22/07/2007
 

ارفعوا الهامات ولاتحقروا من المعروف شيئا ...
 
بقلم: مرسل الكسيبي*

 
ان انخراط مثقفي تونس ومثقفاتها في عريضة الوقوف مع القيادي الطلابي عبد الكريم الهاروني القابع منذ مايزيد عن عقد ونصف وراء قضبان انحراف الدولة عن مسارها الطبيعي بعد أن قرنت التنمية الاقتصادية بالتصحر الثقافي والسياسي فجعلت مصادرة الحرية مصيرا جائرا للالاف من التونسيين والتونسيات, ان هذا الانخراط عبر الامضاء وقول كلمة لا للجور والظلم بقطع النظر عن اللون والانتماء هو بداية الانتصار على الصمت والهزيمة الذان لن يكونا قدر تونس والتونسيين الذان شقا طريق الحضارة منذ ممالك ودول عظيمة وامبراطوريات ...
 
هذه بداية الانتصار والنجاح, ولترفع هامتك أيها التونسي ولترفعي هامتك أيتها التونسية ولنعلم أن ارادة المنفي والسجين السياسي أقوى من ارادة الساديين الأمنيين والسياسيين !
 
مرسل الكسيبي* صحف عربية وشبكات اخبارية:
 
حالة احباط عام يعيشها المناضلون العرب في أكثر من قطر وزاوية نتيجة تنازع بين تيارين بارزين يشكلان الأعصاب السياسية والثقافية لكثير من دول المنطقة:
 
- تيار عربي واسلامي جماهيري واسع يجمع بين المحافظة والتجديد والتطلع الى أنسنة الدولة والحد من شموليتها.
 
- وتيار نخبوي يصف نفسه بالحداثوية ويمعن في الخصومة مع أنصار المحافظة ويصفهم بالرجعية والظلامية برغم ماعرفه تيار "المحافظة الديمقراطية" عربيا واسلاميا من تحديث وتطوير على أكثر من صعيد.
 
المشهد العربي والاسلامي يبدو في بعض أطرافه عميق الشروخ الفكرية والسياسية, وهو مانلحظه في بعض الأقطار التي ابتليت بحقبة من الاستعمار الفرنسي, حيث حرصت فرنسا أثناء حقبتها الامبراطورية على ارساء نموذج ثقافي وفكري أقرب مايكون الى القطيعة مع ماضي المنطقة وجذورها الدينية والحضارية الأكثر رسوخا في السلوك الفردي والاجتماعي, وهو ماترتب عنه لاحقا افرازات سياسية أعادت صياغة جغرافية المنطقة على أرضية نخبوية معزولة عن تطلعات الجماهير وطموحاتها تجاه محوري الانتماء الديني والهوية.
 
الأمر بدى أقل خطورة اجتماعية وثقافية في المناطق التي عرفت تشكلا استعماريا أنغلوسكسونيا, حيث حافظت البلدان العربية والاسلامية الخاضعة للاستعمار البريطاني على أقدار واسعة من الاستقلال الفكري والثقافي في مقابل ضمان تدفق سلس ومستمر للمصالح الاقتصادية والعسكرية, وهو مابدى واضحا في الاستراتيجية الكولونيالية للمنطقة من خلال تواصل تدفق امدادات النفط ومن خلال اضعاف النواة الصلبة للشرق العربي والاسلامي عبر دعم متواصل ومنحاز للدولة العبرية, وبالمقابل لم تتدخل الامبراطورية التي لم تغب عنها الشمس فيما مضى في المربع الديني والثقافي والاجتماعي لبلاد الشام والمنطقة الخليجية ...
 
ومع انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وفي ظل حماقات سياسية كبرى ارتكبها نظام البعث العراقي عبر تورطه في حروب متتالية منذ نهاية السبعينات, وفي ظل هزيمة عربية داخلية نتيجة عمق الجراح اللبناني والفلسطيني على أرضية الخصومة الطائفية والخصومة المذكاة خارجيا ورسميا من قبل أنظمة سياسية متمعشة من صناعة الحروب والنزاعات...
 
في ظل هذه الأوضاع كانت الفرصة سانحة لبعض القوى الدولية من أجل اعادة رسم خرائظ المنطقة وتشكيلها سياسيا, وهو ماأفرز استفرادا بأنظمة الخليج العربي واستهدافا لها ولمصالحها, بالتوازي مع ماتعرفه بلاد الشام من ضغوطات واكراهات سياسية وعسكرية غير مسبوقة نتيجة فقدان التوازنات السابقة التي عرفتها المنطقة في ظل استراتيجية الاحتواء المزدوج.
 
وكنتيجة عملية لافرازات هذه الحقبة سياسيا وعسكريا, برزت على الساحة الدولية جماعات العنف الاسلاموي كردة فعل عنيفة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في قضايا فلسطين والعراق وأفغانستان, ولعل الأمر بدى أكثر خطورة حين تشكلت هذه الجماعات بطريقة دموية استهدفت كل منجزات التحديث والاعمار في البلدان العربية والاسلامية, وهو ماجعل هذه الجماعات تنتقل تدريجيا من طور الخصومة الخارجية الى طور الخصومة الداخلية المستهدفة لأمن واستقرار واستقلال شعوبها وبلدانها من خلال توسيع دائرة الدم والخصوم والأهداف ...
 
دخول هذه الجماعات في طور من الارهاب القاتل عبر خطف الطائرات واستهداف عواصم غربية وعربية واسلامية في أهدافها المدنية والسياسية ساهم في تعقيد المشهد العالمي وتداخل القرار السياسي والعسكري بين عواصم الشرق والغرب, وهو ماألقى بظلاله بشكل خطير على أجندة الاصلاح السياسي والانفتاح في أكثر من حاضرة عالمثالثية, ولاسيما في مناطق البداوة الديمقراطية ومثلث الأمية الكتابية ومناطق تراجع أمة "اقرأ" الحضارية.
 
المشهد السياسي العالمي بات أمام تراجع فظيع في الرصيد الديمقراطي الانساني, وهو مانلحظه على مستوى سن التشريعات الاستثنائية المناوئة للحريات والمكبلة للتراث العالمي في مجال حقوق الانسان والقانون الانساني الدولي.
 
مايهمنا معشر العرب والمسلمين أمام خطورة هذا التراجع في المشهد الديمقراطي الدولي, هو الحفاظ على أرصدة التوسط والاعتدال وعلى أقدار عالية من الانتصار للقضايا الانسانية العادلة في مختلف أنحاء العالم.
 
رصيدنا من السلمية والصبر والمرابطة والايجابية والتقدمية في التفكير والحضارية في التخطيط المستقبلي هي مسائل جوهرية ومبدئية لاينبغي تعريضها للزوال أمام تراجع المنطقة العربية والاسلامية في مربعات التغيير الهادئ والاصلاح.
 
طموحنا الى مكان عادل تحت أنوار الشمس ينبغي ألا تهزه ظروف دولية صعبة أو تحالفات اقليمية هشة, أو خيارات سياسية رسمية أملتها ضغوطات واكراهات دولية قاهرة ...
 
قضايا الحريات واحترام حقوق الانسان والتداول السلمي على السلطة وترسيخ مكاسب الحرية وتجذير مربعات النضال المدني في وجه الدولة الكليانية, مسائل استراتيجية ينبغي أن تبرهن فيها جماعات حقوق الانسان وأحزاب المعارضة وهياكل المجتمع المدني عن صدقية عالية ومصابرة غير طبيعية في مواجهة السمسرة والتحالفات الظرفية المناوئة لكرامة الانسان وحقه في المواطنة الكاملة بين أهله وذويه وفوق ترابه الوطني.
 
لاينبغي للنخب وعلى مستوى العالم عموما والمنطقة خصوصا أن تتراجع في مطالبتها بالحرية وفي تجذير قيمتها الانسانية والعالمية برغم استشكال الظرف الدولي وتداخل المربعات فيه وقصر أنفاس كثير من المناضلين الذين باتوا يبحثون عن النجاة الفردية أمام هول ماأصاب عالمنا من اختلال قيمي وانساني.
 
وبالمناسبة فان النخبة التونسية اليوم أمام تراجع فعلي في الأداء نتيجة ماأصابها من خيبات أمل متكررة في مفاصل رئيسة من تاريخها الحديث, غير أن هذا لايبرر اطلاقا ترك الساحة فارغة لقوى التسلط أو قوى الاحباط أو قوى التدمير الذاتي والجماعي من خلال تعميم مسلك الانتقام كخيار رسمي أو معارض تتبناه العناصر الضائقة بالسلمية في التغيير أمام خطورة بعض المظالم التي تتعرض لها بلاد عربية واسلامية ...
 
العودة الى التنسيق الواسع بين المظلومين والمهمشين والمحرومين والمنبوذين والمضطهدين سياسيا وعلى أرضية المقاومة المدنية السلمية الثابتة وغير المتزحزحة هو جوهر الدواء في مقاومة الداء الذي يريد أن يقنعنا بأن التنمية تستقيم باشباع البطون مع الدوس على الكرامة والحرية ...!
 
الاعمار والمكاسب التنموية وتحقيق الرفاه لابد أن يكون هدفا اسلاميا وعربيا وتونسيا جماعيا تتمتع به كل شرائح وأطياف المجتمع بعيدا عن الحيف والظلم الذي يمارس تارة غفلة وفي كثير من الأحيان عن قصدية ذات دوافع دينية وايديولوجية وسياسية اقصائية ...
 
الواجب الوطني والديني والانساني يحتم علينا النجاح في امتحان المقاومة السلمية والمدنية التي نجح فيها غاندي يوم أن امن بحق الهند في تقرير المصير وفي تمتع شعبها بثروتها الوطنية بعيدا عن أشكال القهر والظلم الاستعماريين وهو ماجعل خلفاءه من بعده ينجحون في بناء أكبر ديمقراطية شعبية على مستوى العالم ...
 
التحدي اليوم في الايمان بقيمة كل أشكال الاحتجاج السلمي والمدني ابتداء من الحملة الاعلامية والعريضة ومرورا بالتظاهر بطريقة حضارية في مدننا وقرانا وشوارعنا وصولا الى الانخراط الايجابي في الأحزاب والجمعيات والنقابات من أجل تقوية المجتمع المدني في مواجهة انحرافات أي سلطة جنحت للتضخم والاستبداد.
 
خلاصة القول فلنرفع الهامات ولايحقرن أحدنا من المعروف شيئا ولنعلم أن معركة الاصلاح وأنسنة الدولة هي معركتنا العادلة في زمن الرداءة العربية وتراجع القيم الانسانية على الصعد العالمية, ولنكن في الأخير على يقين بالله رب العالمين في عدالة قضايا ان تأخرت أجلا فانها لن تضيع ايمانا وعملا وتحقيقا وقدرا.
 
أخيرا ان انخراط مثقفي تونس ومثقفاتها في عريضة الوقوف مع القيادي الطلابي عبد الكريم الهاروني القابع منذ مايزيد عن عقد ونصف وراء قضبان انحراف الدولة عن مسارها الطبيعي بعد أن قرنت التنمية الاقتصادية بالتصحر الثقافي والسياسي فجعلت مصادرة الحرية مصيرا جائرا للالاف من التونسيين والتونسيات , ان هذا الانخراط عبر الامضاء وقول كلمة لا للجور والظلم بقطع النظر عن اللون والانتماء هو بداية الانتصار على الصمت والهزيمة الذان لن يكونا قدر تونس والتونسيين الذان شقا طريق الحضارة منذ ممالك ودول عظيمة وامبراطوريات ...
 
هذه بداية الانتصار والنجاح , ولترفع هامتك أيها التونسي ولترفعي هامتك أيتها التونسية ولنعلم أن ارادة المنفي والسجين السياسي أقوى من ارادة الساديين الأمنيين والسياسيين !
 
للامضاء على عريضة المطالبة باخلاء السجون التونسية من معتقلي الرأي انقر هنا
 
حرر بتاريخ 20 يوليو 2007
 

* لمراسلة الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية يرجى المكاتبة اليكترونيا على العنوان الاتي:

 reporteur2005@yahoo.de     http://www.tunisalwasat.info

 


ارسل تعليقك على هذا المقال

 

تعليقات القراء:

 

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com