي يشعر به كل فرد تجاه
الجماعة التي ينتمي إليها.
إن التصوّرات
الدينية المختلفة تقوم بوظيفة رئيسية تتمثل في بقاء المجتمع واستمراريته على
قيد الحياة. كما أن المجتمع يقوم بصنع آلهة بنفسه ويصطنع أشياء مقدسة لخدمة
هدفه في البقاء والنمو.إن هذه المقدسات ليس لها من هدف سوى إرضاء طموحات
المجتمع وخلق الوسائل الكفيلة بتلبية مطالبه وحاجياته، زد على ذلك أن مختلف
الأشكال الدينية لا تمثل سوى تعهد للمشاعر الاجتماعية وتثبيتها في المراسم
والاحتفالات فنشوء الآلهة لا يبرز للعيان إلا أثناء الغليان والتقلب
الاجتماعي, إذ يصرح في هذا السياق : "إن استعداد المجتمع لكي ينصب نفسه إلها
أو ليخلق آلهة لم يكن واضحا أكثر من السنوات الأولى للثورة الفرنسية"[11] فقد
حلت مقدسات الحرية والمساواة والإخاء السياسية محل مقدسات الدين : الابن
والابن والروح القدس. لذلك يرى دوركايم أن المجتمع محتاج للوصول إلى أهدافه
في التماسك والازدهار والنمو إلى صنع رموز وشعارات تعبر عن قوته المقدسة
والتي يجدها في الآلهة.
فالدين له وظيفة
إنتاج الرمز وكذلك نشر مشاعر الاحترام والتقدير,إن الأفراد يعبدون من خلال
مجموع مقدساتهم المجتمع ذاته ذلك أن الإله والمجتمع شيء واحد. وهذا واضح في
القرآن الذي ربط الإله بالناس "ملك الناس، إله الناس" ويعترف دوركايم أن
المجتمع يغير من هذه الرموز ومن وظائفها تبعا لتبدل حاجاته وظروفه المعيشية
فيخلق للشعائر الدينية والطقوس وظائف متماشية مع النظام الاقتصادي والاجتماعي
ويؤدي هذا التغيير أحيانا إلى نحت آلهة جديدة لها خاصيات ووظائف جديدة.كما أن
المجتمع يستعمل طرقا ملتوية وغامضة قصد إخضاع الأفراد لسلوك ديني معين يتعارض
مع ميولهم الفردية الغريزية ويستند على جملة من التصورات الخيالية تحظى بنوع
من القداسة تخول لها التعالي على الأفراد وقهرهم.
واللافت للنظر أن
وظيفة الدين الأصلية هي تلبية مطامح المجتمع وشواغله, فنظام الرموز والطقوس
الديني ليس له من هدف سوى تمتين الروابط بين أفراد المجتمع وتحقيق مصالحهم
الحيوية حتى وإن كانت مادية.ما هو هـام عند علماء الاجتماع هو تأكيدهم أنّ
الأديان قديمها وحديثها تشمل دائما على جوهر واحد وحقيقة واحدة وهي خدمة
التماسك الاجتماعي وإعطاء المعنى الذي نفسر به وقوع الحادثة على الشخص. لكن
ما هو خاطئ هو إيمانهم بوجود تناقض بين العقلية البدائية المتخلفة والعقلية
المدنية المتحضرة وفاتهم أن التفكير البدائي تفكير طبيعي موجود فينا نحن
المتحضرين وهذا ما بينته التحاليل النفسية.
ج- علـم النفـس الديني :
» إن عالم النفس
يدرس الدين... لا ليكشف كونه حقا أو باطلا بل بمجرد أنه معني بمرافقة البشر
وبإعمال عقولهم «[12]
يستخدم علم النفس
الديني نتائج علم الأجناس والتحليل النفسي وعلم الأديان المقارن ليغوص في
أعماق وجدان الإنسان المؤمن ولينفذ إلى البواكير الأولى للدين ليجد في سلوك
البدائي الفطري وفي أوهام الطفل ما يشبه أن يكون مقدمة للعبادات الراضية عند
الكبار المتحضرين وليفسر لنا أسباب ظواهر الارتداد الديني والإلحاد والزندقة
وتقشي النفاق والتجارة بالدين ويعطينا تأويلات عن التشدد والتعصب ووصول البعض
إلى حدّ السلوك السادي بالتلذذ بتعذيب الآخر والسلوك المازوشي التلذذ بتعذيب
الذات في أجل صيانة المقدس والدفاع عن العقيدة.
إن عالم النفس قد
يكون له تصوره الخاص فلكل إنسان دينه الذي يعتقده بطريقة فطرية أو مكتسبة
ولكن ذلك لا ينبغي أن يعرقل مسار بحثه وأن يحيد به عن النزاهة والموضوعية
أثناء دراسته للشعائر والطقوس عند الأديان الأخرى أو عند الفرق المختلفة داخل
نفس الدين, وعند هذا العالم يستوي على مستوى المضمون والشكل المؤمن بالكتب
المنزلة الذي يمارس شعيرته في المسجد أو الكنيسة أو الدير والوثني الذي يركع
أمام الخشب والأحجار وتلهمه رؤى دانتي والمعري السامين عن الجحيم والمطهرة
والنعيم والجنة.
يتصيد الباحث في
علم النفس الديني معلوماته من كلّ عصر ومن كل قطر ومجتمع, فسيدة بوسطن
بروحانياتها وشطحاتها في وادي النجوم ورجل الغابة الاسترالي يصيح حول حيوانه
المقدس طوطمه الببغاء الأبيض والسناتور الروماني وهو يعبد زمرا من أرباب
الأرض والآلهة من البشر والصابئ والمجوسي وهما يعبدا النار وأهل الكتاب من
ملة إبراهيم وهم يعبدون إلها واحدا كلّ ذلك الحشد الزاخر بالعقائد والشعائر
يمر أمامه كمجموعة من الحقائق تلاحظ وتوازن ويُمكن أن يستنتج منها عدّة
اعتبارات.
فإذا كان عالم النفس قد كشف عن
تطوّر الشعور الديني فليس يلزم عن هذا أنه قد حط من شأن الدين أو أبطله أو
فسره بما يذهب من قيمته لأنه إن صحّ أن الدين كما ينظر إليه علماء النفس موقف
طفولي فمن الجائز جدا أن يكون هذا أحسن موقف بل ربّما كان الموقف الوحيد الذي
يمكننا أن نتخذه عندما نواجه معضلات الوجود المجهولة.
فقد بين فرويد في
"الطوطم والحرام " الذي نشره سنة 1911 أن الأصول النفيسة لظاهرة التدين وكشف
عن وجود علاقة قائمة بين الشعور الديني والعلاقة مع الأهل فالتحليل النفسي
يرينا كيف يفقد الإنسان إيمانه الديني لحظة انهيار السلطة الأبوية وكيف بني
المرء موقفا الحادي عندما تكون سلطة الأب سلطة جائرة ومستبدة وكيف يميل إلى
الانقياد والطاعة للقوى الطيبة عندما تكون سلطة الأب ليّنة ومتساهلة.وقد ذكر
فرويد:"أن الأفكار الدينية تنبع من نفس الحاجة التي تنبع منها سائر إنجازات
الحضارة:ضرورة الدفاع عن النفس ضد تفوق الطبيعة الساحق"[13],فالدين جاء ليلبي
الحاجة وليضع حدّا لحيرة الإنسان وضياعه وضائقته أمام قوى الطبيعة المخيمة
وهو يتيح للإنسان إمكانية إقامة علاقة ثابتة مع الطبيعة ويفسح له احتمال
التأثير عليها."إن الأفكار الدينية ليست خلاصة التجربة والنتيجة النهائية
للتأمل أو التفكير وإنّما توهمات تحقيق لأقدم رغبات البشرية وأشدها إلحاحا
وسر قوتها هو قوة هذه الرغبات"[14].
ويعود فرويد إلى
المرحلة البدائية ويرى أن الفطري لا يملك طريقة أخرى في التفكير وبالتالي
فإنه من الطبيعي أن يسقط ماهيته على العالم الخارجي وأن ينظر إلى جميع
الأحداث التي يلاحظها وكأنها من صنع كائنات مشابهة أو يظهر الدين هنا مجرّد
أمان قلبية أو أقرب ما يكون إلى اغتراب الصفات الإنسانية التي يخلعها الإنسان
على قوى الطبيعة حتى يشعر بتوافق معها أو يستطيع إقامة نوع من العلاقة بينها
وبينه.
* وعندما نتحول من
الهمجي إلى الطفل نجد نفس الانفعالات منبعثة على الدوام والتي تمثل الدافع
الأساسي لنشأة الدين , فالطفل الصغير يحس برهبة نحو إلهه مشابهة لرهبته من
أبيه وأمه فهو يتصور الإله الذي يعبده على صورة الرجل الكبير الذي يعجبه أو
والده الذي يرهبه. علاوة على ذلك حين ندرس الحياة الدينية دراسة اجتماعية نجد
الطفل يعطي قيمة ويولي اهتماما كبيرا بثلاث أبعاد رئيسية هي : الأب والأم
ونفسه. وهذا الأمر نجده في كلّ الديانات التي تركز على ثلاث مقدسات في
العبادة : فعند الإغريق نجد السماء (أورانوس) والأرض (جابا) وابنهما الزمان (كرونوس)
وعند المصريين القدامى هناك أوزيرس وإيزيس وحورس وحتى عند بعض القبائل
النيجرية ثمة أدوم وأكوبا وايريبو.فالطفل يتجه بفطرته إلى أبيه وأمه ابتغاء
الأمن والرّاحة والوقاية وهو ميال إلى أن ينسب لكليهما المعرفة الكاملة
والخير التام والقدرة على الخلق والتدبير وهي نفس الصفات التي ينسبها المتدين
لأربابه الأعلين.
في هذا السياق يرى فيورباخ أن "الله
صورة الإنسان"أي أنه يرى في الله إسقاط لحالة الإنسان البائسة المحرومة،
فالله انعكاس للإنسان على ذاته والإنسان ينسب إلى الله طبيعته السامية إذ
يصطدم بالقدرة الكلية للطبيعة فيسقط على الآلهة رغبته في الانتصار على
الطبيعة ولهذا فإنه يرى: "الشعور بالتبعية للطبيعة عند الإنسان هو مصدر الدين"[15].
في هذا السياق
يقول فيورباخ:"إنه جميل ورائع حقا أن يكون هناك إله فاطر الكون ذو عناية رؤوف
ونظام أخلاقي للكون وحياة ثابتة ولكن من المثير للفضول فعلا أن يكون هذا كلّه
هو بالتحديد ما يمكننا أن نتمناه بأنفسنا"[16].فهل يجوز أن نستنتج أن كل ما
هو تيولوجي ما هو إلا باثولوجي؟ أي هل أن كل ما هو ديني ما هو إلا مرض لابد
أن نبحث له عن طرق للعلاج؟
يربط التحليل
النفسي بين الدين والأحلام لأنها أشياء خيالي لرغبات مسموعة في اليقظة وغير
بعيدة عن الهلوسات والأمراض. إن انحرافات المتعصين من المتدينين والمبالغات
الدينية للإنسان البدائي تلفت انتباه المحلل النفسي إلى جوهر أكثر الأديان
تطوّرا وتحضرا وإلى التشابه بين العقيدة الدينية والأحلام. وقد ذكر في كتابه
جوهر المسيحية أن "الوعي هو حلم والعيون مفتوحة والدين هو حلم والإنسان في
حالة وعي والحلم هو مفتاح أسرار الدين". يوضح التحليل النفسي أن الإنسان حين
يجسد صفاته البشرية في صورة إلهه فإنه ينكر على نفسه الإشباع الحقيقي وينغمس
بدلا عن ذلك في إشباع خيالي. ذلك أن العقائد الجامدة هي أماني قلبية لم تتحقق
بعد والاعتقاد في الله ينبع من ميل الإنسان إلى مقارنة الكائن غير الكامل
بالفكرة العامة للكمال الإنساني ومن هنا فإن الراهب أو الراهبة اللذان
يمتنعان عن التمتع باللذة الجسمية يجدان بديلا عنها في المتعة الروحية
الناتجة عن اعتقادهم في العالم المثالي.
ويجد عالم النفس
نفسه مجبرا على مغادرة التحاليل الوضعية الفيزيولوجية للإنسان والابتعاد عن
المقاربات الكيميائية العضوية لوظائف الأعضاء واتباع تمشي روحي إنساني يفترض
خلود الروح وخصوصية الظاهرة الإنسانية لأن الإنسان ليس مجرد جسم هامد ضم إليه
طيف أو خيال أو روح ضما عبر دمج وثيق فربما كانت المادة أكثر روحية وربما
كانت الروح أكثر مادية . " فإذا كانت الظواهر الروحية قد شرحت أحيانا شرحا
مادية فإن بعض الظواهر المادية المألوفة في وجودنا اليومي تتطلب الآن شرحا
روحيا".
ينفرد علمـاء
النفس بدراسة ظاهرة التحوّل الديني ويرون أنها تحدث في الغالب في أوائل
البلوغ وتحدث أكثر عند الإناث بين سن 13 و16 وعند الذكور بين 15 و18. وهذا هو
الوقت الذي تنضج فيه غريزة الجنس نضجا مفاجئا، إن الحادث الذي يشبه التحول
الديني هو الوقوع فريسة الحب ولاسيّما لأوّل نظرة وهذا في الغالب تجربة أولى
من تجارب البلوغ في فترة المراهقة. إن التحول الديني هو نتيجة ورد فعل في
الآن نفسه لانفعالات الحب الجنسي الشديدة التي تواجه المرء الناشئ لأول مرّة
في حياته .ما يعزز هذا الرأي أن هناك تطابق بين أوائل الرغبات الجنسية
والتحولات الدينية في عهد البلوغ فبعض من الميولات الانفعالية قد تكبت بطريقة
لا واعية ومع ذلك تظلّ تنمو تحت المستوى الشعوري للعقل وتعود في أي مرة تجد
الفرصة في شكل مشاعر واعتقادات دينية غامضة.
من المعروف أن
الوقوع في الحب ينمو تحت غشاء الشعور لفترة طويلة وليس لأوّل وهلة فالشاب في
خلواته المزاجية وأحلامه المنطوية وفي شطحاته الخيالية تظل دون قصد ديني صورة
مثاله الكامل في خياله وعندما يخفق قلبه أخيرا بالحب إنما يحدث ذلك لأن شخصا
محققا لأحلامه مطابقا لمثاله قد دخل دائرة حياته.كذلك الحال في التحوّل
الديني الذي هو نتيجة طبيعية لمرحلة طويلة من التخمر الصامت لأفكار خيالية
اضطرمت في وجدان الشاب يميل فيها إلى قراءة الكتب ومطالعة لكل النصوص التي
تروي ظمأه وتلبي حاجياته. ويمكن للتحول الديني أن يحدث في فترة متأخرة نسبيا
في الكهولة أو الشيخوخة وهذا التحوّل هو الأكثر رسوخا لأن التحوّل الديني
المبكر كثيرا ما يكون عارضا وقصير المدى أو يحدث باستمرار خلال حياة الإنسان
ليصبح عقلية معينة شبيهة بمقامات الصوفية وشطحاتهم.
واللافت للنظر أن العظماء من الذين
تحولوا تحولا دينيا من الإلحاد إلى الإيمان أو من الإيمان إلى الإلحاد كانوا
في الغالب من الذين يحاربون الدين أو من الذين يهتمون به رغم فجورهم ومجونهم
فهم كانوا يحسون به إحساسا قويا. فالارتداد الديني هو انقلاب مفاجئ في الحياة
الشخصية للإنسان إلى اتجاه ديني جديد يتميز باضطراب هائل في العقل وبثورة
وجدانية وهيجان انفعالي كبير وحماسة خلقية شديدة دون الاكتراث بالاتهام
بالسفه أو التخوين نتيجة الاستهتار بالدين القديم.
وإذا اعتبرنا
التحوّل الديني هدفا لا يوصل إليه لا التفكير الذهني كانت فجائيته لغزا محيرا
للعقول أما إذا اعتبرناه ظهورا مفاجئا لعقدة انفعالية ظلت تحت السطح تضغط
لمدّة طويلة فإنه سيصبح أمرا مفهوما وتدرجا طبيعيا. ولعلّ ظاهرة الارتداد
الديني هي أحد مظاهر تطور الأديان فهي ليست علامة مرضية (نشوء الإلحاد
والهرطقيات) بل علامات مضيئة ومحطات ثورية صادقة يقع فيها تطعيم العقيدة
وفتحها على ما هو غير مألوف وبالتالي تطويرها من الدّاخل.
وقد ترث على دراسة
الظاهرة الدينية دراسة نفسية ما يلي:
1- إن علم النفس
الديني لم يصل إلى نتائج نهائية بشأن صدق العقائد أو خطئها ولم يبت الأمر حول
ما وراء الستار الطبيعي ومع ذلك حقق بعض النجاحات عندما بين بعض الحقائق التي
ظل العلماء زمنا طويلا ينكرونها.
2- إنّ خصائص
الحياة الدينية لم تبق بعيدة كلّ البعد عن خصائص نشاط الإنسان العادي فقد
أخضعت بعض العجائب والرؤى عن الأشباح والقوى الـغيبية للتحلل والتجريب
والتدقيق النظري.
3- هناك وحدة في
مستوى الشعور الديني بين الإنسان البدائي الأول والإنسان المتمدن وبين المسلم
واليهودي والمتصوف الإشراقي و المسيحي اللاهوتي لأن عند كل هؤلاء نجد نفس
البنية الذهنية و تجارب الإيمان والتصديق والانقياد لديهم متشابهة ولا ينقطع
عملها, وقد تتعدد المذاهب والفرق الدينية ولكن الدين واحد لأن الإله واحد
والإنسان في جوهر واحد.
يقول الحـلاج:
تفكرت في الأديان جد محقـق
فألفيتهـا أصـلا له شعبـا جمّا
فلا تطلبن للمـرء دينـا فإنـه يصد
عن الأصل الوثيق وإنمـا
يطالبـه أصل يعبّـر عنـده جميع
المعالي والمعاني فيفهمـا
- الطواسيـن -
[17]
4- إن الدين
كسائر منتجات العقل الإنساني الواعي بتغير وبتبدل فهو إما أن يتقهقر وينحط
ويعيش حالة جمود وركود أو يتطور ويترقى ويعيش حاله تدفق وانتعاش.
5- إن الدين قد
تتغير مذاهبه في مادتها أو في درجة يقينها وقد تتبدل شعائره في أثوابها
الظاهرة ولكن جوهره يظلّ هوهو وطبيعته تتضمن أرقى الأفكار الإنسانية.
فالدين ليس مجرد استنتاج منطقي ولا مجموعة من النظريات العلمية التي
يخترعها شخص لنفسه بل إننا نأخذه من الجماعة التي تستمده من لا وعيها وضميرها
ومن خيال آبائها ومدرسيها ومن المعابد والأسواق التي نتردد عليها ومن
المعتقدات والأوضاع التي تعيشها.
6-
نحن نستمد ديانتنا من
التقاليد ولكن التقاليد تؤيد الأفراد في رفضهم التجديد والأفكار الدينية
الوافدة وذلك لارتباطهم بمصالحهم ومنافعهم المادية فهل هذا يعني أن الاقتصادي
يلعب دور في نشأة الأديان وثباتها وتغيرها؟
د- الاقتصاد السيـاسي للديـن:
»إن العنف الرمزي
هو ذلك الذي يحول علاقة الهيمنة إلى علاقة عاطفية والسلطة إلى سحر أو كاريزما
ويجعل الاعتراف بالدين عرفانا للجميل«. (بيار بورديو/ اقتصاد الخيرات الرمزية)
اقترح بيار بورديو
في بحوثه حول الحقل الديني وخاصة دراسته المعنونة "نشوء الحقل الديني وبنيته"
اقتصادا سياسيا فعليا للدين حيث يفهم الفضاء الديني على أنه يشكل مجالا
لتحقيق المصلحة السياسية أو المنفعة المادية, فالدين له رأسماله الرمزي
المرتبط بالإنتاج وقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ويخضع للاستثمار والربح
والاحتكار.
بورديو يدرك الفضاء الديني على أنه
"نسقا من الأسواق التي تشكل ميدانا لتبادل خيرات مخصوصة بناء على مصالح
مخصوصة ووصولا إلى تحقيق فوائض قيمة وأرباح مخصوصة"[18].ويرفض بورديو إمكانية
الترفع عن المصلحة في الممارسة الدينية لأنه يستحيل أن توجد أفعال لا تحكمها
مصلحة وحتى السلوك الدال على الخير والشرف والتضحية فهو يفترض الحصول على
مصلحة معينة حتى وإن كانت مغايرة للمصلحة الأدبية خصوصا وأن رأسمال الدين هو
رمزي وبالتالي فالمصلحة لا تنحصر في البحث عن المقابل المادي والغايات
الاقتصادية بل تعنى كذلك الاهتمام بلغة اجتماعية ما والانخراط فيها والاعتراف
برهاناتها. ويرد بورديو عن سؤال : هل يوجد فعلا تجرد عن المصلحة ؟
بقوله أن المصلحة الدينية مرتبطة
مباشرة بوظيفة تبرير الواقع الاجتماعي القائم على التفاوت ويعتبر أن الرهان
الحقيقي وراء الصراعات داخل الحقل الديني هو المصالح السياسية فالتبادل
السخّي والأفعال الرمزية البريئة كلها تخفي خداع جماعي ونفاق بنيوي.
ويدعو بورديو إلى
عدم الفصل بين الوظائف الاقتصادية والوظائف الدينية فالأعمال الطوعية
المجانية ومعاملة الآخرين كإخوة وتيني منطق التطوع والهيبة الحرة للمال
والوقت يقود إلى استراتيجيات تحقق أهدافا مضاعفة حيث تلقى أنواع من الهبات
والقرابين الغاية منها هي مراكمة الأرباح والثروات.
نحن أمام رياء
بنيوي يحدد العلاقات بين الأفراد على أنها علاقات روحية ويظهر فقر ظاهري
ولكنه يخفي حسابات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار تحويل خسارة النفس وبذل الجهود
وحتى الألم من أجل الاستيلاء على قوى إنتاج ووسائل لتحقيق الثروة.إن اختزال
سلوك الهيئة الدينية في الحقيقة الاقتصادية أمر مهم يكشف عن الخداع و يدرك
وجود ازدواجية بين حقيقتها الدينية الذاتية وواقعها الموضوع الانتهازي.
إن مهمة الدين هي
إعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية البنيوية بين الفاعلين الاجتماعيين في ظل
الضغوط والحتميات التي يعرفها المحيط الاجتماعي وتتميز الدوافع الطوباوية
وحضور عنصر التضحية بأهمية كبرى في هذا الإطار.لقد أراد بورديو أن يقطع مع
الرؤية السحرية الخادعة والساذجة للسلوكيات البشرية وأن يخضعها لنمط التفسير
الموضوعي، فهو قد انطلق من مبدأ السبب الكافي واعتبر المصلحة مبدأ تفسيريا
كونيا مما يعني أن رجال الدين بوصفهم فاعلين اجتماعيين لا يتصرفون من دون سبب
لأنه لا يمكن أن يصدر فعل ما عن أي إنسان ما لم يكن للفاعل نفسه منفعة منه
مادية كانت أو رمزية وحتى ولو كان هذا الفعل موجها نحو الخير والفضيلة
والتضحية والقداسة لأنه كذلك من الضروري أن توجد مكافآت وأرباح رمزية قابلة
للتحول إلى أرباح مادية ومناصب سياسية.إذن لا مجال لتنزيه كل الأفعال الصادرة
عن رجال الدين التي تبررها مثل عليا وقيم سامية والقول بأنها متحررة عن
التوجه الغائي نحو مكاسب رمزية أو مادية.
فإذا ما اتخذنا من
الحضارة العربية مثالا للبحث نجد أن زعامات دينية جعلت من علمها أو من الشرف
الذي تدعيه أو البركة المنسوبة إليها رأسمالا رمزيا تخوض بفضله غمار الصراع
من أجل السلطة السياسية أو تجعل منه موطئا لوراثة المناصب الدينية أو تحصيل
الثروات من أملاك خاصة وأوقاف وغيرها.إن من يضحي بحياته ويستشهد أو يضحي بجزء
من متاعه يقوم بفعله أملا في الأجر الإلهي وهو بذلك يستثمر ويراكم رأسمالا
رمزيا ويعول على أرباح ومغانم في الآخرة ولو لم يكن واعيا بهذه اللعبة
الاقتصادية لما فعل ما فعل لسيطرة الأنانية على الإيثار وهيمنة حبه لنفسه على
حب الغيرية.
إن مهمة العالم
الذي يخضع الحقل الديني للدراسة الاقتصادية السياسية في نظر بيار بورديو هو
أن يكشف عن واقع المصالح الأنانية المختفية وراء الأفعال التي تكتسي مظاهر
النبل والترفع وكذلك أن يعرّي الأقنعة أو المظاهر التي يفضل الناس من خلال
الإيمان الديني أن يظهروا بها.لقد شكك بورديو في وجود الفضيلة والأعمال
الطوعية والهبات المتحررة من فكرة الحساب وحلل العلاقات الروحية والروابط
الدينية باعتبارها مؤسسة على رياء ونفاق اجتماعي وإنكار لدوافعها الحقيقية أي
المصالح الاقتصادية وغير الاقتصادية. ويواصل بورديو في تصوره عن اقتصاد سياسي
للدين ما بدأته فلسفة الرجة عند فرويد ونيتشه وماركس في مشاريعها التفكيكية و
التي انتهت إلى تكشف الأوهام وأشكال النفاق والخداع الاجتماعي التي عاشت
عليها البشرية طويلا وجسدها اليمين الديني والنظام الأرستقراطي.
إن موقف الاقتصاد
السياسي للدين هو موقف متشائم عدمي يرتاب بعمق إزاء النظام الاجتماعي
واستراتجيات الفاعلين في الظهور على غير حقيقتهم ويفضح واقع الاقتصاد
والمنفعة والرغبة والمصلحة التي تقوم عليه العلاقات والمؤسسات الدينية
السائدة.
لكن يمكن أن نبدي
ثلاث مآخذ حول دراسة بورديو في الحقل الديني:
1- تأثير
المركزية المسيحية الكاثوليكية على النموذج المثال الذي وظفه في دراسته.
2- اختزال غائبات
السلوك الديني في المصلحة السياسية والمنفعة المادية الاقتصادية.
3- تفسير النشاط
الإنساني بالاعتماد على سبب وحيد وتضخيم دور المصلحة في تحريك وجهة ومقصد
الفعل الإنساني.
من هذا المنطلق
ينتقد ألان كايي مسلمة المصلحة و شكل توظيفها في تفسير الحياة الدينية
ويفترض مبادئ
أربعة للفعل الإنساني: وهي : المصلحة والمتعة والواجب والتلقائية
وعوض أن يرجع الواجب والمتعة والتلقائية إلى المصلحة يقوم بالحركة
المعاكسة ويجعل مبدأ المصلحة رهين تحقيق المتعة والتلقائية والواجب وبهذا
تنتفي المصلحة بالمعنى الرمزي أو المادي من عمل استشهادي يقوم به فارس
الإيمان في سبيل الدين أو الوطن لأن" تعريض النفس إلى موت محقق هو شكل من
الانتحار الإيثاري"[19].
3*
الدلالـة التأويليـة للإسـلام:
» إن عصور
الإنسانية لا تتميز إلا بتغيرات دينية ولا تكون الحركة التاريخية أساسية إلا
إذا كانت جذورها متأصلة في قلوب البشر« (فيورباخ/ في ضرورة إصلاح الفلسفة).
قال الرسول صلعم : »ما شقي امرُؤ عن مشورة ولا سعد باستبداد برأي«"
لقد كثر الجدل حول
قضية الإسلام وهذا أمر مفهوم ومشروع فالإسلام في حدّ ذاته مازال محل قراءات
وتأويلات، إنه دين ملتبس من نواح عديدة، ليس فقط لاستناده الأصلي إلى نص مؤسس
يشتمل على ما هو متشابه إلى جانب ما هو محكم وإنما للتجربة التاريخية كذلك
نصيب هام في خلق هذا الالتباس والغموض.وإذا كان المتشابه النصي يتعلق
بالعقائد وبفلسفة الوجود (غيب/شهود)فإن المتشابه التاريخي يتعلق بالمعاملات
وبفلسفة الحدود (أصول/اجتهادات، نصوص/مقاصد).وقد تفطن البغدادي في الفرق بين
الفرق إلى الطابع الإشكالي الذي طرحت عليه مسألة تعريف الإسلام ولمعالجتها
اختار الأفق الأقصى الذي يجعل كل الحلول والتعريفات ممكنة وجائزة حتى وإن
كانت مختلفة ومتعددة وحتى وإن وصل هذا الاختلاف إلى حد التناقض والتعارض فهو
يرى أن الإسلام هو الاستفادة من الغير لأن أهل العالم عنده قد انقسموا من حيث
المذاهب إلى أهل الديانات وإلى أهل الأهواء.والإنسان إذا اعتقد عقدا أو قال
قولا فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره وإما مستبدا برأيه. فالمستفيد من غيره
مسلم مطيع والدين هو الطاعة والمسلم المطيع هو المتدين أما المستبد برأيه فهو
محدث مبتدع ومصر على صحة ملته ووجاهة مذهبه.
وربّما يكون
المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا بأن كان أبواه ومعلمه على
اعتقاد باطل فبتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله وصواب القول فيه وخطئه
فحينئذ لا يكون مستفيدا لأنه ما حصل على فائدة وعلم ولا اتبع الأستاذ على
بصيرة ويقين... وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن
يعلم موضع الاستنباط وكيفيته فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة لأنه حصل العلم
بقوة تلك الفائدة. فالمستبدون بالرأي مطلقا هم المنكرون للنبوات وهم لا
يقولون بشرائع وأحكام أمرية بل يضعون حدودا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها.
والمستفيدون هم القائلون بالنبوات ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال
بالحدود العقلية ولا ينعكس[20].
على هذا النحو فإن
الإسلام هو الاستفادة من الغير دون أي تقليد وكل استبداد بالرأي دون علم
واستنباط فهو خروج عن الإسلام. قد قال الإمام علي رضي الله عنه: "اقصر رأيك
على ما يعنيك". وقال أيضا: "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في
عقولها".
اقرن رأيك رأي غيرك واستشر فالحق
لا يخفى على اثنين...
للمرء مرآة تريه وجهه ويرى قفاه
بجمع مرآتين...
شاور سواك إذا نابتك نائبة يوما
وإن كنت من أهل المشورات فالعين تنظر منها ما دنا
ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة الأرجاني...
وبهذا الفهم نريد أن نصل بالإسلام
إلى الكمال ونريد التعرف قدر الإمكان على جوهره.
يعرف الإسلام بأنه
دين الله تعالى الذي أوحى بتعاليمه في أصوله وشرائعه للنبي محمد صلعم وكلفه
بتبليغه للناس كافة ودعوتهم إليه. وقد تلقى الرسول عن ربه الأصل الجامع لهذه
العقائد والشرائع وهو القرآن. وقد انقسم الدين إلى عقيدة و شريعة,
العقيدة:
هي الجانب النظري الذي ينبغي الإيمان به حتى لا يرقى إليه أي شك أو تؤثر فيه
شبهة.
الشريعة:
هي النظم التي شرعها الله ليأخذ منها الإنسان أساس علاقته بربه وبنفسه وبأخيه
المسلم وبأخيه الإنسان وبالكون والحياة.
من هنا لم يكن الإسلام عقيدة فقط
ولم تكن مهمته تنظيم علاقته بربه فحسب بل كان أيضا شريعة توجه الإنسان إلى
نواحي الخير والصلاح في الحياة وقد عبر القرآن عن العقيدة بالإيمان وعن
الشريعة بالعمل الصالح.
فإذا كان الإسلام شريعة وحقيقة فإنّ
الشريعة تؤخذ على ثلاث معان:
1-
لغـة:
مشرعة الماء هو
المكان الذي يقصده الواردون للشرب وتنطبق أيضا على ما أنزله الله من الدين
لأن الملهوف يجد فيه ما يغيثه كل ما توجه إليه، وهي بهذا المعنى مأخوذة من
شرع الدين يشرعه شرعا إذا سنه وأظهره.
2-
الشـرع:
ما أنزله الله
لعباده من الأحكام على لسان رسله الكرام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور
بإذن ربهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
3-
الاصطلاح:
مجموعة القواعد
والأحكام أُمر الناس باتباعها لحفظ النظام الاجتماعي ولنشر الفضيلة والإخلاص
بين الناس.
وتنقسم الأحكام
الشرعية إلى: أحكام تكليفية وهي عند الأحناف سبعة : الوجوب والفرضية والندب
والتحريم والكراهية التحريمية والكراهة التنزيهية والتخيير. وأحكام وضعية وهي
جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا وكونه صحيحا أو فاسدا أو باطلا أو عزيمة أو
رخص. أما القواعد الشرعية التي يقوم عليها الإسلام
فهي:
1- الأصل في
الأشياء الإباحة ولا تحريم إلا بنص. الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت
ما يغيره. و بعبارة أخرى الأصل في الذمة البراءة لأن اليقين لا يزول إلا
بالشك أي البراءة من الشرك و الولاء للإسلام.
2- التحليل
والتحريم حقان من حقوق الله وليس للإنسان مباشرة هذه الحقوق وإلا أصبح مفتريا
عن نفسه جاحدا في غفلة عن أمره ومفتريا عن الله.
3- التحليل
والتحريم الديني لا يعتبران من التشريعات العامة إلا إذا كان النص القرآني
الوارد في شأنه قطعيا ووارد مورد التكليف.
4- الأحكام
الاجتهادية النظرية والجهادية العملية لا توصف بالحل والحرمة بل هي صواب
يحتمل الخطأ وخطأ يحتمل الصواب. يقول صلعم : "من اجتهد وأصاب له أجران ومن
اجتهد ولم يصب فله أجر واحد".
5- أمور حياتنا
الدنيا متروكة إلينا نقرر فيها ما نراه صالحا للعباد بشكل مشترك وكوني. يقول
صلع : "أنتم أدرى بشؤون دنياكم"
6- الأحكام
والحدود الشرعية تتغير بتغير الأزمان والأوضاع مراعاة للناسخ والمنسوخ وأسباب
النزول لأنها تعبر عن وجود الوحي في التاريخ وداخل الزمان.
7- المصلحة
العامة مقدمة على النصوص في وضع التشريعات الخاصة بأمور الحياة لأن القول :
لا اجتهاد مع نص هو قول متهافت والضروري هو الاجتهاد مع وجود نص[21].
وتتميز الشريعة الإسلامية بالخصائص التالية:
الخاصية الأولى:
الشريعة الإسلامية إلهية الأصول بشرية التطبيق فهي تعنى بصلة الفرد بربه
والجزاء المترتب عنها ليس دنيويا فقط بل أخرويا.
الخاصية الثانية:
المرونة ومراعاة مقتضيات الظروف وتغيرات العصور وذلك حتى تساير مصالح الناس
ولا تضع قيدا على حركتهم وتطورهم.
الخاصية الثالثة:
عالمية الشريعة حيث تتميز بأنها ذات صبغة عامة تدعو جميع البشر و الأجناس و
تصلح لتوجيه الناس في معاشهم ومعادهم.
الخاصية الرابعة:
التيسير ونفي الحرج عن الناس فهي تراعي قدرات المكلفين بها و إمكانياتهم وفي
ذلك نجد العديد من الآيات الكريمة:
" لا يكلف الله
نفسا إلا وسعها" البقرة 286
" يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر" البقرة 185 -" وما جعل عليكم في الدين من حرج"
الحج 78-" ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج"
النور61 - وقد قال الغزالي : " المشقة سبب الرخصة"[22]
الخاصية الخامسة:
روح الاعتدال والوسطية والتوسط فالله عز وجل يقول:
"وكذلك جعلناكم
أمة وسطا" البقرة143- " ولا تجعل يديك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط"
الاسراء29- " الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"
الفرقان67.
أما المصادر التي
تأخذ منها تلك الأحكام والقواعد الشرعية فهي:
1) الكتاب وهو
القرآن الكريم بوصفه أصل الأصول والمرجع الأول لمن يريد استنباط الأحكام من
الأدلة: (الذكر).
2) السنـة :
الأحاديث النبوية بوصفها المرجع الثاني لكونها ما روى عن النبي صلعم قولا أو
فعلا وتقريرا.
3) الإجمـاع :
اتفاق الفقهاء في أي زمان على أمر يرجعون إليه إذا لم يجد في الكتاب والسنة
دليلا على حكم شرعي.
4) القياس وهو
استدلال منطقي يلحق فيه أمرا ليس له نص صريح في القرآن والسنة والإجماع يأمر
له نص لاشتراكهما في الدليل وعلة الحكم.
5) الاستحسان :
كل نص شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذ معناه من
أدلة فهو صحيح ينبني عليه ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته
مقطوعا.
6) الاستصحاب
ومذهب الصحابي والعرف العقل وشرع من قبلنا كلها مصادر وأصول التشريع.
7) المصلحة
المرسلة : وجوب اشتمال علة الحكم الشرعي على جلب المصلحة ودفع المفسدة
ووجوب مسايرة التشريع للأوضاع
المستجدة باستمرار وذلك عبر باب فتح الذرائع وسدها لأن الضرورات تبيح
المحظورات[23].
فبين أيضا أن
الإسلام هو ما انشرح الصدر إليه وأما ما ضاق الصدر عن قبوله ونفر منه عند
سماعه فصاحبه غير مؤمن فقامت كلمة الإيمان مقام كلمة الإسلام.
ومعنى الإيمان هو
"قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح" وبالتالي فالإسلام هو الأخذ بما
هو أرفق للناس لأنه الفطرة وإلقاء السلم مداراة لمن هو قادر على القهر وقد
قال تعالى:"يا أيّهـا الرسول لا يحزنك الذين يُسارعون في الكُفر من الذين
قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم" المـائدة 41.
وقد أنزل الله
كتابه العظيم ليكون دستورا للمسلمين ومنهاجا يسيرون عليه في حياتهم فيستضيئون
بضيائه ويهتدون بهديه ويقتبسون من تعاليمه الرشيدة ونظمه الحكيمة ما يجعلهم
في أوج السعادة والعزة ويرفع بهم إلى ذرى المجد والكمال ويؤهلهم إلى قيادة
ركب الإنسانية ويجعلهم السادة والقادة في هذه الحياة يسيرون بالأمم إلى حياة
العزة والكرامة ويوصلونهم إلى شاطئ الأمن والاستقرار والسلام.
ولا ريب أن
البشرية تتخبط اليوم في ظلمات الشقاوة والجاهلية وتغرق في بحار التحلل وعبادة
المال وليس لها من منقذ إلا الإسلام عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن ونظمه
الحكيمة التي روعيت فيها جميع عناصر السعادة للنوع البشري على ما أحاط به علم
الخالق الحكيم ومن البديهي أن العمل بهذه التعاليم لا يكون إلا بعد فهم
القرآن وتدبره والوقوف على ما حوي من نصح وإرشاد وهذا لا يتحقق إلا عن طريق
الكشف والبيان لما تدل عليه آيات القرآن وهو ما نسميه هيرمينوطيقا الدين أو
علم التفسير وفن التأويل خصوصا في هذه الأيام التي فسدت ملكة البيان العربي
وضاعت فيها خصائص العروبة حتى من خلال القيم والمكارم. فالتأويل هو مفتاح هذه
الكنوز والذخائر التي احتواها هذا الكتاب المجيد وبدونه لا يمكن الوصول إلى
هذه اللآليء والجواهر مهما بالغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن وقرؤوا آياته في
كل صباح ومساء. وانه لمن المؤسف أن يكتفي المسلمون من القرآن بألفاظ يرددونها
وأنغام يلحنونها في المآتم والمقابر وعند الاحتفالات الرسمية ثم لا يكون
للقرآن نصيب منهم إلا الطرب بالسماع أو التبرك بالتلاوة وهذه ما عناه الرسول
صلعم بقوله:" يتخذون القرآن مزامير" وقد نسي المسلمون أو تناسوا أن بركة
القرآن العظمى إنما هي في تدبره وتفهمه وفي الاهتداء بهديه والاستفادة من
تعاليمه وتوجيهاته ثم الوقوف عند أوامره ومراضيه والبعد عن مساخطه ونواهيه
والله تعالى يقول:"كتاب أنزله إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولوا
الألباب" سورة ص 29 و يقول سبحانه:" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"
سورة محمد 24 و يقول جل ذكره:" ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" سورة
القمر 17و22 و 32 .
فما أشبه المسلمين
اليوم بالرجل العطشان يموت من الظمأ والماء بين يديه أو بالحيوان يهلك من
الجوع والعطش والزاد والماء عل ظهره, ولقد صدق النبي صلعم حين قال:" لقد تركت
فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما بعدي أبدا: كتاب الله و سنتي" رواه أصحاب
السنن.
للإسلام في الحقيقة دعوتان:
دعوة إلى الاعتقاد بوجود الله وتوحيده ودعوة إلى التصديق برسالة محمد عليه
الصلاة والسلام. فأما الدعوة الأولى فتقوم على تنبيه العقل البشري وتوجيهه
إلى النظر إلى الكون واستعمال القياس الصحيح والرجوع إلى ما حواه الكون من
النظام والترتيب وترابط الأسباب بالمسببات ليصل بذلك إلى أن هناك صانعا واجب
الوجود عالما حكيما قادرا وأن ذلك الصانع واحد لوحدة النظام في الأكوان.
أما الدعوة
الثانية فهي التي يحتج فيها الإسلام بخارق العادة من معجزة وإعجاز الذي تواتر
خبره ولم ينقطع أثره لأن القرآن هو الخارق المتواتر ومعجزة النبي المعول
عليها في الاستدلال لتحصيل اليقين يدل على أن موجبه هو الله وحده وليس من
اختراع البشر.
غني عن البيان أن القرآن هو رأس
الأمر في الدين ولذلك فإن فهمه يتطلب ثلاثة حركات هي: الاستصحاب والاجتهاد
والإجماع.فإذا كان الاجتهاد هو بذل الوسع واستفراغ الجهد في طلب المقصود من
جهة الاستدلال لتحصيل ظن بحكم شرعي وكان الاستصحاب هو الحكم الذي يثبت في
الزمان الثاني بناءا على الزمان الأوّل وذلك بإبقاء ما كان على ما كان عليه
لانعدام المغير فإن الإجماع هو العزم التام والاتفاق المبدئي من جماعة
المجتهدين من الأمة كأهل الحل والعقد على أمر ما من الأمور العقدية. كما أن
نجد إجماعا مركبا وهو عبارة عن الاتفاق في الحكم مع الاختلاف في الأخذ لكي
يصير الحكم مختلفا فيه –بفساد أحد المأخذين- والاتفاق هو معرفة الأدلة بعللها
وضبط القواعد الكلية بجزئياتها ومعرفة الأشياء بيقينياتها.
ويتراوح الاجتهاد
بين الاستنباط والاستقراء وبين الإبداع والابتداع وبين التفسير والتأويل وبين
الاستفهام والتفهيم. فإذا كان الاستفهام استغلاقا
بطلب حصول صورة الشيء في الذهن فإن التفهيم هو إيصال المعنى إلى فهم السامع
بواسطة اللفظ وإذا كان الاستنباط هو استخراج المعاني من النصوص يفرط الذهن
وقوة القريحة فإن الاستقراء هو الحكم على كلّ لوجوده في أكثر جزئياته. وإذا
كان الابتداع هو التكوين والأحداث من خلال مادة سابقة فإن الإبداع هو أهم من
الخلق لكونه إيجاد الشيء من لا شيء لأنه غير مسبوق بمادة ولا زمان.
وإذا كان التفسير
هو في الأصل الكشف والإظهار والبيان وفي الشرع توضيح معنى الآية وشأنها
وقصتها والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليها دلالة ظاهرة فإن التأويل في
الأصل هو الترجيع وفي الشرع هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله
إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا للكتاب والسنة. والفرق بين التفسير
والتأويل هو أن التفسير يعنى بالمعاني الظاهرة من القرآن الكريم التي هي
واضحة الدلالة على المراد لله صلعم والتأويل يعنى بالمعاني الخفية المحتملة
التي تستنبط من الآيات الكريمة والتي تحتاج إلى تأمل وتفكر وتدبر والتي تحتمل
عدة معان فيرجح المفسر منها ما كان أقوى عن طريق النظر والاستدلال.
ويقسم التفسير إلى ثلاث أنواع:
أولا:
التفسير بالرواية وهذا يسمى التفسير بالنقل أو التفسير بالمأثور.
ثانيا:
التفسير بالدراية وهذا يسمى التفسير بالعقل أو التفسير بالرأي.
ثالثا:
التفسير بالإشارة وهذا ما يسمى التفسير بالقلب أو التفسير بالذوق.
وهذه كلها عناصر أولية ومسالك
أساسية لبناء هيرمينوطيقا للإسلام, لكن هل يمكن تحديد معنى الهرمينوطيقا ؟
الهرمينوطيقا أو علم التأويل تفيد
في الأصل فن تفسير النصوص المقدسة وغير المقدسة ولذلك فهي ترتبط بفقه اللغة
وبعلم التفسير كما يمكن أن تفهم كتفكير منهجي حول ممارسة التأويل المتصلة
بالنصوص عامة،إلا أنها وبعد تطور العلوم الصحيحة في القرن وولادة
الابستومولوجيا وبعد محاولة مفكري المدرسة التاريخية في ألمانيا دروسن
وديلتاي لإقرار علومية التاريخ خاصة وموضوعية العلوم الإنسانية عامة،قد اتخذت
الهرمينوطيقا معنى النظرية الفلسفية العامة للتأويل والتي بواسطتها سيتسنى
إعطاء نوع من الشرعية العلمية للتاريخ.وقد كان لنقد نيتشه الجذري للمعرفة
والقيم كما كان لتطور نظريات النسبية في العلم آثارها على تمركز نظرية
الهرمينوطيقا في الاهتمامات الفلسفية لكن تأثير هيدغر سيكون أكبر وهم لأن هذه
النظرية ستتحول على يديه من تقنية الفهم وتفسير النصوص وتأويلها إلى فلسفة ما
بعد الميتافيزيقا وستنضم بذلك إلى الأنطولوجيا.
إن النظرية
الهرمينوطيقية قد أصبحت اليوم رائجة ليس لإدخال التفكير الفلسفي فقط بل وأيضا
في النقد الأدبي والدراسات الجمالية وحتى في علوم التفسير للكتب المقدسة غربا
وشرقا ويعود الفضل في ذلك إلى غادامير وبول ريكور فقد طور الأول من خلال
اهتمامه بهيدغر وبالفينومينولوجيا عامة معنى الفهم من خلال تجذره في الشروط
التاريخية والوجودية والحياتية عامة.فالصبغة اللسانية لانتمائنا إلى العالم
قد تعطى لهرمينوطيقا غادمير مستويين هامين يكون الأول أنطولوجيا الآن "
الوجود الذي يمكن أن يفهم هو لغة" و يكون الثاني كونيا لأنه لا يمكن لأي
علاقة مع العالم أن تخفي دور اللغة وبالتالي دور الفهم والتأويل.
أما بول ريكور فقد
حاول من خلال اعتماده على هوسرل ياسبرس وهيدغر وبعض معاصريه إعطاء صبغة نقدية
للهرمينوطيقا لأن التأويل في نظره لا يعني فقط أن ننفتح على المعنى،بل يمكن
أيضا كما هو في الأصل الكشف عن كل التعابير والرموز والأنساق التي نجدها داخل
النص أو خارجه.يعني ذلك أن نتدخل لمعرفة الذات المسؤولة سواء كان ذلك في
تاريخية أو في علاقته مع الحقيقة والمنهج.
كل هذه الأفكار
تكون المدونة التي تؤسس فلسفة ريكور الهرمينوطيقية في المعرفة و الحياة.
على أن الدراسات الهرمينوطيقية قد أخذت الآن بعدين اثنين أساسيين وأثرت في
مدرستين:
الأولى هي مدرسة الفلسفة العملية
لأصحاب النظرية النقدية و خاصة هابرماز الذي نقد فلسفة غادمير وفند زعمه في
إعطاء صبغة كونية للنظرية الهرمينوطيقية إلا أنه قد أعطى لتفكيره الفلسفي
الاجتماعي أساسا هرمينوطيقيا عندما تطور هذا المفهوم ونقد بواسطته
الإيديولوجيات سواء كان ذلك عندما نقد المعرفة والمنفعة أو عندما اقر التوافق
الاجتماعي واعتبر اللغة كأساس للتعامل الاجتماعي وكحماية العالم والحياة من
العقلانية الأدواتية.
أما المدرسة الثانية فهي مدرسة
كونستانس وعلى رأسها ياوس الذي طور نظرية جمالية التلقي والتي لها علاقة
واضحة بالهرمينوطيقا، اذ أن جمالية التلقي يمكن أن تكون فينومينولوجيا فعل
القراءة الشخص وخاصة عند ايزر كما يمكن أن تكون هرمينوطيقا التلقي العمومي
للأثر.هنا لابد من التركيز على مبادئ عامة تهم الهرمينوطيقا ودورها في حل
قضايانا الفكرية والعملية. لهذا يمكن أن نعتبر الهرمينوطيقا نظرية التأويل ،
وهي لا تستبعد التفسير في معناه الأصلي من حيث هو تفسير للنص المقدس لأنها
تريد أن تكون نظرية للمعنى أو كل ما يمكن أن يكون فهما من خلال علاقته
بالنصوص عامة، ولكنها تتجاوز التفسير وعلمه لان علم التفسير مثله مثل فقه
اللغة أو النظرية الجمالية أو النظرية التاريخية يبقى محطة أو حقلا داخلها.
هكذا إذن يمكن القول بان نظرية عامة للمعنى باتحادها مع نظرية عامة للنص
ستحدد ضخامة الهرمينوطيقا عامة وشموليتها.فما دامت هناك نصوص فان الإشكال
الهرمينوطيقي عند الفلاسفة الإغريق وفي بدايات الإسلام واليهودية والمسيحية
ليست إلا حالة خاصة في النظرية الهرمينوطيقية،كذلك الشأن بالنسبة للمعاني
المتنوعة.
نستنتج إذن أنه حتى إذا لم يوجد
معنى مختف أو معان متنوعة فان التأويل هو المولد للمعنى سواء كان هذا التأويل
نهائيا أو جزئيا أو منحازا هو على كل حال يكون حسب "مفتاح" خاص يكون وجهة
النظر حول النص.
وقد
أثمر تطبيق الهرمينوطيقا على النصوص القرآنية النتائج التالية:
1- لكل مسلم الحق
في أن يفهم عن الله من كتابه وعن رسوله من كلام دون توسيط أحد من سلف أو خلف.
2- النظر العقلي
والاعتبار لتحصيل الإيمان وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض بينهما.
3- البعد عن
التكفير والتساهل في حمل الناس على الإيمان من عدّة وجوه وتغليب منطق الدّعوة
والرسالة على الحكم والسيف.
4- الاعتبار بسنن
الله في خلقه والإيمان باقتران الأسباب بالمسببات ورفض الجواز والصدفة
والاتفاق في الكون.
5- عدم النظر إلى
الإسلام بوصفه سلطة دينية إذ لم يبق للكهنوت عند الجمهور لا اسم ولا رسم. قال
عز وجلّ : "فذكر إنما أنت مذكر، ليست عليهم بمسيطر".
6- حماية الدعوة
لمنع الفتنة ومودة المخالفين في العقيدة والتسامح معهم والحمل عليهم عند كل
خطر دفاعا عن النفس والعرض.
7- الجمع بين
حقوق الله على الشر وحقوق البشر على الله والربط بين مصالح الدنيا ومصالح
الآخرة لأن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان وسلامة الروح في سلامة
البدن[24].
8- نقد الفهم
الساذج الأرستقراطي والرأسمالي للدين وبناء فهم اجتماعي عقلاني وعادل من خلال
توظيف كل مخزون التراث الثوري وبالانطلاق من النقاط المضيئة والنصوص الحاسمة
التي تزخر بها الثقافة العربية الإسلامية حول الديمقراطية والحريات
والمعاملات.
على هذا النحو
يكون الدين عامة مجموعة من الاعتقادات والأعمال والشعائر كل من يرغب في
اتباعها بملازمتها يبتغي حصول الخير منها في حياته الأولى الدنيوية وفي حياته
الأخروية وقد سمي الإسلام حق الدنيا وسمي دين الباطل دينا وأية ذلك أن الدين
مهما كان هو مجموعة تعاليم يريدها الشارع للناس أن تصير عادة وهيئة وخلقا لهم
لتبعث فيهم الفضائل وتغذى فيهم مشاعر التكاتف والتعاطف والإيثار وأهم هذه
التعاليم هي أن يحاسب المرء نفسه في سلوكه بإيقانه أن الذي خلقه وقدره وصوره
قد أراد منه السير عليها وأنه منه بالمرصاد في التنفيذ.
ولا شكّ أن أثر
الدين الصحيح هو إصلاح القوم الذين خوطبوا به وانتشالهم من حضيض الانحطاط إلى
أوجه السمو والرقي باختيار ذوي العقول المحمودة إلى الخير باطنا وظاهرا. كما
أن الاعتقاد الديني العام كاف ولو كان فاسدا لتأسيس مجتمع متماسك ودولة ثابتة
الدعائم. والمراد بالدين هو دين الإسلام لا محالة وإذا كان يشتمل على عقائد
وتشريعات نظرية وعملية فقد تعين أن يوصف الإسلام بالفطرة، حقيق بنا أن نبين
إذن كيف تكون الفطرة هي الأصل الأصيل الجامع لحقيقة دين الإسلام.
فهل
الفطرة هي مجموع ما يشتمل عليه الدين أم بعضه ؟
إن الإسلام في حقيقته ليس دينا
بالمعنى المألوف في الأديان فهو ينسخها جميعا ويأتي بخير منها وإنما مرحلة
العقيدة فيه هي مرحلة العقيدة فيه هي مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه,
كما أن مرحلة الشريعة فيه هي مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة حيث يرتفع
الأفراد من الشريعة الجماعية إلى الشرائع الفردية التي هي طرف من حقيقة صاحب
كل حقيقة وتكون الشريعة الجماعية محفوظة ومركبة للسلوك والتربية والتنظيم
للقاعدة البشرية التي تستجد كل يوم وتجاهد بالتجارب كل حين لترقي المراتب
وصعود الدرجات,والذين يدخلون إلى مراتب الشرائع الفردية هم المسلمون حقا وهم
الأحرار.
الشريعة بداية
الدين وكمال الشريعة في التطور بأن تنزل وتخاطب الناس على قدر عقولهم.
والتطوير يكون من الشريعة إلى السنة ومن السنة إلى التجربة الواقعية
للمسلمين,فالنص الأصلي لم يستوعب كله وكلما تطور المجتمع البشري عرف جزء منه
وما فاته من المعرفة أكبر بكثير مما أدركه لأنه سائر من الجهل إلى المعرفة
ومن المحدود إلى المطلق.
اللافت للنظر أن
الإسلام عوض أن يكون مركوز في قلوب المؤمنين وظاهر في أفعالهم فهو لا وجود له
إلا في المصحف,فنحن اليوم مسلمون من غير إسلام والغرب إسلام من غير مسلمين.
يشتمل الدين عادة على فروع كثيرة كل واحد منها يسمى دينا أما عقيدة الإسلام
التي تضم الجزء الاعتقادي الشريعة والجزء الاجتماعي المعاملات فهو التوحيد أي
الفطرة. والفطرة هي الحاكم الفيصل القادر على التمييز بين أحوال الحق ومظاهر
الزيغ.
غني عن البيان أن
الفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة ومحمودة أوجب التصديق بها من طرف الكل
والأكثر من العلماء والأفاضل مثل العدل جميل.وإذا كان الإسلام هو الفطرة فإن
الفطرة الإنسانية هي سلامة الانفعالات الحاصلة لنفوس البشر من اكتساب
التعاليم الباطلة والعوائد السيئة. علاوة على ذ |