|
|
01/07/2006 |
لم تكن مسيرتنا الاعلامية والوطنية مزينة الدرب بالياسمين والفل أوأعطر الورود والرياحين,بل كانت مسيرة مرة دفعنا ثمنها ضريبة غالية لازالت تصاحبنا مرارة في حياتنا العامة والخاصة ,ولكن عزاءنا بين تشكيك المشككين وتخذيل المخذلين وجحود الجاحدين وحسد الحاسدين هو أن ثمة ربا جل في علاه لايتر أعمال العاملين واخلاص المثابرين ومكابدات الصابرين ,الذين نرجو من الله تعالى أن نكون على خطاهم مهما كان الثمن والتضحيات. لم نخرج ولله الفضل والمنة في ذلك الى الفضاء الاعلامي الرحب منذ سنة أو سنتين بل تواجدنا عبر هذا الفضاء منذ بدايات التسعينات عندما غابت عن الساحة العالمية ثورة الفضائيات والانترنيت...ولكن محدودية النشر وخضوع قواعده للعبة العلاقات العامة دفعنا الى اتخاذ قرار النزول الى الساحة العنكبوتية بمنابرنا الاعلامية الخاصة والمفتوحة على التيار الوطني والعربي والاسلامي والانساني الواسع من أجل اخراج الحوار الفكري والسياسي والثقافي من اطاره الحزبي والجمعياتي الضيق الى اطاره الوطني والانساني الرحب,ومع مرور الأيام اكتشفنا ضرورة الفصل بين متطلبات العمل الحزبي الداخلي ومتطلبات العمل الاعلامي الحر والمستقل,حيث أنه لا مجال للجمع بين الدعاية الحزبية والاخبار الموضوعي عن مستجدات البئة والمجتمع ومايحيط بهما من مخاطر سياسية داخلية أو خارجية ومن ثم تسليط الأضواء على بؤر التوتر والنزاع كما مكامن الانجاز الانساني بعيدا عن الأحكام المسبقة والحسابات السياسوية التي يمليها منطق مبايعة الأحزاب والايديولوجيات المغلقة ,ولقد انحزنا بلاشك الى منطق مقتضيات الاعلام النزيه والموضوعي بعيدا عن الدعاية للزعامات والقادة وسدنة المعابد الرسمية أو غير الرسمية...ومن هناك كان يراودنا الاحساس من خلال أدلة عملية ووقائع نؤجلها رواية للزمن المناسب بمشيئة الله أن البعض ممن شاطرناه النضال السياسي على مدار حقبة الثمانينات والتسعينات وربما بداية الألفية الثالثة لم يكن مرتاحا لاستقلالية نشدنا من ورائها ايصال أصوات المظلومين والمقموعين والمهمشين والفرقاء السياسيين بعيدا عن قناعاتنا الشخصية والحزبية انذاك,ليحاول التدخل في مرحلة ما من أجل الحد من سياسات النشر والتوزيع مبديا انزعاجه وقلقه البالغ من نشر رؤى بعض أبرز الفعاليات السياسية والحقوقية المخالفة لقناعاته السياسية والحزبية والتي توجهت بالنقد الى أداء سياسي حزبي لم يكن قطعا محل اجماع خصوصا بعد خيبة بداية التسعينات ومرارة ترتبت عن نمط للتعاطي السياسي المباشر مع خصوصيات وضع قطري كان في حاجة كبيرة الى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء مغريات وضع اقليمي لم يجلب في نمط مغالبته على التونسيين والتونسيات الا مجتمعا سياسيا مغلقا وفضاء عاما لم يسبق له مثيل في تاريخ تونس من حيث مصادرة الحريات. ليس الوقت سانحا في هذا السياق من أجل مزيد من البسط والتوسع وأقدر أن الأمر جد كاف في هذه المرحلة من خلال هذه الاشارات,ولكن هذا لايعفي أصلا السلطة اطلاقا وقطعا من مسؤوليتها تجاه مالات الوضع العام بالبلاد,غير أنني أعود للقول بأن بعض اخوان الأمس وعلى خلفية استقلال ماأردته من خيارات اعلامية حرة بات يمارس نوعا من الدهلزة السياسية التي بت أضيق بها ذرعا أمام محاولة التنكر والجحود بالمنجز الحقوقي والاعلامي الذي أزعج السلطة كثيرا واستفادت منه المعارضة الى حدود بعيدة تشهد بها تجربة تونس ألفين وتونس الملاحظ وتونس اليوم و...
وقبل
أن يخرج قراري باعتزال الفضاء الحزبي الذي ناضلت فيه سابقا بناء على ماذكرت سلفا
الى العلن ,حاولت على مدار سنة كاملة الدخول في مرحلة تأمل ذهني وصفاء نفسي بعيدا
عن مساحات الاحتكاك,وفي كل مرة كنت أجتهد قصارى مافي وسعي من أجل البقاء على خط
الوفاء الى نضالات الشرفاء الأحرار وهو ماقررته ومازلت مثابرا عليه وهو ماأسأل
الله تعالى التثبيت عليه حتى ساعة اللقاء...غير أن الجرح الذي أصابني من اخوان
النضال الحزبي في مسيرتي الاعلامية كان كبيرا الى الحد الذي لم يستطع معه
الاندمال ,ثم جاءت محطة الحوار حول مسار المصالحة الوطنية التي كانت ظروفها أكثر
واقعية قبل حوالي سنة ونصف الى الوراء في ظل تحولات اقليمية متسارعة باتجاه
المصالحات الداخلية وضغوطات دولية كبيرة من أجل لحاق تونس بركب الاصلاح ,فكانت
الخيبة خيبتان ,خيبة من السلطة التي تنادت الى اجهاض الحلم الوطني بالمصالحة
والاصلاح وخيبة من الفضاء الحزبي الذي شاركته مسيرة المنفى والأشواك وفقدان الأهل
وتراب الوطن ونسيمه الحر بعد أن تحركت الأقلام المستعارة من أجل ممارسة عملية
تصفوية هدفت الى الاغتيال المعنوي ثم الى اسقاط رصيد سياسي ملأته بأضخم التضحيات
والعذابات في عقدين عرفت فيهما من الفواجع والمصائب مالايعلمه تفصيلا الا خالق
السماوات... هذه أنفاسي حرة أقدمها للأمة والوطن عبر هذا الفضاء الاعلامي الحر وغيره من الفضاءات ولن يخذلها باذن الله مخذل او مزايد ولن يوقفها تهديد أو وعيد من أصحاب البأساء والضراء ,وهاهو صوتي وقلبي ممدود لكل الغيورين على هذا الوطن وعلى أمنه وحرياته وفضائه الأخوي والديني والانساني العادل والرحب ,بعيدا عن ضيق الايديولوجيا التي لاترى الا بعين القداسة واخفاء أجزاء ومساحات معتبرة من الحقيقة كما بعيدا عن ضيق ديناصورات السياسة الذين يريدون ابتلاع كل الأصوات الحرة واخضاعها وتركيعها عبر التهام كل الفضاء... لن ننتظر شهادات التزكية من الولاءات وانما سنترك التزكية الحقيقية الى خالق السماوات والأرض,ولن نطلب التزكية من مصادر القوة والنفوذ وانما سنتركها حرة طليقة للبسطاء والفقراء والمساكين من الباحثين عن الحقيقة بين شفافية السطور وصدق الكلمات وحيوية الصور ومتانة العبر وأحيانا تدفق العبرات.
* نشر على صحيفة الوسط التونسية http://www.tunisalwasat.info بتاريخ 1 جويلية 2006
|