03/07/2007
|

|

|
|
|
|
... ولكن أين الليبيون ؟
بقلم: فضيل الأمين |
 |
|
|
تناقلت
وكالات الأنباء العربية المختلفة في الأسابيع الماضية أخبار عدة تعاقدات
الحكومة الليبية مع شركات مقاولات عربية وصينية مختلفة لبناء مجمعات سكنية
ومرافق تجارية كبرى في ليبيا. وتأتي على رأس القائمة شركات المقاولات الصينية
الحكومية وشركة إعمار الإماراتية التي تملكها مجموعة من الأسر الإماراتية
الحاكمة أيضاً.
ونحن
نرحب باستيقاظ الحكومة الليبية وإدراكها بعمق وحجم المشكلة الإسكانية والبنية
التحتية في ليبيا التي تضاعف عدد سكانها أكثر من مرة خلال العقود الثلاثة
الماضية في الوقت الذي لم تصاحب هذه الزيادة السكانية أدنى مستويات التطور في
البنية التحتية اللازمة لاستيعاب هذه التغيرات الديموغرافية والبنيوية في
البلاد.
فالطاقة
الإسكانية وشبكات الطرق والمجاري ومحطات المعالجة ومحطات ضخ المياة والتحلية
وجميع ما هو مرتبط بالبنية الأساسية للبلاد لم يتم تحديثه. ولكم أن تتصوروا
مسافر يريد أن يسافر مسافة طويلة في سيارة فيات متهالكة الهيكل والمحرّك من
موديل الخمسينات أو أوائل السيتينات على أحسن تقدير. تلك السيارة هي البينة
الأساسية لليبيا والمسافر المسكين هو مواطن ليبيا اليوم.
يقظة
الحكومة الليبية لهذه المشكلة يمكن أن يشكّل نهاية مرحلة وبداية أخرى. وعلى
رأي المثل الغربي "من الأفضل أن يأتي الحل متأخراً على ألا يأتي على الإطلاق".
ولكن
يقظة الحكومة واستيعابها لأبعاد المشكلة لا يكفي وحده لحلها. فالكيفية التي
يتم بها حل المشكلة أمر لا يقل أهمية عن إدراكها. وهذا يعيدني إلى شركات
المقاولات الصينية والكورية والإماراتية.
لاشك أن
إعادة بناء البنية التحتية أو تحديثها لتتناسب مع العصر مشروع ضخم ذو جوانب
عدة. وهو في هذه الحالة يعتبر مشروع تنموي واقتصادي ضخم يتم عبره تدوير
الأموال وتحريك الإقتصاد وتنشيطه. فالمليارات الضخمة التي سيتم ضخها في هذه
المشاريع الكبرى لابد أن تكون ضمن خطة تهدف إلى انعاش البلاد اقتصاديا عبر ما
يسمى بالإستثمار الداخلي. فهذه المشاريع يجب أن تكون إحدى الوسائل لتوفير
الوظائف المختلفة للعمالة الليبية التي تتجوّل في الشوارع بحثاً عن عمل.
ويمكن أن تحرك دورة العرض والطلب للتجار الذين يتاجرون في مواد البناء
والمواد المنزلية والأخشاب ورفع طاقة مصانع الإسمنت الليبية الحالية أو بناء
مصانع جديدة لتلبية حاجات هذه المشاريع بدل من الإعتماد على الإستيراد لجلب
تلك المواد.
هذه
المشروعات يجب أن تكون نقطة بدء لتطوير خدمات وطنية ليبية متميزة ومتنوعة،
فالمهندسون الليبيون المدنيون والمعماريون والاستشاريون هم الذين يجب أن
يقودوا هذه المشاريع ويشرفوا عليها. والمقاولون الليبيون يجب أن يكون لهم
نصيبهم في البناء.
يجب أن
تكون من شروط التعاقد مع هذه الشركات الأجنبية هو توظيف العمالة الليبية
الوطنية وتدريبها.
يجب أن
يطلب منهم أن يضخوا أموال استثمارية في المناطق التي يعملون فيها.
يجب أن
تطلب منهم أن يشتروا المواد الخام ومواد البناء من التجار الوطنيين لا أن
يتعاملوا مع تجار خارجيين خاصين بهم.
يجب أن
يطلب منهم أن يستخدموا مقاولين ليبيين في أعمال المقاولات الجزئية (SubContractors)
ويوظفوا الكهربائيين الليبيين ومقاولي المواد والخدمات الصحية الليبيين لا أن
يأتوننا بأطقم صينية وكورية وهندية وغيرها، وأهل البلد يعانون من البطالة
وعدم توفّر الفرص. وهذه أمثلة فقط.
المعروف
عن الشركات الصينية التي تستلم مشاريع عمل خارج الصين أنها تأتي بعمالها
وكوادرها. وهذه إحدى المشاكل التي تواجهها القارة الأفريقية اليوم جراء الغزو
الصيني. فالشركات الصينية الحكومية العاملة في أفريقيا اليوم لا توظف أي
مواطنين أفارقة ولا توّفر أية فرص عمل أو استثمار لرأس المال المحلي.
فهي
عندما تستورد كل عمالتها من الصين إنما تقوم بتدوير المال والاستثمار داخل
الاقتصاد الصيني. فهي توفّر وظائف للعمال الصينين الذين يكتسبون المال
والخبرة جراء هذه المشاريع ويرسلون أموالهم إلى عائلاتهم في الصين والذين
بدورهم يقومون بالتسوّق داخل الاقتصاد الصيني الذي بدوره ينتعش من وجود كل
هذه المداخيل.
لقد وعى
عدد من المسؤولين والمتخصصين الأفارقة مؤخراً هذه المشكلة وبدأوا في إعادة
النظر في الدور الإستثماري الصيني في أفريقيا في ضوء هذه السياسات.
كل ما
نريده ألا يتكرر هذا في بلادنا. لابد أن تكون هناك شروط ولابد أن تستفيد
المدن والقرى التي تتم فيها هذه المشاريع اقتصاديا من وراءها.
من
المحزن ألا تكون هناك شركات ليبية ضخمة تستطيع انجاز ما نحتاجه من مشاريع
وأعمال ونضطر إلى الاستعانة بغيرنا. فأين شركات المقاولات الليبية التي كانت
تعج بها ليبيا والتي قامت في يوم ما بتعمير بلدان أخرى.
أين
مقاولات بن ساسي وطاطانكي ولنقي وغيرهم من الذين لعبوا دوراً في بناء ليبيا
من قبل ؟
في
السبعينات كنا رهينة مقاولات عثمان أحمد عثمان والمقاولون العرب، ثم جاء دور
شركات المقاولات الكورية كانت كانت طريقة عملها لا تختلف عن الطريقة الصينية،
وإن ساهمت في تنظيف الشوارع الليبية من الكلاب والقطط الضالة وغير الضالة،
حتى ليتمنى المرء اليوم مطاردة من المطاردات الليلية مع كلب ليبي أصيل.
في
المنطقة التي أسكنها في ضاحية واشنطن العاصمة، عدد لا يستهان به من شركات
المقاولات المختلفة التي توفر خدمات للحكومة الفيدرالية الأميركية، وتوظف هذه
الشركات موظفين يزيد عددهم عن العدد الإجمالي لموظفي الحكومة الفيدرالية.
بعض هذه
الشركات أوروبي وبعضها أسيوي، ولكن غالبية موظفيها أميركيين أو مقيمين إقامة
دائمة في الولايات المتحدة. وتشترط المدن والولايات التي تستضيف هذه الشركات
أن تساهم هذه الشركات في تطوير الإقتصاد المحلي كما تتسابق الشركات في تقديم
خدمات وطرح فرص عمل للمجتمعات المحلية. وهكذا يزدهر الإقتصاد ولا تصبح
العملية (انهب واهرب) كما هو الحال في بلادنا.
أتمنى
أن تكون هذه المشاريع الجديدة بداية مرحلة حقيقية من البناء، ليس بناء
المباني فقط ولكن بناء الإنسان الليبي التي يتوق إلى اللحاق بأقرانه
ومنافستهم وبناء الإقتصاد الليبي الذين يمكن أن يصبح أعجوبة أفريقيا ومعجزتها.
فضيل الأمين
أرشيف الكاتب
|
|
|
libyaalmostakbal@yahoo.com