عندما قرر
الرئيس الاميركى جورج بوش ، وحليفه الرئيس تونى بلير رئيس
الحكومة البريطانية خوض الحرب ضد العراق عام 2003 بحجة خطر
اسلحة الدمار الشامل ، اكتشف العالم فى مدة قصيرة ان الحجة
كانت كاذبة ، وان قرار الحرب كان لأهداف اخرى ، وحينها
برزت اصوات كثيرة فى الغرب ذاته تدين السياسة الامريكية
البريطانية ، ثم وقعت حرب العراق ، وتوالت الأزمات فى عراق
ما بعد صدام ، واتضح فشل سياسة بوش /بلير. والآن مرة اخرى
تتعرى سياسات وقرارات الحرب ضد لبنان تحت مبررات مكافحة
الارهاب وحزب الله ، وهي حرب يقصد بها فرض واقع جديد
اطلقوا عليه اسم ( الشرق الأوسط الجديد ) وتبدو مقدمات فشل
هذه السياسة واضحة ، والحرب التى تقودها واشنطن وتنفذها تل
ابيب هي من الحروب الفاشلة ، لأنها نتيجة لسياسة
واستراتيجية فاشلة .
الإدارة
الامريكية تتخبط فى سياساتها الخارجية وخاصة ازاء منطقة
العالم العربى وما حوله ، فخلال سنوات قليلة قرأنا عن (
الشرق الأوسط الكبير ) والآن بدأنا نسمع ونقرأ عن ( الشرق
الأوسط الجديد ) فكيف يمكن ان يصدق العالم بجدية
استراتيجية ادارة لدولة عظمى بمثل هذا الطرح وما ينطوى
عليه من تناقضات ، ظاهرها الدعوة الى الديمقراطية وحقوق
الانسان وباطنها بل وجوهرها المزيد من الحروب والتفتيت ،
وخلق اسباب النزاعات والصراعات الداخلية تحت شعار ( الفوضى
الخلاقة ) وليس فيها من خلق الا خلق مزيد من الحروب والهدم
وتفشى الفساد وضياع الثروات .
الادارة
الاميركية تحاول ان تسوق افكارها الخاصة بمشروع لاعادة
بناء الشرق الاوسط منذ حربها الاولى ضد العراق فى عهد
الرئيس بوش الأب والآن يكرر بوش الابن المشروع ذاته ،
وتحاول وزيرة خارجيته كوندليزا رايس ان تطرحه على اشلاء
القتلى فى العراق وفلسطين ولبنان وغيرهم . هم يعتقدون ان
ما تم فعله فى المانيا واليابان بعد الحرب العالمية
الثانية ، وما تم فعله فى اوربا الشرقية بعد تفكيك الاتحاد
السوفيتى وسقوط جدار برلين يمكن ان يعاد فعله فى العالم
العربى وما جاوره او ما يسمونه هم ( الشرق الأوسط ) هم
يعتقدون بان الحروب هي المقدمة للتغيير الثقافى طبقا لما
يتصورون وما يريدون . لكن واقع الأمر ، وما يجرى على الارض
يختلف تماما عما يرغبون ، فالواقع يقول ان هناك شواهد على
مقدمات ميلاد عالم عربي جديد ، وميلاد حركة ثقافية سياسية
جديدة تقودها الحركات والأحزاب الاسلامية بخطاب جديد فيه
الاعتدال وفيه التاكيد على مصالح الشعوب . وهذا الخطاب
الاسلامي الجديد هو الذى يقود معركة التغيير فى مصر
والمغرب والجزائر وفلسطين والعراق والسودان ولبنان ، وله
امتداده فى كل بلد عربي . اليست التيارات الاسلامية هي
التى تقاتل ضد الاحتلال فى العراق ، وفى فلسطين ، وفى
لبنان ، بصورة اقوى ؟
ان السياسات
الغربية بتجاهلها لحق شعوب المنطقة فى ان تعيش فى بلدانها
آمنة ومستفيدة من كل خيراتها ، وبتجاهلها لحق الشعب
الفلسطينى ، وبمساندتها للنظم الاستبدادية العربية ، دفعت
كل القوى الحية الى اتخاذ مواقف مضادة ان لم تكن معادية
لتلك السياسات الغربية الاستعمارية المتجبرة ، وتلك
السياسات العربية المتماهية مع الغرب ، ان الظلم الغربى
والاسرائيلى هو الذى جعل شرائح من تلك القوى تختار طرق
الاستشهاد للانتقام او للدفاع عما تعتقد انه حقا من حقوقها
المشروعة . اذن العالم اليوم يشهد قوة عربية اسلامية
متنامية، وهذه القوة تستمد وجودها من عقيدتها وتاريخها
وتراثها ولا يمكن لأي قوة ان تغير تلك الحقائق العقدية
الثقافية بالحروب والقنابل الحارقة ، وتهديم البيوت
والجسور .الوطن العربي اليوم يسكنه اكثر من ثلاثمائة مليون
، اغلبهم من الشباب ، وفيه ثروات هائلة ، وفيه وعي يتنامى
بسرعة شديدة ، وهو نمو ايجابي ومضاد لأي ظلم او غطرسة من
اية قوة خارجية . فطال الوقت او قصر لابد ان يغير الغرب
الامريكى / الاوربى من سياساته وتعامله مع شعوب الوطن
العربى من الرباط الى مسقط اذا اراد السلام والامن .
ومن يتابع اراء
النخب الغربية ومنها النخب البريطانية يلاحظ وجود اصوات
كثيرة موضوعية تدين السياسات الامريكية والبريطانية ازاء
مايجرى فى العراق وفلسطين ولبنان وغيرهم . فى بريطانيا
مثلا وقع اثنان واربعون من ابرز الدبلوماسيين والعلماء
والأدباء والموسيقيين والمثقفين والعاملين فى مجال حقوق
الانسان بيانا طالبوا فيه بوقف اطلاق النارفى لبنان ،
ونشرته صحيفة الاندبندنت على صفحتها الاولى بتاريخ 28/7 /
2006 وذلك عشية لقاء بوش بلير فى واشنطن لبحث ازمة الحرب
ضد لبنان . ثم بعدها جاء موقف جاك سترو وزير الخارجية
البريطاني السابق الذى دان اسرائيل لما الحقته هجماتها
العسكرية من خسائر بشرية ومادية فى لبنان تجاوزت ردود
الفعل المناسبة . كل هذه الحروب تاتى مصاحبة لعناوين مكررة
تتحدث عن شرق اوسط كبير او جديد ... انه الفشل الذريع لتلك
السياسات .
نعم سيولد شرق
اوسط جديد ، او عالم عربى جديد ، ولكنه لن يولد فى مختبر
اميركي او صهيوني ، بل سيولد ولادة طبيعية ومن رحم شعوبه
الحبالى بالمفاجآت ، ومن لبنان ارض الحضارة والابداع
والتنوع كانت بعض تلك المفاجآت. فقد اصبح لبنان اكثر توحدا
، واشد صلابة واستعدادا للتضحية ، وايقض كل المشاعر
الايجابية المكبوتة ، وتفاعلت القوى والتيارات السياسية
الشعبية مع جراحه وآلامه وآماله ، وبقيت الأنظمة العربية
المتخاذلة معزولة مكشوفة الضعف ، وكل هذه التفاعلات مؤشرات
على تطورات ايجابية من اهمها وعي الشعوب العربية وقدرتها
على فرز انظمتها ومكمن ضعفها ، كما فرز نخبها وتياراتها ،
ومن هو الأجدر باعادة بناء الأنظمة العربية لتصبح قادرة
على تجسيد ارادة وحقوق شعوبها فى حياة حرة عزيزة كريمة .ان
فشل السياسة الامريكية / البريطانية سيؤدى حتما الى اتساع
القاعدة الشعبية لدعاة الاستقلال والتنمية الحقيقية فى
العالم العربى ، وسيولد المجتمع القوي ، والنظام العربي
القوي ولو بعد حين من الدهر .
|
libyaalmostakbal@yahoo.com