19/07/2006


     


 

 يا معمّر..ألآن كلّنا مجانين!*

 

أوسكار تيرنير - (الأوبزيرفير) البريطانيّة - 16 يوليو 2006

 

ترجمة: مخضرم

 

((يظهر شخوص رواية هشام مطر الليبي المولد في روايته الرّائعة –وهي إصداره الأوّل- رجالا متحجّرين صارمين مروّعين. وبالنسبة لسليمان ذي التاسعة من العمر،هم مضطربون،ولكنّهم ذوو حضور فعّال: يداه تمتدّان في الفراغات الضبابيّة التي فُرض عليه أن يستسلم لها. بيد أن سليمان شبّ في ليبيا عام 1970 وقوّة أضخم حتى من العمالقة الجالوتيين(1) كمعمّر القذّافي :"الواهب" "القائد" تلوح خلال سجوف الظلام. الإضطهاد يرافقنا منذ الصفحة الإفتتاحيّة،متشكّلا في صيهود الصيف القاسي،الذي يفزع الناس والنمل منه باحثين عن مخبأ ظليل.. وليس لأيّام سليمان شكل أو هيئة،المدرسة معدومة،وهو يقضي وقته في اللعب على سقف منزل والديه أو في شوارع الضاحية المكتظّة.

 

بابا – والد سليمان – يختفي في رحلات تجاريّة متنوّعة. ماما تزيّن نفسها إستعدادا لعودة بابا،ولكنها تقع في نكد غريب كلّما غاب : القهقهة العالية،التدخين بلا انقطاع ونسيان غلق مفتاح الغاز.. وهي تحصل على الدواء لحساب خبّاز الحي.. وقد كان ذلك السرّ الصغير لها ولسليمان. وعندما بلغت ماما سنّ الرابعة عشر،كانت تتجسّس خلسة وتتسكّع مع الأولاد في مقهى إيطالي . لقد جرى حجزها في حجرة مغلقة لمدّة شهر كامل،وأُجبرت على الزواج.. أصبح سليمان وثيق الإرتباط بالمعصية والرغبة العارمة المنبثقين من هذا الواقع. لقد كان بابا "الرجل العِقاب لها" وسليمان "الولد الذي ختم على مصيرها".

 

وهكذا صار هذا العالم الملغّز موسوما بأكثر حدّة. كانت هناك لقاءات غريبة مفعمة بكلمات الإنشقاق السياسي بين الرّشد والهمس.. يموضع سليمان والده وهو يعبر الشارع،بينما يفترض أنه في خارج البلاد. يتلفّع بابا بالأطياف،وسليمان يرتعب في الكتمان.. يتحوّل مزيد من الرجال إلى توجيه الأسئلة العدائيّة وهم يتدفقون على المنزل ويفتّشونه. يُشحَن الأستاذ راشد ،صديق والد سليمان،ثم يختفي بابا أيضا. وبعد إختفاء والده،يشاهد سليمان الأستاذ راشد وهو تحت التحقيق على شاشة التليفزيون،وفي آخر المطاف يظهر راشد في الشاشة وهو يصعد مسرعا سلّما وضع في ملعب كرة السلّة ليتدحرج منه مشنوقا.. وما أن يتحوّل المشهد إلى الفظاعة المرعبة،حتى تمتليء الشاشة بمناظر الورود،ويُعزف النشيد الوطني ... لقد شاع أن القذّافي يتحكّم في هذه الفقرات من البرامج من خلال مفتاح يملكه في غرفته.

 

ترك المشهد المسرحي سليمان بشعور دائم من: "الإرتعاب الهاديء وكأن البساط سيُسحب من تحت قدميّ في أيّة لحظة". وعندما كان طفلا،عجز عن التعامل مع الرّعب،ملتصقا برفاقه في اللعب (ومع الرجّل الشحّاذ في الحيّ) في نوع من الصاديّة المربكة. وكشاب بلغ سنّ الرشد منفيّ في مصر،كان غير منتمي خالي الوفاض.."لقد قيل لنا الوطنيّة خيط رفيع" . لكن مصر لم تحلّ مكان ليبيا في الوجدان. وبالنسبة للرجال،حاز سليمان تفهّما قليلا لأساليبهم: "إنها علامة على الجنون. أعرف كيف أزعم معرفة ما يدور في فؤاد إنسان آخر".

 

وفي وقت كان رؤساء غربيّون يتملّقون القذّافي تقرّبا وزلفة،وجب تذكيرهم بوحشيّة عهده.. (في بلاد الرجال) رواية سياسيّة شديدة التأثير،واستثارة ناعمة للصراعات البشريّة الكونيّة – إنها تتعلّق بالهويّة،المغفرة،الحبّ. ويجري طبعها في ثلاث عشرة لغة،وبغضّ النظر عن حجمها المتوسّط،فقد استغرقت كتابتها عدّة سنوات. إنها تستحقّ أكثر من إنتظارها..))

 

 

* ما يزال هشام جاب الله مطر وروايته (في بلاد الرجال) حديث أعلى الأوساط الأدبيّة العالميّة للأسبوع الثاني على التوالي،وهذا العرض النقدي في إحدى كبريات الصحف العالميّة،كتب ببلاغة أدبيّة يحسن فهم مراميها من قرأ الرواية. على أن (هشام) تحدّث حديثا مطوّلا للصحيفة اللندنيّة الرئيسيّة الأخرى (الإندبندنت) ونُشر أيضا يوم 16 يوليو الجاري. وقد روى فيه محنة ليبيا ومآسيها تحت نير الإستبداد القذّافي البشع،من خلال قصّة عائلته وسيرة حياته،وانعكاساتها في الرواية.والحديث يقع في حوالي خمس عشرة صفحة. نأمل أن ترعانا العناية الإلهيّة للقيام بواجب ترجمته لأبناء شعبنا،بعد أن اطلّع عليه الرأي العام العالمي من خلال أقوى مصادره.

 

(1) نسبة إلى جليات العملاق المتحدّي في تاريخ فلسطين القديم الذي صرعه النبيّ داوود
 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com