30/07/2006


      


 
مرة اخرى يفشل بوش وبلير سياسيا

محمود محمد الناكوع


 
 
عندما قرر الرئيس الاميركى جورج بوش ، وحليفه الرئيس تونى بلير رئيس الحكومة البريطانية خوض الحرب ضد العراق عام 2003 بحجة خطر اسلحة الدمار الشامل ، اكتشف العالم فى مدة قصيرة ان الحجة كانت كاذبة ، وان قرار الحرب كان لأهداف اخرى ، وحينها برزت اصوات كثيرة فى الغرب ذاته تدين السياسة الامريكية البريطانية ، ثم وقعت حرب العراق ، وتوالت الأزمات فى عراق ما بعد صدام ، واتضح فشل سياسة بوش /بلير. والآن مرة اخرى تتعرى سياسات وقرارات الحرب ضد لبنان تحت مبررات مكافحة الارهاب وحزب الله ، وهي حرب يقصد بها فرض واقع جديد اطلقوا عليه اسم ( الشرق الأوسط الجديد ) وتبدو مقدمات فشل هذه السياسة واضحة ، والحرب التى تقودها واشنطن وتنفذها تل ابيب هي من الحروب الفاشلة ، لأنها نتيجة لسياسة واستراتيجية فاشلة .
 
الإدارة الامريكية تتخبط فى سياساتها الخارجية وخاصة ازاء منطقة العالم العربى وما حوله ، فخلال سنوات قليلة قرأنا عن ( الشرق الأوسط الكبير ) والآن بدأنا نسمع ونقرأ عن ( الشرق الأوسط الجديد ) فكيف يمكن ان يصدق العالم بجدية استراتيجية ادارة لدولة عظمى بمثل هذا الطرح وما ينطوى عليه من تناقضات ، ظاهرها الدعوة الى الديمقراطية وحقوق الانسان وباطنها بل وجوهرها المزيد من الحروب والتفتيت ، وخلق اسباب النزاعات والصراعات الداخلية تحت شعار ( الفوضى الخلاقة ) وليس فيها من خلق الا خلق مزيد من الحروب والهدم وتفشى الفساد وضياع الثروات .
 
الادارة الاميركية تحاول ان تسوق افكارها الخاصة بمشروع لاعادة بناء الشرق الاوسط منذ حربها الاولى ضد العراق فى عهد الرئيس بوش الأب والآن يكرر بوش الابن المشروع ذاته ، وتحاول وزيرة خارجيته كوندليزا رايس ان تطرحه على اشلاء القتلى فى العراق وفلسطين ولبنان وغيرهم . هم يعتقدون ان ما تم فعله فى المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية ، وما تم فعله فى اوربا الشرقية بعد تفكيك الاتحاد السوفيتى وسقوط جدار برلين يمكن ان يعاد فعله فى العالم العربى وما جاوره او ما يسمونه هم ( الشرق الأوسط ) هم يعتقدون بان الحروب هي المقدمة للتغيير الثقافى طبقا لما يتصورون وما يريدون . لكن واقع الأمر ، وما يجرى على الارض يختلف تماما عما يرغبون ، فالواقع يقول ان هناك شواهد على مقدمات ميلاد عالم عربي جديد ، وميلاد حركة ثقافية سياسية جديدة تقودها الحركات والأحزاب الاسلامية بخطاب جديد فيه الاعتدال وفيه التاكيد على مصالح الشعوب . وهذا الخطاب الاسلامي الجديد هو الذى يقود معركة التغيير فى مصر والمغرب والجزائر وفلسطين والعراق والسودان ولبنان ، وله امتداده فى كل بلد عربي . اليست التيارات الاسلامية هي التى تقاتل ضد الاحتلال فى العراق ، وفى فلسطين ، وفى لبنان ، بصورة اقوى ؟
 
ان السياسات الغربية بتجاهلها لحق شعوب المنطقة فى ان تعيش فى بلدانها آمنة ومستفيدة من كل خيراتها ، وبتجاهلها لحق الشعب الفلسطينى ، وبمساندتها للنظم الاستبدادية العربية ، دفعت كل القوى الحية الى اتخاذ مواقف مضادة ان لم تكن معادية لتلك السياسات الغربية الاستعمارية المتجبرة ، وتلك السياسات العربية المتماهية مع الغرب ، ان الظلم الغربى والاسرائيلى هو الذى جعل شرائح من تلك القوى تختار طرق الاستشهاد للانتقام او للدفاع عما تعتقد انه حقا من حقوقها المشروعة . اذن العالم اليوم يشهد قوة عربية اسلامية متنامية، وهذه القوة تستمد وجودها من عقيدتها وتاريخها وتراثها ولا يمكن لأي قوة ان تغير تلك الحقائق العقدية الثقافية بالحروب والقنابل الحارقة ، وتهديم البيوت والجسور .الوطن العربي اليوم يسكنه اكثر من ثلاثمائة مليون ، اغلبهم من الشباب ، وفيه ثروات هائلة ، وفيه وعي يتنامى بسرعة شديدة ، وهو نمو ايجابي ومضاد لأي ظلم او غطرسة من اية قوة خارجية . فطال الوقت او قصر لابد ان يغير الغرب الامريكى / الاوربى من سياساته وتعامله مع شعوب الوطن العربى من الرباط الى مسقط اذا اراد السلام والامن .
 
ومن يتابع اراء النخب الغربية ومنها النخب البريطانية يلاحظ وجود اصوات كثيرة موضوعية تدين السياسات الامريكية والبريطانية ازاء مايجرى فى العراق وفلسطين ولبنان وغيرهم . فى بريطانيا مثلا وقع اثنان واربعون من ابرز الدبلوماسيين والعلماء والأدباء والموسيقيين والمثقفين والعاملين فى مجال حقوق الانسان بيانا طالبوا فيه بوقف اطلاق النارفى لبنان ، ونشرته صحيفة الاندبندنت على صفحتها الاولى بتاريخ 28/7 / 2006 وذلك عشية لقاء بوش بلير فى واشنطن لبحث ازمة الحرب ضد لبنان . ثم بعدها جاء موقف جاك سترو وزير الخارجية البريطاني السابق الذى دان اسرائيل لما الحقته هجماتها العسكرية من خسائر بشرية ومادية فى لبنان تجاوزت ردود الفعل المناسبة . كل هذه الحروب تاتى مصاحبة لعناوين مكررة تتحدث عن شرق اوسط كبير او جديد ... انه الفشل الذريع لتلك السياسات .
 
نعم سيولد شرق اوسط جديد ، او عالم عربى جديد ، ولكنه لن يولد فى مختبر اميركي او صهيوني ، بل سيولد ولادة طبيعية ومن رحم شعوبه الحبالى بالمفاجآت ، ومن لبنان ارض الحضارة والابداع والتنوع كانت بعض تلك المفاجآت. فقد اصبح لبنان اكثر توحدا ، واشد صلابة واستعدادا للتضحية ، وايقض كل المشاعر الايجابية المكبوتة ، وتفاعلت القوى والتيارات السياسية الشعبية مع جراحه وآلامه وآماله ، وبقيت الأنظمة العربية المتخاذلة معزولة مكشوفة الضعف ، وكل هذه التفاعلات مؤشرات على تطورات ايجابية من اهمها وعي الشعوب العربية وقدرتها على فرز انظمتها ومكمن ضعفها ، كما فرز نخبها وتياراتها ، ومن هو الأجدر باعادة بناء الأنظمة العربية لتصبح قادرة على تجسيد ارادة وحقوق شعوبها فى حياة حرة عزيزة كريمة .ان فشل السياسة الامريكية / البريطانية سيؤدى حتما الى اتساع القاعدة الشعبية لدعاة الاستقلال والتنمية الحقيقية فى العالم العربى ، وسيولد المجتمع القوي ، والنظام العربي القوي ولو بعد حين من الدهر .
 
 

أرشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com