30/07/2007
 

بلا مجاملة... نقاط على الحروف
 
بقلم: فضيل الأمين

 
تابعت عدد لابأس به من المقالات والتعقيبات والتعليقات التي تناولت ولا تزال تتناول قضية ضحايا مأساة الأيدز في ليبيا والاتفاق الأخير الذي أدى إلى حل المشكلة وتعويض الضحايا وتوفير العلاج. متابعاتي أثارت في نفسي عدة قضايا يمكن أن تصبح كل منها مجالاً لمقال مستقل ولكن حرصاً على وقت القارئ ورغبة في ربطها ببعضها البعض في اختصار مقبول أطرحها هنا في شكل نقاط مختصرة قابلة للتعليق عليها:
 
• ضحايا مأساة الأيدز وعائلاتهم يجب إلا ينال منهم ولا يتطاول عليهم أحد. يجب أن تكون لهم قيمة عليا في المجتمع نتيجة لما اصابهم وما ابتلوا به. ما حدث لهم ولاطفالهم امر لم تكن لهم جريرة فيه ولا يد لهم في وقوعه عليهم. فالمجتمع والدولة مدينة لهم أمس واليوم وغداً. وما حصلوا عليه وما وافقوا عليه امر يعود لهم فقط ولا يجب المزايدة عليهم ولا الحقد عليهم ولا حسدهم عليه.
 
يذكرني هذا بحال عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر الارهابية على الولايات المتحدة وكيف قامت الحكومة بتعويضهم وكيف كانوا محل احترام وتقدير من كل أبناء الشعب الأميركي. فلم يزايد عليهم أحد ولم يتجسس على أوضاعهم ومشترياتهم وممتلكاتهم أحد ولم يتهمهم أحد بالتكسب والغنى من وراء أفراد عائلاتهم الذين قتلوا.
 
كان ولا يزال احترامهم متواصل ومستمر وصوتهم مسموعاً وتصلهم كلمات الشكر والتقدير. فاصاباتهم في عائلاتهم واقاربهم كان يمكن أن تكون اصابة أياً من ابناء الشعب الأميركي الآخرين، فهم بهذا المعنى عانوا ويعانون نياية عن المجتمع كله.
 
وكذلك هو حال أطفال وعائلات مأساة الأيدز عانوا ويعانون نياية عنا جميعاً. فكان يمكن أن يكون هؤلاء الأطفال أطفالك أو أطفالي أو أطفال اقاربك أو قريباتك.
 
• العفو من شيم الكبار والانتقام والضغينة من شيم الصغار. ولهذا نجد في الدين الاسلامي مبدأ الدية عوضاً عن القصاص في حالة القتل. لأن الاسلام يحض على الرحمة والمغفرة عند المقدرة. "ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"، "فليعفو وليصفحوا إلا تحبون أن يغفر الله لكم" هكذا خاطب القرآن أبوبكر الصديق عندما عزم على قطع المساعدة التي كان يقدمها لبعض الناس عندما خاضوا في عرض عائشة ابنته وزوجة الرسول صلى الله عليه وسلم. فما كان منه إلا ان قال عفونا وصفحنا ولم يقطع المساعدة.
 
• هل اصبحنا مرة أخرى أمة تحب الثأر وتعشق الانتقام. كان هناك هو حال عرب الجاهلية قبل أن يهذبهم الاسلام. فلماذا يزايد بعض العربان على ليبيا ويطالبون باعدام الممرضات والطبيب الفلسطيني؟ هل هي عصابات داحس والغبراء من جديد. لماذا ينزعج البعض إذا توصّل بعضنا إلى حلول سلمية لمشاكلنا؟ لماذا اصبحنا أمة تعشق حبل المشنقة وتسكر برائحة الدماء؟
 
• تعيير كثير من العرب في كتابتهم وتعليقاتهم للعائلات بأنهم باعوا اطفالهم وأن ثمن الدم العربي والمسلم ارخص من غيره أمر أثار اشمئزازي إلى درجة التقزز.
 
فأنا لم أرى في ذلك سوى ازمة حقيقية نعيشها نحن العرب والمسلمون. أزمة المهزوم المهزوز اليائس الذي يرى العالم بمنظار سوداوي والذى يحب أن يعيش بشعور المقهور المضطهد حتى وإن لم يكن كذلك وحتى وإن لم يكن ما يدعوه أو يرغمه على ذلك.
 
ماذا يريد هؤلاء من الضحايا وعائلاتهم؟ أن يتمسكوا بإعدام هؤلاء (البلغاريات الكافرات!!!) والفلسطيني (المجرم!!!) حتى وإن كان الثمن هو اعدام من لم يتوفى من هؤلاء الاطفال بحرمانهم من فرص العلاج والعيش.
 
هل المطلوب هو أن نثبت للغرب (الكافر!!!) أننا قادرون على اعدام النساء واسالة الدماء ونصب المشانق من اجل الانتقام من جرائمه الماضية والحاضرة المستقبلية؟
 
العالم اليوم كله يعرف أن العرب والمسلمون هم خبراء في احزمة النسف الذاتي وتفجير الاجساد وتفخيخ الشباب. وإذا كان في ذلك مفخرة لهم فقد نالوها وهم بالتالي ليسوا في حاجة إلى دماء بلغاريات وفلسطيني لا وطن له لاثبات ذلك.
 
• ثم ماذا عن التعيير على قيمة التعويض، في مقارنة بين المليون لليبي والعشرة مليون للغربي، فالمقارنة هنا لا معنى لها. فإذا اتفق الناس على مبدأ التعويض كمبدأ عندئذ تبقى القيمة محل جدل وحوار واتفاق بين الأطراف المختصة فقط. وليس من حق الآخرين تقدير قيمة تعويض أو أخرى. ولهذا نجد الاسلام عندما أقر مبدأ الدية لم يحدد قيمتها على الاطلاق بل تركها للأطراف ذات الشأن. فلم يقل الطفل المسلم 1000 دينار ذهبي والبالغ المسلم 10000 دينار وغير المسلم 10 دينارات.
 
فالقيمة المقبولة هي ما يتفق عليه الطرفان.
 
فالقيمة هنا معنوية ولها علاقة بحال المقتول أو المصاب ومسؤولياته وظروفه وظروف عائلته. فقد تكون الدية قيمة رمزية أو قيمية عينية حسب الحاجة.
 
واستحضر في هذا الشأن الكيفية التي تمت بها تعويضات عائلات ضحايا هجومات 11 سبتمبر الارهابية. حيث قامت الحكومة الفيدرالية بتعويض عائلات الضحايا بناء على عملية حسابية معينة تأخذ في الحسبان عمر الضحية وعائلته وعدد اطفاله ووظيفته والدخل الذي كان يدره على عائلته واعمار اطفاله وعدد السنوات التي كان من المتوقع أن يعملها لو لم يقتل والدخل الاجمالى العائد من وراء ذلك.
 
وعلى اساس هذه المتغيرات المختلفة تم تحديد قيمة التعويض. فكان تعويض العائلة التي فقدت عائلها أكبر من تعويض الأب أو الأم التي فقد ابنته أو أبنها.
 
• ضمان حصول الأطفال المصابون بفيروس الأيدز (أتش آي في) على الرعاية الصحية المستمرة ضمن الاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة الليبية مع الاتحاد الأوروبي أمر مهم وجيد. فالكثير من الناس الذي يصرخون هنا وهناك ويتوقعون أن الاصابة بفيروس (أتش آي في) يعني الموت المحقق وهذا غير صحيح. فوجود الفيروس، ما لم يتحوّل إلى المرض نفسه، لا يعني الموت. فمن خلال العلاج المستمر يمكن أن يتعايش الإنسان مع الفيروس لسنوات طويلة ويمارس حياة طبيعية إلى حد كبير. ومن أكبر الامثلة على ذلك لاعب كرة السلة الأميركي الشهير ماجيك جونسون الذي اصيب بفيروس (أتش آي في) منذ اكثر من 15 عاماً وهو لا يزال اليوم حياً يتمتع مع زوجته وأطفاله بحياة سعيدة. ولهذا نقول أن استمرار العلاج لهؤلاء الاطفال يعني استقرار حالتهم وتمتعهم بفرصة لحياة طويلة في المستقبل.
 
• إن اصرار النظام الليبي على ضرورة أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتحديث وتطوير مستشفى بنغازي هو إقرار منه بالمسؤولية الجزئية على الأقل بما حدث للأطفال في ذلك المستشفى سئ السمعة. إنه اقرار بأن المستشفى لم يكن في السابق وليس الآن في مستوى يؤهله لتقديم خدمات للمواطنين وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بخدمات اسعافية أو خدمات تتطلب نقل الدم أو أية سوائل تستدعي التأكد من سلامتها.
 
فمن أين جاء الدم الملوث بفيروس الأيدز ولماذا لم يتم اكتشافه؟ ومن الذي استورده ومن أين؟ هذه اسئلة لا تزال اجاباتها في جعبة الحكومة.
 
والغرض من طرحها ليس البحث عن أشخاص جدد لادانتهم بقدر ما محاولة لمعرفة ميكانيكية استيراد وجلب الدماء والسوائل الأخرى التي تحتاجها المستشفيات والمصحات. وكيفية التأكد من سلامتها حتى لا تتكرر هذه المأساة مرة وبنفس المرض أو بمرض آخر.
 
• السياسة هي فن الممكن، ونجاح النظام الليبي في الوصول إلى اتفاق عملي استطاع من خلاله تفادي استفحال مشكلة دولية كان من الممكن أن تؤدي إلى فتح أبواب مشاكل وملفات قديمة للنظام مع دول الاتحاد الاوروبي وفرنسا خصوصاً ومن ثم عودة ليبيا إلى عزلة دولية جديدة ومعاناة سيكون أكبر ضحاياها هو الشعب الليبي.
 
لقد كان النظام يبحث عن (شماعة) لكي يعلّق عليها تفريطه في السهر على صحه الشعب الليبي وفشله في التأكد من سلامة المواد والمعدات الصحية المستوردة، وفحص ما هو موجود في المخازن والتأكد من سلامته قبل تسليمه للممرضين والممرضات في المستشفيات. وجد النظام شماعته في الممرضات واستطاع من خلال ادارته للأزمة وتجاوب الاتحاد الاوروبي الراغب في استعادة مواطنيه معه الوصول إلى صيغة عملية تدل على تطوّر في طريقة تفكير القيادة الليبية وتحولها إلى فهم اكثر عملية وأقل شعاراتية للسياسة العالمية. ونمو الاتجاه البراغماتي عند السلطة الحاكمة الليبية دليل نضج وإن جاء متأخراً ولكن مرحباً به على كل حال. المفاوضات والاتفاقات هي دليل على ترجيح العقلية العملية على الشعارات الرنانة والتمسك بالمواقف المتحجرة.
 

أرشيف الكاتب



للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com