12/07/2006


     


 

الجلاّسـة (3 والأخيرة)

 
ويمكننا أن نستخلص من هذا المثال منظومة الاختبارات التي تتضمنها أو يمكن أن تتضمنها الجلاّسة، فمنذ اللحظة الأولى وقبل أن يلتقي الطرفان تختبر الفتاة الفتي بعدم خروجها لاستقباله، وكان قبوله بمثل هذا التصرف كفيل بأن يخرجه من دائرة احترامها، أولاً: تهاونه أو تنازله عن حقه في أن يستقبل الاستقبال اللائق، وثانياً: لما يبدو من جهله بقواعد الجلاّسة، ومن ثم كان برحيله الغاضب يسجل أول نقطة لصالحه في هذه المباراة، وقد استقبلت الفتاة رد فعله بابتسامة لا نراها غامضة بل هي واضحة الدلالة على إدراكها لقدر هذا الفتى الذي وزنته بتصرفها السابق.
 
ولما كان غضب الفتى في جوهره غضباً إجرائياً كجزء من المباراة، فهو يدرك أنه كان يمر بمرحلة من مراحل الاختبار، وأن تصرفه سيتولد عنه رد فعل إيجابي من قبل الفتاة، فقد عاد في اليوم التالي، ولو تكرر منها فعل الأمس نفسه لأسقطها من حسابه تماماً. وتجيء المرحلة التالية من مراحل الاختبار وهي تنطوي في صيغتها على جانبين، أولهما: اختبار طاقته الانفعالية وسعة صدره وجلده (سلامك تمكن وعظامك ارتكن) ولنتأمل دقة بناء هذه العبارة التي انقسمت إلي جزئين متساويين متصادمين، فهي ترد تحيته علي نحو غير مباشر ولكن من خلال صياغة خاصة تتجاوز حدود الرد الآلي علي التحية، ولكن ما أسرع ما تعطف علي الجزء المطمئن جزءً نقيضاً، وهي بهذا الجزء تكاد تسحب من تحته المساحة من عالمها التي أدخلته إليها، أو هي علي الأقل توقفه عند حد لا ينبغي له أن يتجاوزه، ولكنها تاكيدًا تمهد للجانب الثاني من هذه المرحلة وهو سؤال الشعر، والذي لابد أن تتضمنه الجلاسة، وهي قبل أن تلقي في وجهه بطلبها تشير إلي أنها تعرف أنه مضطرب من هذا المطلب، وهي كذلك تريد أن تزرع فيه هذا الاضطراب لتصعب من مهمته الصعبة أصلاً. أما الطلب فهو طلب مركب: وفرة في الكم والكيف معاً، ستون أغنية، وهذا كثير للغاية، وفي موضوع واحد، وهذا أمر معجز، وفوق ذلك فإنها تريد أغنيات كلها تثير البكاء. ومن الواضح أنها لا تريد بهذه المواصفات إلا إثارة المزيد من الاضطراب لديه، فليست الغاية هي العدد أو اختبار المحضول الكمي، وإنما الغاية هي اختبار فهمه لجوهر الطلب وامتحان قدرته علي التصرف، بحيث تكون الاستجابة للمضمون المباشر فشلاً ذريعاً من طريقين، أولاهما: استحالة الاستمرار في هذه الاستجابة وتحقيق المضمون المباشر (العدد)، وثانيتهما: الكشف عن عدم إدراك المستوي الغير مباشر للمضمون، وعن الانقطاع عن التراث الثقافي في آن واحد، فالاتصال الحميم بهذا التراث سيجعله مدركاً استحالة التوفر علي هذا العدد المطلوب -في الظاهر- والطرف المختبر يدرك هذه الحقيقة، فإما كان الطرف المقابل (المختبر) مدركاً لها أو كان منقطعاً عن تراث جماعتهما، ومن ثم فإنه يمضي في تذكر بعض الغناوي  ثم يتوقف حتماً، وسيكون الجزاء في هذه الحالة مزدوجاً، إذ سيعاني جهد الوقوف علي قدميه -لنلاحظ أن السؤال كان فور نزوله عن فرسه وأن هذه المرحلة تتم خارج الخيمة حتماً فالدلالات والرموز المكانية والزمانية والنفسية في كل مرحلة من مراحل الجلاّسة مترابطة- وفوق ذلك فإنها سوف تكتشف قلة إدراكه، ولن يجديه هنا أن يترك لها رهينة ويمضي ليجوب النجوع جامعاً لستين غناوة ، حيث يعاني جانباً ثالثاً من جوانب الجزاء، أن عدم البدء في عد الغناوي  المطلوبة سيكون هو الأفضل لأنه يوحي للفتاة بأنه أدرك جوهر السؤال وأنه سيمضي باحثاً عن إجابة، نعني أن الصمت هنا يعكس درجة أكبر من الذكاء والأدراك ، ويتيح له فرصة اللجوء إلى الإطار التراثي الذي سيصحح له الموقف ويزوده بالإجابة. ويمكننا أن نرتب ثلاثة مستويات للإحتمالات:
 
أولاً: شخص ستقوده قلة إدراكه إلى الوقوف عند ظاهر السؤال، منخدعاً بالرقم الوارد فيه وهذا الشخص لا فرصة له. ثانياً: شخص سيلتفت إلى جوهر السؤال مستعينا بالإطار التراثي ولكنه لا يعرف الإجابة، وهذا الشخص ستكون له فرصة مؤجلة.
 
ثانبا: شخص سيلتفت إلى جوهر السؤال مستعيناً بالإطار، وهو يعرف الإجابة بحكم سعة اتصاله بهذا الإطار وهذا الشخص ستكون له فرصة اجتياز هذه المرحلة على نحو عاجل.
 
ولما كان الشخص موضوع هذا المثال من هذا النوع الثالث، فإنه يمضي لمرحلة جديدة تقترب به من نهاية طقس العبور، فهو مدعو إلى الدخول إلى البيت ولكن من باب ملغز، فعبارة الدعوة تتضمن أيضاً مستويين للإختبار أولهما: أختبار إدراكه للغز. وعدم إدراكه له -أي وقوفه عند الحد الإشاري للألفاظ- سيضعه أمام المستحيل ذاته إذ كيف سيترك رأسه ورجليه خارج البيت ثم يدخل. وثانيهما: اختبار معرفته بالقواعد والعادات -الإطار الثقافي عموماً- فهذه المعرفة تظهره على أن الزائر يخلع نعليه قبل الجلوس على الفراش، كما تظهره على أن الجلوس بدون غطاء الرأس يعني التقارب وانتقاء الكلفة أو الزوايا بين الجلساء. إن هذا الجانب الأخير يعني أن هذا الرمز في ذاته يتضمن الجزاء، إذ سيجلس صاحب الإدراك السليم لمعني الرمز مع هذه الفتاة عاري الرأس على سجيته.
 
أما وقد دخل الفتى إلى البيت ومن ثم إلى مرحلة جديدة في الطقس، فإن الأمر ينتقل إلى نوع من الاختبار يعتمد على الفعل والقول معاً، وهذا الاختبار يتضمن المستويين المتواترين نفسيهما في غالبية المراحل السابقة (إدراك الرمز) والاتصالات بالإطار الثقافي (فقد طلبت منه أن يقسم لحم الجدي وفق ما تحدده له وقد يبدو هذا اختبارا لخبرته العملية المباشرة ولكن الأمر أبعد من ذلك، فهي قد كلفت آخرين بالذبح والسلخ والتقطيع إشارة منها إلى أنه من الممكن أن يستعين بآخرين في هذا الشأن ولكن التقسيم شيء آخر إذ لابد أن يعرف الرجل -والفتى هنا في طقس عبور إلى مرحلة الرجولة والاستقلال- كيف يقسم الذبيحة على ضيوفه وهو أمر شديد الأهمية عرفياً والخطأ فيه يقتضي المحاسبة، وهذا الجانب لخصه وضع الأرجل مع القلب، أما بقية الأجزاء -ومعها الأرجل والقلب أيضاً- فهي مستخدمة هنا للاختبار الرمزي الذي يخرج بالمفردة المادية إلي ما يمكن أن تمثله من دلالات رمزية تجريدية، حيث تستمد القيم رموزها من المفردات المادية المتعينة في الإطار البيئي كشواهد تشخيصية.
 
ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن الممارسة انتهت بعلاقه الرأس بالعروق، دلالة علي أن المبتغي أو الأجدر بأن يبتغي هو العقل وليس المظهر الخارجي، فرجاحة هذا العقل مرهون بها سلامة الكيان كله، فضلاً عما يمكن أن يكون متضمناً في هذا الرمز من فكرة تتصل بالمفهوم الخارجي بالتركيب الأسري والقبلي وضرورة توقير التراتب السني وحسن الاختيار والاضطلاع بالمسؤلية (عيب القبيله من الرأس) كل هذا وارد ومقبول. ولكننا نرجّح الدلالة الأولي مضيفين إليها أن الفتاة تشير إلي أن الرجل هو رأس البيت، فإذا استقام وصلح انعكس ذلك في البقيه المتصلة به، فكأن الممارسة حيث تنتهي هذه الدلالة تحرص علي أن تقف عند نقطة أساسية تشير في وجه منها إلي وظيفة الجلاّّسة وهي اكتشاف العقل، وتشير في وجهها الآخر إلي أن الفتاه قد قبلته زوجا لها وقبلت به رأسا لها وللأسره التي ستنشأ (إنني من اليوم ملك يمينك).
 
ولعله يجوز لنا أن نلاحظ علي بناء هذا النص أنه يتخذ طبيعه دائرية حيث بدأ بفعل يقابله فعل فقول ، مروراً بقول يقابله قول، ثم قول يقابله فعل، وانتهاء بفعل يقابله فعل فقول. وسواء اتخذت الوقائع هذا النسق أم اقتصر ذلك علي صياغة حكاية هذه الوقائع فإن هذه الحقيقة تظل باقية وباعثة علي التأمل.
 
مع تحياتي الباحث احمد الحوتي
 

 
المراجع:
 
[1] صلاح الدين محمد جبريل (تجريدة حبيب) مكتبة قورينا للنشر - بنغازي، الطبعة الأولى 1974
 
[2] د. صلاح الراوي (الشعر البدوي في مصر) منشورات الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2000
 
[3] عبد السلام ابراهيم قادربوه (أغنيات من بلادي) دراسة في الأغنية الشعبية - منشورات الكتاب والتوزيع، الطبعة الثانية 1977
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com