24/07/2007
 

الحفر باصابع النار..3
 
بقلم: أبوالقاسم المشاي

 
أرتدي ثياباً جميلة.. أضع حذائي..
وأذهب بين الناس../ للبحث عمن لا أجده..
فرناندو بيسوا
 
[..]
 
تستحيل الأمكنة إلى ترددات تئن تحت وطأة الانتباه، والطرقات تلتهم المسافة... ومن احتباس الأفق تولد مجرة الرؤيا..، وتصير الأزمنة امتلاك لحجر السؤال،...، يرتحل النور بفيضه المديد ليؤسس فانوساً للحقيقة وملاذاً للشرفاء المبجلين بالطمأنينة والأبهة..، وفي كبد الإجابة يستولي الزمن على تاريخ المتاهات، وتنبثق الحواس من بوتقة الصفر الأول، الفجر الأول..، الولادة الأولى...، فأعيد رصف الحكاية من أول الخطو إلى أبدية القول!!
 
بين الحنين والوله تتعثر خطواتي في البحث عنها..، وتضطرب بوصلة رحيلي بين انتظارها ونبضي...، بعيداً عن حقول انوثتها، أدفن المساء في حلكة الظلام، إذ الليل يستبيح تضاريس الهمس المتردد صداه في أزمنتي، فالقول رداء الكلمات، والعبارة تغرق في محبرة النطق..، وحدها تضيئ عيون الروح..، كي أُعيد للعالم طفولته!!
[..]
 
التبدلات والتحولات المركبة في أنماط الوجود الإنساني والتي صاغتها مراحل وأطوار حضارية متقطعة أو متلاحقة شكلت خصوبة الوعي من مكان إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى وان غذتها الحروب والمجاعات والقتال والدمار وما رافق ذلك من طقوس واعتقادات في الحرب والسلام في الخير والشر في الألم والفرح وعلى مساحات زمنية متناثرة على خرائط العالم ومتشكلة كمدونات عبر سير التاريخ الاجتماعي والثقافي ومندمجة في مصوغاته الانثربولوجية والاركيولوجية، نلاحقها نقدا وتحليلا وبحثا عن اثر أو مخطوطة أو بقايا احفورة وعظام بشرية، ونجدها أحيانا مندسة في قوانين صامتة أو مكتوبة بعبارات لا يطالها الحرف...، وبين طيات المعرفة الإنسانية وتمفصلاتها وتلاحمها وانحلالها وتهالكها وإعيائها وما رافق ذلك من إخفاقات وخسارات كبرى محيرة للأجيال اللاحقة ، فإن التحولات التاريخية الأدبية والتي أثرت في صنوف المدون والمنقول، المتناثر والمتلاحم وعلى سدة تلك التعبيرات العارية والإسقاطات الكبرى من فترة إلى أخرى ومن عصر إلى أخر...، نتعثر في صياغاتها والتي سمحت الكتابات الأدبية بتدوينها ونحتها في ذاكرة الشعوب وتراثها وعلى جدران معابدها وعلى وجوها صباياها وبين شفاه خطبائها و... وحددتها فيما بعد وعلى مسارات وأحقاب متتالية أو متباعدة تأطيرات الكتابة السياسية، الاجتماعية، وتصنيفات ممنهجة لأشكال الأدب التعبيري، الشعر الملحمي، الشعر النضالي، الشعر الديني، الأسطوري، الجنائزي، الفرائحي، القومي، الرومانسي، الشعبي، ...، وأخذت في التبدل والتحول والتنافر والإلغاء والترحيب وإعادة القراءة والمنع من النشر والتكريم وإعادة إنتاجها في أشكال تعبيرية ذات دلالات وصيغ بصرية وسمعية جديدة وكأنها احالات لتاريخ مقطوع الأوصال إلا بما تيسر لها أن تراه بعيون مكممة أو مغمضة على فاجعة هي الأخرى لا ترى سوى نعيها المبكر والذي لا يحين إلا تحت تلك التراجيديا والمأساة، أو تستدل عليه خلف ذاك الصخب والكوميديا الحزينة، أو تعيد أنتاجه قهقهات وضحكات مارقة من قاع التاريخ لتختبئ في مسخرة التاريخ اللحظي.
[..]
 
وبين شعر قديم وشعر حديث/ شعر جاهلي وأخر ملحمي، وبين شعر حر وأخر سجين السلطة وعند محاولات يائسة نعثر عليه حبيساً للكتابة ذاتها وان تلعثم قيد النطق، أو دجنته المخابرات السرية والعلنية واعتبره مضادا للسلطة..، ويتحول تحت تلك الستائر المعتمة وأمام افتراس العيون الرقابية العمياء، إلى شعر المديح وشعر التمسح بعتبات الاستبداد ويلعق الأحرف من بالوعة الكذب والخديعة ويصير شعر( اللحظة المؤلمة!!).
 
فهل يمكن تسمية هاته المصنفات بالشعر أو أنها تشكل معنى/ أو قيمة أدبية تضاف لتاريخية الأدب والمعرفة الإنسانية في مجملها، وهل يمكن رصد هذه التجارب المبتورة والعقيمة باعتبارها تجارب إبداعية أو تعبر عن حالة أو رؤيا شعرية وان تبدلت ملفوظاتها و خطاباتها أو هجّنت غصباً عن الكتابة ذاتها وأي اختلاف يحال إلى فوهة الجحيم التي يملك مفاتيح أبوابها الطغاة وأعداء الإبداع.
 
[..]
 
كم عدد المبدعين الذين قتلوا أو أغتيلوا و قبروا وقمعوا وشردوا وتم نفيهم و جلدهم وطردوا ونكل بهم على مرأى من الانسانية وتحت مبررات لا يعرف خفاياها سوى الجهلة والمستبدين والقوادين... فقط لأنهم لم يمدحوا الاستبداد والطغيان..، لأنهم لم يناصروا الفساد والارتزاف والافتراء على الله.. فقط لان شيطان الشعر لم يأتي أليهم، وكان من الممكن اختصار وتوفير كل تلك المقابر والسجون وتوفير كل اؤلئك المخبرون والقوادون بأن يذهب السلطان وحاشيته وأتباعه وبطانته وشعراء بلاطه ووسائده بأن يذهبوا الى الشيطان ويوجهون بوصلته الى قلوب الشعراء وذائقتهم وتأملاتهم حتى يقولوا ما يود الطاغي أن يسمعه أو يقرءاه.
 
[..]
 
في تراثنا وعبر ذاكرتنا المديدة لأجيال/ يحضر الشعر كشيطان/ لماذا لا يحضر ألينا كملاك؟!!
 
لقد قرأنا عبر سير التاريخ المعطوبة من جوانبها جميعا وكذلك قرأنا عبر المصوغات التي لم نحسن تجليها وكشف حجابها، قرأنا فقط ما تركته العرافات والمشعوذين والدجالين والمنافقين وصدقنا جهلهم وخذرتنا فناجيتهم المقلوبة وتوهتنا خرائط الكف الذي لم نعثر بين تجاعيده سوى خسارة العمر وبصمات جافة لا يحالفها الحظ أبدا، وكفاحهم لم يستمر لقد أعيتهم الطرقات المسلوبة والعارية وعلى ذاك الحائط لا زلنا نقرا الذكرى التي تدق في عالم النسيان حتى صار للنسيان مجرة موغلة في العدم، لأنهم ببساطة لم يخترعوا سؤال الهوية ولم يعرفوا كيف يحددوا وجهة الريح حين الأشرعة تخيطها أيدي مرتعشة وهزيلة، ولأنهم خلف كل ذلك لم يعرفوا كيف يتسألون/ ويسألون عن المفاهيم الجمالية والقيمية/ وحول حقيقة السؤال ذاته الذي لا زال يكرر استفهامه على صفحات التاريخ.

 


مقالات اخرى للكاتب
 

  الحفر باصابع النار(1)

  الحفر باصابع النار(2)

  اوراق الخريف تسقط في الصيف!!

  اصحافة .. الفنجان المقلوب !!

  نهارهم (أحرف) للكتابة !!

  أوراق سرية / مهربة !!

 


ارسل تعليقك على هذا المقال

 

 

تعليقات القراء:

 

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com