26/07/2007
 

لكم الله يا أطفال بنغازي (4)
بقلم: ابراهيم عبدالعزيز صهد

 
انتهت قضية الممرضات البلغاريات... فيما تستمر معاناة أطفال بنغازي وذويهم .. بل لنقل بأن المعاناة ستأخذ وتيرة في التضاعف، بعدما حققت كل الأطراف ما تريده من التسوية، مما يرشح الاهتمام (ولو المعنوي والإنساني) إلى الاضمحلال حتى تصبح قضية أطفال بنغازي نسيا منسيا.
 
في صوفيا أفراح وابتهاج بتحقيق تسوية كان لها مقدماتها ووسطاؤها، وكان لها ضغوطها وتهديداتها، وكان لها وجهها المعلن القبيح ووجهها السري الأشد قبحا، وهي تسوية لها ذيولها وآثارها، فهي بالنسبة لبلغاريا مقدمة لفرض إملاءات جديدة قد نعلمها يوما من خلال مليارات أخرى، أو من خلال مشاريع تمنح احتكاريا إلى أطراف بعينها، وقد لا نعلمها .. فنحن من حرمنا من أن نعلم شيئا عن مليارات "مجنبة" عن أن تصرف على إسعاد الليبيين وانتشالهم من هوة الفقر والعوز، ونحن من لا نعلم شيئا عن المليارات -غير المجنبة- والتي تجد طريقها إلى الصرف على أهواء القائد وتخاريفه الزعامية، وعلى رغبته المحمومة في البقاء الأبدي في السلطة ثم توريثها إلى أبنائه، ناهيك عن مئات الملايين الأخرى –التي نأمل بأنها لم تبلغ الرقم الملياري بعد- التي ينفقها أبناء القائد ليكونوا بمنزلة الأمراء في ليبيا، وليكونوا بمنزلة "الصيع" بامتياز في حانات وأوكار الدعارة والشذوذ في مواقع كثيرة من العالم من أستراليا إلى هولي وود، مرورا بأوروبا وبعض البلاد العربية.
 
في صوفيا أفراح وابتهاج، وفي بنغازي آلام وحسرات وأحزان. الآلام مقيمة ما أقام هذا الداء اللعين بما ينشره حوله من قلق دائم ومعاناة مستمرة وحزن مقيم، معه انطفأت بسمات حياة واعدة، وغابت إشراقة أمل الطفولة، وغدت حياة الآباء والأمهات جحيما من المعاناة. غدت حياة أربعمائة أسرة معتمة مظلمة يهددها شبح الموت في كل وقت، وينغصها معاناة وعذابات أطفال أبرياء. وفي بنغازي أيضا ذكريات لا تنسى لمآتم نصبت لأكثر من خمسين ضحية من ضحايا هذه الجريمة النكراء.
 
لم تتوقف معاناة أهالي الأطفال عند حد ما يواجهونه هم وأبناؤهم على مدار ساعات اليوم من ألم وعذاب، ولكنهم أخضعوا لضغوط رهيبة بين رجاء لا ينتهي في توفير علاج لفلذات أكبادهم، وبين إهمال متعمد للكارثة المأسوية التي يواجهونها، وبين تهديدات صريحة تارة ومبطنة تارة أخرى بأن يقبلوا بتسوية، أية تسوية. وانتهى الأمر إلى هذه التسوية البخسة بكل المعايير. تسوية بلغت عشر ما كانوا يطلبون من تعويضات، مضافا إليها وعود فارغة ليست سوى كلمات شفوية أو مكتوبة لا تساوي المداد الذي كتبت به.
 
حكومة بلغاريا تعاملت مع الأمر على أنه معركة قوامها سيادة الدولة وإرادتها السياسية ومسؤوليتها نجاه شعبها، بل تجاه خمس مواطنات. لم تضع الحكومة البلغارية أمامها ما إذا كانت المسألة تتعلق بحق أو باطل، وما إذا كانت مواطناتها مذنبات أم بريئات. لكنها وضعت أمامها هدفا واحدا، هو إطلاق سراح المواطنات البلغاريات. لتحقيق هذا الهدف وضعت الحكومة البلغارية كل إمكاناتها، وتعاملت مع القضية بكل جدية وعلى أعلى المستويات، وكشرت عن أنيابها، واحتضنت مطالب البلغاريات الخمس، وجندت كل حلفائها، وحولت المسألة إلى قضية رأي عالمي.
 
على الطرف الآخر فقد اتسم تعامل حكم القذافي بانعدام المسؤولية تجاه أربعمائة مواطن ليبي ونحو ذويهم، بل نحو الشعب الليبي كله. معالجة حكم القذافي لهذه الكارثة الإنسانية اتسمت –منذ البداية- بالعبث والإهمال واللامبالاة، واتسمت أيضا بالاستخفاف بمشاعر وأحزان أهالي الأطفال، كما اتسمت بمحاولات مستمرة لإستغلال هذه المأساة لخدمة أغراض وأهداف حكم القذافي. مسلسل العبث الذي قدمه القذافي وأجهزته مر بحلقات التكتم والتستر على هذه الكارثة، ثم حلقات الزعم بأن العدوى قد انتقلت إلى هؤلاء الأطفال عن طريق أمهاتهم المصابات بهذا المرض، ثم انبرى العقيد معمر القذافي بإلقاء تبعة الكارثة على "مؤامرة خارجية دون أن يتابع هذا الاتهام الخطير، ثم جاءت حلقات دخول سيف ابن القذافي ومنظمته على الخط، حيث تحول الأمر بالكامل إلى استغلال لهذه المأساة ووضعها ضمن المسائل المحتكرة لسيف ومؤسسته، ، وجاءت تصريحات سيف متناقضة اتسمت بالعبث وباستغلال كارثة كهذه من أجل اكتساب نقاط لحكم أبيه وله شخصيا مع الأوساط الأوروبية، بما في ذلك الضغط على أسر الأطفال من أجل قبول تسوية بخسة.
 
ومن الأمور التي يجب أن نتذكرها أنه -طيلة المدة الطويلة لهذه القضية- لم يسجل للعقيد معمر القذافي أن قام بزيارة إلى مستشفى الأطفال في بنغازي للاطلاع على أوضاع الأطفال المصابين، ولم يسجل عليه أن اجتمع بأهالي الضحايا أو واساهم، وكأن المصيبة التي لحقت بأربعمائة وثلاثين طفلا ليبيا لا تستحق أي اهتمام، كما لم يحظى الأطفال بالرعاية الطبية الفورية التي يتطلبها مرض خبيث كهذا، وإنما قوبل الأمر يالتسويف ومحاولات التعتيم والتكتم..
 
لقد كان أهالي الأطفال يتوقعون من "دولتهم" أن تقف إلى جوارهم وتساعدهم في رفع سقف مطالبهم حتى يمكنهم الحصول على علاج ورعاية طبية لأطفالهم، وعلى تعويضات عادلة، وكانوا يتوقعون المناورة من خصمهم في المفاوضات، لكنهم واجهوا المناورات من القذافي وأعوانه المقربين، وواجهوا الضغوط والتهديدات ممن جاءوا بدعوى أنهم جاءوا للمساعدة وتحت مظلة "مؤسسة خيرية" لم يجن منها شعبنا إلا تبديد أموال ليبيا في دفع الملايين فداء لمواطني دول غربية.
 
في مقال سابق طرحنا عدة أسئلة:
 
هل يعرف القذافي إلى أين يقود هذه القضية ؟ ...
ومن الذي سيكون عليه في النهاية دفع التعويضات ؟ ...
هل ستدفع تعويضات مناسبة إلى أهالي الأطفال ؟ ...
أم أن تعويضات مبالغ فيها ستتسلمها الممرضات البلغاريات وتدفعها خزانة ليبيا ؟ ...
 
وقلنا في معرض حديثنا حول هذه الأسئلة بأن سير القضية بهذه الطريقة التي اختارها لها القذافي، والحديث الذي يجري عنها الآن في الأوساط الدولية، وبما نسمعه من تصريحات تدل بكل وضوح على أن الممرضات سيطلق سراحهن دون أية تسوية مقبولة من أهالي الأطفال، الذين ربما سيرغمون على تسوية بخسة. بعد إطلاق سراح الممرضات سيقمن -بمساعدة بلغاريا وبمؤازرة الاتحاد الأوروبي- برفع قضية طلبا للتعويض عما أصابهن.
 
واليوم وبعد أن أسدل الستار عن فصل قد لا يكون الأخير في هذه القضية، فإن ما كنا نخشاه قد تحقق وبصورة بشعة للغاية. فقد كانت التسوية في الواقع صفقة تتضح أبعادها في ردود الفعل التي تمت على إثر تنفيذها مباشرة:
 
فلم تكد الطائرة المقلة للممرضات تقلع وتغادر الأجواء الليبية حتى بادر الرئيس البلغاري بتأكيد سيادة بلغاريا، وأصدر عفوا رئاسيا يخلي الممرضات من أي التزام بتنفيذ عقوبة السجن المؤبد التي أصدرها مجلس القضاء الأعلى كبديل لحكم الإعدام. لم ينتظر حتى تحط الطائرة في صوفيا. لم تكن التسوية تعني قضاء الممرضات للحكم الصادر بحقهن في بلغاريا، كما كان يشاع في أوساط مؤسسة سيف، وإنما هو بمثابة إعطاء بلغاريا الحق في أن تفعل ما تشاء.
 
رد الفعل الثاني تمثل في إنكار الرئيس الفرنسي والحكومة البلغارية والأوساط الأوروبية عموما لأن تكون قد قامت بدفع أي شيء لقاء هذه التسوية. بمعنى أن التعويضات –على قلتها- لم تدفع من قبل أي طرف أوروبي. هذا يناقض تماما ما قاله "عبد الرحمن شلقم" من أن الأوروبيين قد غطوا المبلغ بالكامل. فمن نصدق؟ هل نصدق الرئيس الفرنسي الذي بدا واثقا مما يقول، أم شلقم الذي كان الكذب واضحا من تعلثمه؟ فمن الذي دفع المبلغ؟ هل دفع مباشرة من الخزانة الليبية؟ أم دفع من الخزانة الليبية من خلال طرف آخر؟ وهل هذا هو دور قطر الذي نوه به الرئيس الفرنسي؟ هل كان الأمر يحتاج إلى كل هذه المناورات ؟
 
فيما قالت أوساط مؤسسة سيف بأن الاتفاق يشمل علاج الأطفال المصابين في أوروبا وعلى نفقة الأوروبيين، لم يرد في تصريحات الأوروبيين ما يدل على ذلك، كل ما قاله الرئيس الفرنسي هو استعداد بلاده للمساهمة في تطوير وتجهيز مستشفى بنغازي، ولم يقل على نفقة من.
 
الثمن الحقيقي للصفقة -في رأينا- يتمثل في إسراع الرئيس الأمريكي بالإعلان عن تعيين سفير في طرابلس، وفي إعلان الاتحاد الأوروبي عن العزم على تطبيع علاقاته مع حكم القذافي، ويتمثل أيضا في التعاون النووي الموعود من فرنسا. كل هذا هوفي مصلحة حكم القذافي، كما هو في مصلحة الأطراف الأخرى، وكل هذا ثمنه الحقيقي مزيدا من أموال ليبيا، ومزيدا من معاناة شعبها.
 
السؤال الملح، هل استلمت كل العائلات مبلغ مليون دولار لكل منها، أم أن الأمر سيكون عرضة للتسويف والمماطلة ؟ هل سيشرع في معالجة أطفالنا المصابين، أم أن الأمر سيتطلب جولات أخرى من المناورات والتسويف ؟
 
هل هذا هو نهاية علاقة الممرضات بليبيا أم ان هناك فصل جديد يبدأ ربما من المؤتمر الصحفي الذي سيعقدنه اليوم في صوفيا؟ وربما يبدأ في وقت لاحق.
 
مهما يكن من أمر محنة الممرضات والطبيب الفلسطيني وعلاقتهم بليبيا، إلا أن محنة أطفال بنغازي وذويهم مستمرة، وعلاقتهم بليبيا علاقة أبدية، فهي وطنهم الذي يحكم الآن من قيل عصابة لا ترعى فيهم إلا ولا ذمة.
 
فلكم الله يا أطفال بنغازي .. لكم الله .. ونعم بالله.
 

  لكم الله يا أطفال بنغازي (1)

  لكم الله يا أطفال بنغازي (2)

  لكم الله يا أطفال بنغازي (3)
 
 

أرشيف الكـاتب


ارسل تعليقك على هذا المقال

 

 

تعليقات القراء:

 

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com