|
 |
27/07/2006
|

|
"كلّ ما أريده معرفة
مصير والدي"! (2من 2)*
هشام مطر
"للإنديبيندنت"اللندنيّة - 16 يوليو 2006
ترجمة مخضرم
|
"أمنيتي أن أكون رجلا سعيدا..في النهاية
كأب عمّر حتى الشيخوخة في منزل له ملكه إلاّ أن
الموت المجهول والصمت .. كانا مصيره"
هوميروس في
"ألأوديسّه"
((وبعد عام من الوصول إلى القاهرة،وكان
عمري 10 سنوات وزياد 14،أخذ ثلاثتنا نعلّق الزينات،وفي غرفة الطعام نكتب الرسائل
بحروف ضخمة على بطاقات ملوّنة منقوشبها عبارات: "مرحبا بك يا بابا العزيز؛ لقد
اشتقنا إليك؛ نحن نحبّك". وقطعنا صورا لقلوب صغيرة وورود وفراشات وألصقناهاعلى
باب الشقّة،وأمضينا طوال اليوم ننظّف الغرف. لقد وُفّق الوالد أخيرا في الهروب
وهو في طريقه إلينا. وعند وصولنا إلى مطار القاهرة لاستقباله،كان المكان
مزدحما.عائلات بأكملها كانت هناك لاستقبال العائدين من الأقارب. وأذكر أنني
اندفعت من خلال غابة من ألأرجل،مضطربا من أنني قد لا أستطيع التعرّف على والدي.
وكنت الأوّل الذي رآه. لمدّة ما يقارب من 12 شهرا قضيناها منفصلين،بدا شعره
رماديا ووجهه أكبر سنّا. كان يرتدي بدلة غامقة ومعطفا جلديّا أسود يمتدّ مهيبا
إلى رُسغ القدم. كان متبوعا بحاملي حقائب يدفعان حاويتين سوداويين. ففي طريقه من
ليبيا توجّه والدي رأسا إلى روما،حيث سحب مالا من حسابه المصرفي واشترى كلّ لوازم
الحياة الجديدة: أواعي فخّاريّة ملاءات فراش وسائد من أفضل ما وجده،محاولا أن
يجعل من هذه الحياة الجديدة مليئة بالأمل. وعندما انضمّ إلينا الوالد علمنا منه
أن منزلنا في طرابلس جرى نهبه من قبل "رئيس جهاز الأمن الداخلي"،وبذلك أدركت أننا
لن نعود إلى ليبيا. وصارت أشواقي للأشياء التي تركتها خلفي عنيفة،وقبل رحيلنا
بفترة قصيرة قمت بإصلاح عطل في الدوّاسة اليسرى لدرّاجتي،والآن يمتطيها أحد أبناء
رئيس جهاز الأمن الداخلي..وتصوّرت لو أنني غفلت تماما عن الحاجة لإصلاح العطل.
لقد فكّرت في عناقيد العنب التي تتدلّى على سور حديقتنا الخلفي وكيف كنت اقتطفها
مع أخي وأمّي الأبديّة وأبناء عمّي،وكيف كنّا نكدّسها في سلل خشبيّة ونمرّ بها
ونعطيها للجيران. وأتصوّر العناقيد الآن وقد تيبّست على أغصانها. لقد اشتقت إلى
أبناء عمّي والفتاة التي وقعت في حبّها يائسا. كنت أُكدّس أحجارا تحت نافذة
حمّامها لكي أستطيع رؤيتها وهي تستحمّ. كانت ليبيا وجعا دائما لي،وعذّبت أسرتي
بتوسّلي لإرجاعي إليها.
في القاهرة شرع والدي في ممارسة عمله
السياسي بشكل جدّي: يكتب ضدّ النظام الليبي ويكتّل فصائل المقاومة الليبيّة في
المنفى من أجل ألإطاحة بهذا النظام،وهو طريق حاولنا جميعا أن نثنيه عنه. والآن
فهو ووالدتي،لكونهما يحبّان الحياة الإجتماعيّة في السنوات الأولى في المنفى،أخذا
يعيشان حياة هادئة،يتمشيّان طويلا في الصباح،يقرآن في هدأة الظهيرة،يتناولان
الطعام لوحدهما. وغادرنا،زياد وأنا،القاهرة للدراسة في الجامعة بلندن. وفي أحد
الأيّام تغيّر كلّ شيء.. كانت أمّي تجهّز مائدة ألأكل حين جاءها الخادم ليقول لها
إن شخصا في الأسفل يريد التحدّث مع الوالد،وذهب والدي إلى باب المنزل،ولم يرجع.
وأثناء السنتين الأولوين أكّد لنا البوليس السرّي المصري أنه لديهم في
القاهرة،وأن إطلاق سراحه يتحقّق فقط إذا لزمنا الصمت :"إذا ما أثرتم ضجّة فلن
نضمن أيّ شيء"! وصدّقناهم وواصلنا الرحلة اليوميّة إلى المقرّ – عبارة عن مجموعة
من الفيلاّت المربّعة تحت ظلال أشجار ألأيوكاليبتوس في أحد أحياء القاهرة
السكنيّة.
كنّا معظم الوقت نرى سيّارة تصل إلى
المجمّع ويجلس في المقعد الخلفي رجل عصبيّ المظهر . وانتظرنا في الحجرات مع
عائلات أخرى. وكانت والدتي تجلس دائما بيني وبين زياد،وكأنها دون أن نحيط
بها،سيتسرّب إليها الشكّ. كلّ يوم كان يقال لنا نفس الشيء من نفس الرجل البدين
الجالس خلف مكتب عريض،بجثّته الضخمة يغوص مضطجعا في مقعد وثير،وسجّادة الصلاة
معروضة على المسند الخلفي. قال لنا : "إنه بخير . عليكم بالصبر. هذا لمصلحته. لقد
تجاوز الحدّ،ذهب بعيدا. ليبيا جارة لنا.!" لقد بقينا في حالة التقلقل لمدّة ثلاث
سنوات إلى أن جاءنا في صباح أحد الأيّام خطاب بخطّ يد والدي الرشيق،هُرّب من داخل
سجن (أبو سليم) سيّيء السمعة،وسلّمه لنا بيد مرتعشة صديق شاب لوالدي بعد أن عبر
به الحدود. وعندما دخل شقّتنا توجّه إلى منظومة الموسيقى ورفع من درجة الصّوت.
لقد عانق الوالدة وهمس في أذنها،كان بيده شيء أبيض اللون ،لقد ظننت أنه منديل
ورق،وضغط به في راحة يدها،ولكنه لم يغادر. إنهمر كلاهما بالبكاء.. كانت الورقة
مطويّة عدّة مرّات . كانت تروي تفاصيل لا يتطرّق إليها الشكّ عمّا حدث له منذ
إختفائه. لقد أُخذ والدي من شقته في القاهرة من قبل ضبّاط في جهاز البوليس السرّي
المصري الذي سلّمه لجهاز الإستخبارات اللّيبي،وفي نفس اليوم اعتقل عزّات يوسف
المقريف،وهو معارض ليبي آخر كان يعيش في القاهرة. حُشر كلاهما في سيّارة نوافذها
مغطّاة بأوراق صحف صفراء. وبعد برهة أخذت السيّارة طريقا ملساء وبدأ يسمع أصواتا
آدميّة كانت تزداد ارتفاعا كلّما أسرعت السيّارة. ثمّ توقّفت،وعندما فُتح الباب
رأى والدي أنه تحت بطن ضخم لطائرة. وبعد ثلاث ساعات كان في طرابلس. بعد عدّة سنين
قابلت رجلا كان يعمل في مهبط مطار طرابلس. لقد شاهد الرجلين يهبطان من الطائرة
وهما معصوبي الأعين مقيديّ الأيدي،وسمع والدي – وقد وصف شعره الرّمادي الكثّ
وملابسه- يردّد عدّة مرّات: "حسبي الله ونعم الوكيل"!.
منذ ذلك اليوم كنت أتخيّل أن كلّ دقّة
على الباب هي من أبي. ولكن الوسيلة الوحيدة التي كان يزورني بها دون إشعار،هي
الأحلام. كنت أحلم به مرارا. باديا أحيانا في هيئة شاب؛وأخرى يظهر مُثخنا بالجراح
نتيجة التعذيب في السجن. وفي الآونة الأخيرة كانت زيارته حيّة لدرجة جعلتني أغالب
للتخلّص منها.. لقد كان رجلا مسنّا،في العمر الذي يجب أن يكون عليه الآن،قليل
الكلام كمن تعوّد على العُزلة،نال عادات جديدة،وسلوكا جديدا في الحديث،يضيف
عبارة: "تعرف؟" في آخر كلّ جملة.. طباعه شابتها طباع رفاقه،ولذلك شعرت بالغيرة في
أحلامي. لقد تحدّث باختصار،مهذّبا،بأسلوب يمكن أن يستعمله مسافر في القطار بغرض
تمضية الوقت.. وعندما وضعت يدي على كتفه،لاذ بالصمت. كنت أستيقظ وأبذل محاولات
غير مجدية لاستعادة الحلم.
أشعر مرّات كثيرة أنني سجين معه. 16
عاما مرّت حتى الآن،دون أن تجري محاكمة لوالدي ،ولم يُسمح لعائلته بمعرفة مكان
وجوده. لم أتسلّم منه رسالة منذ 11 عاما. وبدلا من ذلك أصبحت حبيس خيارين : إذا
ما تحدّثت عنه،قد أجازف بسلامته،وإذا لزمت الصمت كنت متواطئا في الجريمة التي
اقترفها ضدّه معتقلوه؟! في مارس 2006 نظّمت مجموعة من المعارضين الليبيين مؤتمرا
دوليّا على الهواء لإحياء ذكرى 16 عاما على اختطاف والدي وعزّات المقريف. كانت
والدتي وزياد وأنا مرتبكين. عبر السنين كثير من فصائل المعارضة تسعى كي يخدم
والدي قضيّتها. وقد وافقنا على المشاركة. جلس ثلاثتنا أمام (حاسوب)
الوالدة،وأسرعنا محاولين استخدام البرنامج المؤدّي للإشتراك في المؤتمر. كان
المؤتمر مفتوحا وحضره 350 مشتركا. كان هناك من يدير النقاش،وبضعة من المتحدثين
الرئيسيين من الذين،إما عرفوا الوالد أو سمعوا عنه. ثم فتح المنبر للتعليق،فجاء
صوت خافت لم أكن في البدء متأكّدا أن صاحبه أجشّ أو أنه يهمس عمدا. قال إنه لم
يقابل مطلقا "السيد حاب الله مطر"،ولكنه يريد من كلّ واحد أن يعرف "أن تضحيته لن
تُنسى". ثم أخذ صوته يخفت كأنه يهمس همسا،قال :"أعذروني على هذه الرسالة
القصيرة،لأنني أتكلّم من الداخل،من مقهى إنترنيت،أستودعكم الله". وقرّر زياد أن
يتحدّث. أخذت يده ترتعش عندما بدأ في كتابة ما سيقوله. وأحضرت الوالدة الرسائل.
ووقعت عيناه على أقوى العبارات إثارة في رسالة الوالد الأولى. تحدّث زياد عن حقّ
الفرد في أن يعيش بحريّة وكرامة،ثمّ قرأ الفقرة التي اعتذر فيها الوالد عمّا يكون
قد أصبح فيه وضعنا،غير أنه إذا توجّب عليه أن يعيد ما فعله،فلن يغيّر شيئا من
موقفه.. وفي هذه الرسالة الأولى – وهي من إثنتين فقط –وكانت مؤرّخة في 1992
وتسلّمناها عام 1993 تمكّن الوالد أن يهرّب أيضا تسجيلا صوتيّا له. لقد كانت
المرّة الأولى في ثلاث سنوات منذ إختطافه،والأخيرة التي سمعنا فيها صوته. وأنا
أحتفظ بنسخة في درج مكتبي،ولكنني أتجنّب الإستماع إليه.. وفي مرّات أُصاب بحالة
ضعف وإستمع إليه. وفي العموم استطعت أن إستمع إليه خمس مرّات في فترة السنوات 13
الأخيرة. ومن بين الأشياء التي سجّلها بصوت هامس:"تمرّ أحيانا سنة كاملة دون أن
أرى الشمس أو يُسمح لي بالخروج من الزنزانة". وبعد سنتين من تجربته الأولى في
الزنزانة،تحسّنت أوضاع سجنه. وقد وصف الزنزانة الجديدة التي شاركه فيها عزّات
المقريف بقوله:"كانت 6 متر في 6 متر،وفي إحدى الزوايا كانت هناك دورة مياه.
والبقيّة فاضية،وهي طبعا مصمّمة لتسع ما بين ستة إلى ثمانية أشخاص،ورغم ذلك يضعون
فيها أكثر من ذلك،حتى يصل العدد إلى 18 شخصا. ولأنهم كانوا لا يريدون أن يعرف أحد
عنّا أو يختلط بنا،لذا تمتّعنا بالعيش فيها وحدنا،وهو طبعا ترف يحسدنا عليه
الكثيرون. لقد كانت صندوقا من الإسمنت المسلّح به باب معدني لا يتسرّب منه
الهواء،مع ثلاث نوافذ مرتفعة لمسافة 3.5 مترا. أمّا عن الأثاث فهو من عصر لويس
السّادس عشر" قالها بابتسامة تهكّميّة كانت مميّزة في صوته،وهي أيضا تورية منه
فهو كان دائما يفضّل الأثاث الإيطالي العصري. "حشيات فراش قديمة ممزّقة مزروعة
بالحشرات،وأغطية من صنع محلّي من أردأ الأنواع. والعالم هنا خالي.."
في عام 1996 ارتّكبت مذبحة في سجن (أبو
سليم)،ففيما بين غروب يوم 28 يوليو 1996 وفجر اليوم الذي يليه،أردت السلطات
الليبيّة أكثر من 1300 سجينا سياسيّا قتيلا رميا بالرّصاص. ولم تتسرّب أنباء عن
المذبحة حتى عام 2002. وآخر رسالة من والدي أُرسلت من ليبيا عام 1995 ..
لقد نسجتُ أخيلة عن العدالة ولكن ليس
عن الإنتقام إطلاقا – لم أحلم مطلقا بأن أتعامل تجاه القذّافي بالطريقة التي
تعامل بها تجاه الكثير من الليبيين. الطغاة أمثال القذّافي يستطيعون سرقة
الممتلكات،أن يسجنوا النّاس،أن يعذّبوا أن يقتلوا،ولكن يجب ألاّ يُسمح لهم بنزع
الإنسانيّة منّا. والمعركة الحقيقيّة الدائرة هنا هي أن يتماسك الإنسان أمام
انقضاض التاريخ.. كيف يبقى الإنسان متحرّرا من أن يصبح رمزا أو ضحيّة؟ كيف نبقى
جميعا متحرّرين من الكراهيّة،ورغم ذلك أوفياء للذاكرة؟ الحياة تحاول أن تعلّمنا
عن الفقد: وهي أن المرء ما زال يستطيع العثور على السلام في نهاية الموت. ورغم
ذلك،ففقدي أو خسارتي لا تعطيني السلام. إن والدي ليس مسجونا،وأيضا هو ليس حرّا؛هو
ليس ميّتا،وأيضا ليس حيّا. إن فقدي يتجدّد،إنه ملحّ وغير كامل. لقد قيل لي دائما
عليّ أن أتوقّع فقدان والدي. كثير من المعارضين السيلسيين الليبيين جرى اغتيالهم
أو إختطافهم. ولكنّي الآن أعلم أنه ليس بقدرتي إدراك الخطر الذي يوجد فيه.. فلو
كانت لدي هذه القدرة لكنت آزرته بكلّ ما عندي،أو لحاولت بكلّ قوّة حثّه على عدم
الخوض في المعارضة السياسيّة،ربّما.. والندم هو أفظع رفيق للذين بقي منّا في
المؤخّرة. لقد حاولت أن أحثّه على ترك النشاط السياسي،لأنني أحببت والدي أكثر
ممّا أحببت بلادي،أو بمعنى آخر: لقد تعلّمت آنئذ أن أعيش بدون بلادي،ولكن ليس
بدون والدي..وعندما أُخذ والدي أصبح العالم خاليا . فللسنتين الأولاوين،صارت
سفينتنا ضائعة،ثم استعدنا قدرتنا على الإحتمال وتعلّمنا أن السرعة التي يستأنف
الإنسان العيش بها ليست مؤشّرا على عمق أحزانه..
لقد ترك والدي ثلاثة أفراد. الآن
أصبحنا تسعة: أخي وأنا متزوّجان،وزياد لديه أربعة أطفال. وقد أطلق هو وصهرتي إسم
جاب الله على إبنهم الأوّل. وعندما أتمّ جاب الله الثالثة من العمر،صدف أن كنت
معه في السيّارة بمفردنا في إنتظار وصول الآخرين،فقطع حبل الصمت وسألني: "عمّي!
أين جدّي؟". ومازلت حتى الآن عاجزا عن إجابته على السؤال. وما أريد معرفته هو
ماذا جرى لوالدي،فإذا كان مازال حيّا،فإنني أرغب في الحديث إليه ورؤيته. وإذا ما
كان ميّتا،إذن أريد أن أعرف كيف،وأين حدث. أريد تاريخا محدّدا،وتفصيلات وموقع
جثّته..))
(إنتهت)
ترجمة : مخضرم
الحلقة
الأولى
|
libyaalmostakbal@yahoo.com