الدستور هو بصفة
عامة القانون الأساسي في الدولة وهو يعني مجموعة القواعد القانونية الأساسية
التي تبين هوية وطببيعة نظام الحكم وكيفية مزاولة السيادة فيها، كما يبين
السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) فيها، وكيفية تشكيلها ونطاق عمل كل
منها والعلاقة فيها بينها. وهو الذي يحدد علاقة السلطة بالفرد ومضمون ونطاق
الحرية أي أنه ينظم سلطات الحاكمين ويضمن حريات المحكومين وحقوقهم. وبعبارة
أخرى فالدستور يحدد الإطار القانوني العام لنشاط الدولة ويضع الضوابط
الأساسية للحكم وسير السلطات العامة وحقوق المواطنين تجاه السلطة
[1].
ومن ثم، وبهذه
الصفة، فإن الدستور يحتل الصدارة بالنسبة للقواعد القانونية الوضعية، وهو
يوجد على قمة النظام القانوني في الدولة وتعتبر قواعده أعلى القواعد
القانونية وأسماها ويسمّى عادة "قانون القوانين" و"أبو القوانين".
لقد تجاوزت
البشرية منذ آماد بعيدة فكرة "الدستور المنحة" أو "الدستور الهبة" الذي يتفضل
به الحاكم أو الملك على رعيته، وينظم من خلاله علاقته بهم ، ويفصّل ما يتفضل
به عليهم من حقوق. ولا تختلف فكرة "النظرية" التي يؤلفها الحاكم (أيّاً كانت
تسميته، وأيّاً كان مضمون تلك النظرية) والتي يقوم بفرضها من خلال موقعه
السلطوي على شعبه بالحيلة أو بالإكراه، لا تختلف في جوهرها عن فكرة "الدستور
المنحة" بل لعلها أشد تخلفاً عنها، كما أن أي "دستور" يضعه الحاكم – أي حاكم
– وفقاً لمزاجه وهواه وتصوراته الخاصة وبالتوقيت الذي يراه مناسباً له، هو
أيضاً من قبيل التصورات الرثة والمرفوضة لفكرة " الدستور ". إن من بين المهام
الرئيسية للدستور أن يحدد وأن ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، فكيف يعقل
او أن يُقبل أن يقوم هذا الحاكم وبإرادته المطلقة المنفردة بوضع هذا الدستور
وتحديد أحكامه ؟!
إن هناك إجماعاً
بين فقهاء وشراح القانون الدستوري على أن في مقدمة الأسباب التي تجعل
"الدستور" يحظى بهذه المكانة السامية الرفيعة في البنيان القانوني لأي دولة
معاصرة ليس هو مجرد احتوائه على أحكام تتناول القضايا الأساسية التي أشرنا
إليها، ولكن هو كون الدستور ناشئاً عن طريق "الإرادة الجماعية العامة
"ومنبثقاً من إرادة الأمة ممثلةً فيما يطلق عليه عادة "السلطة التأسيسية
الأصلية"، ومن كونه تعبيراً حرّاً عن ضير الأمة وتطلعاتها وأمانيها ورؤاها
المشتركة، وحائزاً على قبولها ورضاها، ومحققاً لمصالحها العليا، وهو ما يعني
أنه حائز على "المشروعية الأساسية" اللازمة. وبدون هذه المشروعية فلا يكون
لوثيقة الدستور أي قيمة أو أهمية حتى لو أفرغت في أجمل الصياغات أو جرت
الاستعانة في إعدادها بأحسن بيوت الخبرة وكبار الاختصاصيين والقانونيين.
السؤال الذي ينبغي
طرحه الآن هو كيف يمكن أن تتحقق "المشروعية" في "الدستور" الذي تطالب به
المعارضة الليبية ويتوقعه الشعب الليبي؟
في إعتقادي من
خلال مطالعة أدبيات المعارضة يمكن القول بأن هناك إجماعاً على أن هذه
المشروعية لا تتحقق إلا بأن يتوفر في "الوثيقة الدستورية الجديدة" ولها جملة
من الشروط والمواصفات والمقومات يمكن عرضها على النحو التالي:
أولاً: أن يكون في مقدمة مهام "السلطة
الانتقالية" – وهي سلطة أمر واقع تعقب عملية الإنهاء المادي لسلطة سبتمبر –
العودة بالبلاد إلى كنف "الشرعية الدستورية" باتخاذ كافة الإجراءات التي تؤدي
إلى انتخاب "جمعية وطنية تأسيسية" تقوم بوضع" مشروع دستور جديد" للبلاد
وإقراره عن طريق "استفتاء شعبي عام"، وتسليم السلطة إلى الهيئات والمؤسسات
الدستورية المنتخبة في ضوئه، على أن يتم كل ذلك في فترة لا تتجاوز خمسة عشر
شهراً من إنهاء النظام الانقلابي وقيام السلطة الانتقالية. إن هذا كله يستلزم
أن يتوفر في السلطة الانتقالية المذكورة ما يلي:
(أ) أن يكون لديها (أي السلطة الانتقالية) إحساس
حقيقي وقناعة تامة جازمة بالحاجة إلى الدستور وبضرورته.
(ب) أن لا يكون لديها أي رغبة أو نية في فرض
توجّهات وتصورات أيديولوجية مسبقة خاصة على الشعب الليبي عبر عملية وضع
الدستور الجديد ومن خلال الهيئة التي تـتولى إعداد مشروعه.
(ج) أن يكون لديها الرغبة والحرص على تهيئة أنسب
المناخات والظروف الأمنية والسياسية والعملية أمام واضعي مشروع الدستور وعلى
تجنب ممارسة أية ضغوط عليهم.
(د) أن يكون لدى هذه السلطة الاستعداد الكامل
لتفعيل الدستور الجديد فور إقراره شعبياً، والإذعان لأحكامه الانتقالية
المتعلقة بنقل السلطة إلى الهيئات والمؤسسات المنتخبة دستورياً والإلتزام
بهذه الأحكام والنزول عند مقتضاها.
ثانياً: هناك شروط تتعلق بالجهة التي تسند
إليها مهمة إعداد "مشروع الدستور الجديد" وآليات وأساليب ومواعيد اضطلاعها
بهذه المهمة، يمكن إجمالها على النحو التالي:
(1) ينبغي أن يصدر القرار بالدعوة إلى انتخاب
"جمعية تأسيسية وطنية" عن طريق "السلطة الانتقالية" ويحدد القرار الصادر عن
هذه السلطة:
(أ) تكليف الجمعية التأسيسية بوضع مشروع دستور
جديد للبلاد.
(ب) تكليف الجمعية أيضاً بوضع وإصدار قوانين
الانتخابات الرئاسية والتشريعية وإجراء الاستفتاء الشعبي العام.
(ج) تحديد مواعيد إنجاز هذه المهام على أن تنتهي
جميعها قبل عام من تاريخ صدور قرار التكليف عن السلطة الانتقالية.
(2) تصدر "السلطة الانتقالية" قانون انتخاب أعضاء
الجمعية الوطنية التأسيسية" خلال شهر واحد على الأكثر من توليها السلطة على
أن تجرى عملية انتخاب الجمعية الوطنية خلال ثلاثة أشهر من صدور القانون
المذكور. وينبغي أن ينص القانون المذكور على:
(أ) حق كل مواطن ليبي (رجلاً أو امرأة) أن يترشح
لعضوية الجمعية.
(ب) حق كل مواطن ليبي (رجلاً أو امرأة) يبلغ السن
القانونية في المشاركة في عملية الاقتراع.
(ج) أن تتم عملية الانتخاب بطريقة الاقتراع
السرّي الحر.
(3) يتوجب على السلطة الانتقالية بالنسبة لعملية
انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية، فضلاً عما سبق:
(أ) إتاحة فرصة كاملة ومتوازنة أمام كافة
التكتلات والتجمعات والأطياف السياسية والأيديولوجية في البلاد للتعبير عن
أفكارها ورؤاها وعرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها خلال الفترة التي
تسبق إجراء الانتخابات.
(ب) تهيئة كافة شروط ومستلزمات الحرية والحيدة
والنزاهة أثناء إجراء الانتخابات.
(ج) أن تتم العملية الانتخابية تحت إشراف مراقبين
دوليين من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة
المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوربي والمنظمات الدولية والإقليمية بحقوق
الإنسان.
(4) وفيما يتعلق بأسلوب عمل الجمعية التأسيسية
الوطنية وأدائها للمهام المناطة بها، فينبغي:
(أ) أن تجتمع الجمعية التأسيسية خلال مدة لا
تتجاوز عشرة أيام من تاريخ صدور قرار السلطة الانتقالية باعتماد نتائج
انتخابات أعضائها.
(ب) أن تتفرغ الجمعية للمهام المناطة بها كما
أشرنا إليها سابقاً وعدم الزج بها في التعاطي مع أي مهام تنفيذية تقع في
اختصاص السلطة الانتقالية.
(ج) أن تقوم الجمعية بوضع لائحة إجراءاتها
الداخلية ومختلف آليات وأساليب عملها وتحديد الطرق المناسبة للاستفادة من
رجال الاختصاص والخبرة في مختلف المجالات دون أي تدخلّ من أي جهة أخرى لا
سيما مؤسسات السلطة الانتقالية. كما ينبغي أن يتوفر لأعضاء الجمعية الحصانة
الكاملة التي يتمتع بها عادة أعضاء مجالس الأمة والبرلمانات.
(د) أن تهيئ الجمعية فرص المشاركة الشعبية
الواسعة التي ينبغي ألا تقتصر على النخب وذلك من خلال الاستماع إلى وجهات نظر
مختلف التجمعات الفئوية وغيرها وتلّـقي مذكرات منهم، ومن خلال استفتاء الشعب
حول بعض المسائل الجوهرية والتي قد يكون من بينها:
* هل سيكون نظام
الحكم الجديد ملكياً أم جمهورياً ؟
* هل سيكون النظام الجمهوري رئاسياً أم برلمانياً ؟
* وهل هو اتحادي أو وحدوي ؟
* واسم الدولة وعلمها وعاصمتها ؟
* وهل سيكون الدستور جامداً أم مرناً ؟
ثالثاً: كما أن هناك شروطاً يجب توفّرها،
تتعلق بمحتوى مشروع الدستور الجديد الذي تضعه الجمعية التأسيسية، سواء من
ناحية القالب الصياغي أو من ناحية مضمونه الموضوعي.
أما فيما يتعلق
بالقالب الذي نُفرغ فيه صياغة مواد مشروع الدستور، فغني عن القول ضرورة إتسام
نصوص هذه المواد بالترتيب وبالوضوح وبالدقة وبالحسم، وأن تخلو من الغموض
والإبهام وتعدد التأويل والإلتباس.
أما من حيثالمضمون
الموضوعي فينبغي أن تشتمل مواده على أحكام تتعلق بكافة القضايا والموضوعات
التي تتناولها الدساتير العصرية منها (على سبيل المثال):
(أ) المبادئ المتعلقة بغاية الدولة الليبية
واختياراتها الأساسية المتعلقة بتنظيمها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
(ب) القواعد والأحكام المتعلقة بنظام الحكم
وبكيفية مزاولة السيادة في الدولة، وبيان العلاقة بين السلطات الثلاث فيها (التشريعية
والتنفيذية والقضائية) وحدود كل منها.
(ج) القواعد والأحكام المتعلقة بالسلطة التشريعية.
(د) القواعد والأحكام المتعلقة بالسلطة القضائية.
(هـ) القواعد والأحكام المتعلقة بحقوق المواطنين
وحرياتهم والعقوبات المترتبة على انتهاكها من قبل السلطات العامة.
(و) القواعد والأحكام المتعلقة بالمال العام
وكيفية صونه والتصرف فيه جباية وإنفاقاً وممارسة الرقابة المالية الصارمة
بشأنه.
ومن بين
الموضوعاتالأخرى التي يقترح أن تتناولها الوثيقة الدستورية الجديدة وتفرد لها
أحكاماً خاصة:
(1) هوية الشعب الليبي وإنتماءاته العربية
والافريقية والاسلامية
(2) كيفية حماية الدستور.
(3) مسألة مصادر التشريع وموقع الشريعة الإسلامية
بين هذه المصادر.
(4) المسألة الأمازيغية وحقوق الأقليات.
(5) حقوق المرأة السياسية
(6) حق تشكيل الأحزاب السياسية ومسألة تأسيس أحزاب
على أساس ديني.
(7) مسألة ازدواجية الجنسية.
(8) الثروة النفطية في البلاد (ملكيتها من قبل
الدولة وتوظيف عائداتها)
(9) أحكام انتقالية ومؤقتة تتعلق بما وقع خلال
انقلاب سبتمبر من مظالم وانتهاكات وتفريط في مصالح البلاد العليا ونهب
لثرواتها.
رابعاً: ينبغي فور
إنتهاء الجمعية التأسيسية من صياغة مشروع الدستور الجديد، أن يعرض على الشعب
في استفتاء عام تتخذ له كافة التدابير والترتيبات من أجل تحقيق أكبر مشاركة
شعبية فيه ومن أجل نزاهته وسلامة نتائجه.
إنمن شأن مراعاة
كافة الشروط والاعتبارات التي أتينا على ذكرها آنفاً أن ينجم عنها "دستور
جديد" نابع من ضمير الأمة ووجدانها ومعبر عن إرادتها الحرة، وحائز على قبولها
ورضاها، ومحقق لمصالحها وهو ما يضفي عليه صفة "المشروعية".
هناك شبه إجماع
بأن مدة الاثنى عشر شهراً سوف تكون كافية لكي تقوم خلالها الجمعية التأسيسية
الوطنية بإنجاز المهام المناطة والمتمثلة في وضع مشروع دستور جديد للبلاد
وإصداره بعد إقراره عن طريق استفتاء شعبي عام، ووضع وإصدار قانون عام
للانتخابات الرئاسية وآخر للانتخابات التشريعية وفور إقرار وإصدار الدستور
والقانونين المذكورين تدخل السلطة الانتقالية في مرحلة تفعيل الدستور ويبقى
أمامها ثلاثة أشهر إضافية لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وبذا تنتهي
مهمة الجمعية التأسيسية والسلطة الانتقالية.
إذا عدنا إلى
السؤال الذي طرحناه في ختام الفصل السابق، وهو هل يمكن أن تتحقق هذه الشروط
وأن تتهيأ هذه المقومات والاعتبارات لأي وثيقة في أي "وثيقة دستورية" تصدر عن
النظام الانقلابي وهياكله القائمة حالياً، وبعد كل هذه السنوات من الإجرام
والعبث والاستخفاف بكل ما هو مقدس ودستوري وقانوني ومشروع، وفي ظل وجود
القذافي على رأس السلطة بصلاحياته الثورية والعسكرية وبتوجهاته وتصوراته
المطلقة والموغلة في الاستبداد والتخلف، وفي ظل الأجواء الفوضوية القمعية
الإرهابية السائدة في البلاد ويقف وراءها القذافي بأجهزته الأمنية ولجانه
الثورية ؟ !
لقد مرّ بنا في
الأبواب والفصول السابقة من هذا الكتاب كيف تعامل القذافي منذ الأيام الأولى
لإستيلائه على السلطة مع دستور 1951، وكيف أنه – حسب قوله – وضعه في سلة
المهملات [2]..
كما مرت بنا أيضاً الطريقة المستهترة وغير المسئولة التي أعد بها الانقلابيون
الإعلان الدستوري الصادر في 11/12/1969 [3] وكيف أن الانقلابيين لم يكترثوا
بإشراك أي ليبي في إعداد مشروع ذلك الإعلان، وكيف أن هذا الإعلان ولد في
أحضان ضابط مخابرات مصري داخل مبنى السفارة المصرية ببنغازي
[4]. كما مر بنا أيضاً
إصرار القذافي المتواصل على الاستخفاف بفكرة الدستور ذاتها
[5]، ثم إدعاؤه منذ
مارس 1977 بعدم حاجة البلاد إلى دستور أو حتى إعلان دستوري في ضوء ما ورد
بكتيبه الأخضر وما ورد فيما سمى "وثيقة إعلان قيام سلطة الشعب" وأن القرآن
الكريم اصبح هو شريعة المجتمع في الجماهيرية
[6].
كما مر بنا أيضاً
ان عودة القذافي المفاجئة في عام 1993 إلى فكرة إعداد دستور للبلاد لم تكن
إلا "مناورة سياسية" اضطر القذافي أن يلجأ إليها في ضوء معطيات أزمة سياسية
كانت تمسك بخناق نظامه يومذاك سرعان ما تراجع عنها وتنكر لها مع اختفاء
وانحسار تلك المعطيات. ولا تختلف الدعوة المماثلة التي أوعز القذافي إلى ابنه
سيف بترديدها منذ عام 2005 م إلا مناورة جديدة أخرى لمواجهة كثير من الأصوات
التي تطالبه بضرورة إصلاح نظامه السياسي
[7].
وليس ذلك فحسب، بل
لعل الأخطر من ذلك كله، هو ما يظهر بكل جلاء أمام المتابعين لأحوال
الجماهيرية كيف أن القذافي لم يظهر في أي يوم من الأيام أي استعداد للتقيد أو
الإلتزام بأحكام أي وثيقة دستورية أو قانونية حتى لو كانت هذه الوثيقة قد
وضعت من قبله أو بواسطة مؤسسات نظامه، كما أنه لم يظهر أي استعداد للخضوع لأي
مساءلة أو محاسبة عن أعماله وقراراته وتصرفاته أمام أي جهة من الجهات، ويكفي
في هذا الشأن الإشارة إلى ما ورد بفقرات "وثيقة الشرعية الثورية" التي أصدرها
النظام في مارس 1990 التي تجعل مجرد التوجيهات التي تصدر عن القذافي فوق أي
دستور وأي قانون [8].
إننا نتصور أن هذه
الحقائق والملاحظات وحدها كفيلة بأن تجعل المرء يصل إلى قناعة قاطعة باستحالة
إئتمان النظام القائم حالياً في ليبيا بكافة رموزه وهياكله على مهمة وضع
دستور للبلاد يتمتع بالمشروعية والتي تعني أن يكون نابعاً من ضمير الأمة
الليبية ومعبراً عن إرادتها وحائزاً على قبولها ورضاها ومحققاً لمصالحها
[9].
ونحسب أنه مما
يعزز ما خلصنا إليه آنفاً، ما ورد على لسان عدد من الحقوقيين الذين شاركوا في
الندوة النقاشية التي عقدتها مجلة "عراجين – أوراق في الثقافة الليبية" يوم
7/10/2006 م حول "ليبيا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية"
[10] في وصف الأوضاع
السياسية والقانونية السائدة في الجماهيرية.
ولئن
بقى ظاهر ما ورد على لسان معظم المشاركين في الندوة في حدود مطالبتهم للنظام
الانقلابي وضع دستور للبلاد، إلا أننا نعتقد أن ما ذكره غالبيتهم من ملاحظات
وتحفظات بشأن واقع الأوضاع القانونية في البلاد تقطع باستحالة تحقق ذلك
المطلب في ظل قيادة النظام الانقلابي وهياكله ومؤسساته.
وعلى سبيل المثال
فقد كان من بين الملاحظات والتحفظات والتخوفات التي أكد عليها المشاركون في
الندوة:
1- هناك شك كبير في وجود قناعة لدى النظام القائم
بحاجة البلاد إلى دستور دائم وهو ما جعل أحد المشاركين يقترح إصدار قانون
يعبر عن الحاجة إلى إصدار دستور. (صفحة 162).
2- أن القذافي هو وحده صاحب القرار بشأن الدستور
وأن المسألة كلها تتوقف عليه (الصفحات 133، 159).
3- أن "المؤتمرات الشعبية" سوف تكون الجهة المختصة
بوضع الدستور وفقاً للنظام القائم في البلاد وفضلاً عما يحيط بأداء هذه
المؤتمرات من أوجه ضعف وقصور ذاتية فإن "اللجان الثورية" وهي مؤسسات أمر واقع
وقوى استثنائية تظل هي المتحكمة في هذه المؤتمرات وكل ما يصدر عنها (الصفحات
139، 170).
4- أبدى عدد من المشاركين تخّوفه الشديد من:
* غلبة حالة عدم
الاستقرار والفوضى المؤسسية والبنيوية (صفحة 154).
* سيطرة علاقات القوة في المجتمع الجماهيري بدلاً من علاقات القانون (صفحة
129).
* فكرة "الدستور الجاهز" و"الدستور المنحة" و"الدستورالمفروض من أعلى" (صفحة
172).
* دستور تضعه لجنة أو فئة من لون واحد (صفحة 140).
5- أكد عدد من المشاركين على أهمية تفعيل الدستور
واحترامه (صفحة 155، 159).
وسواء أكان ذلك هو
ما عناه المشاركون في تلك الندوة أو لم يكن، فإننا على يقين، وفي ضوء
المعطيات الموضوعية التي أتينا على ذكرها، بأن النظام الانقلابي القائم في
ليبيا الآن، غير مؤهل وغير جدير بأن يؤتمن على تحقيق المطلب الدستوري والعودة
بالبلاد إلى كنف الشرعية الدستورية لا سيما أنه قد مضت حتى الآن نحو سبعة
وثلاثين عاماً على الوعد الذي قطعه بوضع دستور دائم للبلاد وبقى هذا الوعد
دون وفاء.
وفي يقيني فإن
عملية الإصلاح السياسي الحقيقي في ليبيا اليوم لا تبدأ من وضع "وثيقة
دستورية" بواسطة النظام الانقلابي القائم فيها، ولكنها تجد بدايتها الصحيحة
في وضع نهاية جذرية وشاملة لهذا النظام بكافة رموزه وهياكله وكل ما يتعلق به.
وبعبارة أخرى فإن أي عملية إصلاح سياسي حقيقي في ليبيا اليوم بما في ذلك وضع
دستور جديد للبلاد والعودة بها إلى "الشرعية الدستورية" لا يمكن أن تتحقق أو
أن يكون لها معنى أو قيمة ما لم تتخذ من إنهاء النظام القائم برمته نقطة
لبدايتها وإنطلاقها.
[1] راجع "القانون الدستوري – دراسة مقارنة للدستور الليبي
ودساتير الدول العربية الأخرى" تأليف د. إسماعيل مَرزة من منشورات الجامعة
الليبية – دار صادر – بيروت 1969 وكتاب " الأنظمة السياسية المعاصرة "
للدكتور يحي الجمل، دار النهضة العربية، بيروت ، الطبعة الأولى 1969 وبحث "النصوص
الدستورية أهم ضمانات حقوق الإنسان" للدكتور نعمان الخطيب بجامعة مؤتة –
الأردن بالمجلد الثالث من كتاب " حقوق الإنسان – دراسات تطبيقية عن العالم
العربي، دار العلم للملايين. بيروت، الطبعة الأولى، نوفمبر 1989 م.
[2] راجع فصل "موقف الانقلابيين من دستور 1951" بالباب الثالث من هذا الكتاب.
[3]
[4] راجع فصل "قصة الإعلان الدستوري" بالباب الثالث من هذا الكتاب.
[5] راجع الفصول من الثالث حتى السابع بالباب الثالث من هذا الكتاب.
[6] راجع فصل "الكتاب الأخضر وفكرة الدستور" بالباب الثالث، وفصول "مضمون
وثيقة قيام سلطة الشعب" و"خدعة القرآن شريعة المجتمع" بالباب الرابع من هذا
الكتاب.
[7] راجع فصل " عودة مفاجئة إلى موضوع الدستور " بالباب السادس من هذا الكتاب.
[8] راجع فصل "الوثيقة الخضراء الكبرى" و"وثيقة الشرعية الثورية" و"قانون
تعزيز الحرية" وبقية فصول الباب السادي من هذا الكتاب.
[9] هذا بافتراض وجود النية أصلاً لدى هذا النظام في وضع دستور دائم للبلاد.
[10] العدد/ 6 يناير 2007 م.
|
|
|