|
||||||
|
عند الباب ينتظر كل طفل أباه !
(( ... لأنني أحببت والدي أكثر ممّا أحببت بلادي ،أو بمعنى آخر: لقد تعلّمت آنئذ أن أعيش بدون بلادي ، ولكن ليس بدون والدي..وعندما أُخذ والدي أصبح العالم خاليا ً ... )) ! - هشام مطر للإنديبيندنت"اللندنيّة (*) -
حينما وصلت إلى هذه الفقرة من رواية ((هشام مطر)) لمأساة عائلته الكريمه وحديثه عن " الأخاديد " التي رسمتها الأحزان في أيامهم وفي قلوبهم ماعدت عندها أتمالك نفسي ولا قدرت أن أمنع عيني ونفسي عن البكاء ! .. فأنا (أب) لولد وأنا (إبن) لأب ثم أنا أنسان وأدرك مدى وعمق العلاقة الإنسانيه بين الإبن والأب أوبين الأب والإبن .. إنها والله علاقة عجيبه تقوم على المحبة الصادقه والخالصه ولم أعرف حقيقتها حتى أصبحت أبا ً يرى مظاهر هذا التعلق الإنساني العميق والعجيب في عيني ولده ! .
لقد سألت نفسي وأنا أقرأ مأساة (هشام) وعائلته الليبيه الأصيله ماذا لو كان إبني (نصر) مكانه وكنت أنا الآن في مكان أبيه !!؟؟ .. أية أحزان رهيبه ؟ .. وأية ليال ٍ كئيبه ؟ .. وأي قلق وجداني عظيم ستهاجم قلب ولدي هذا الصغير البرئ !؟ .. .. وكم سينتظرني وينتظر عودتي عند الباب !؟ .. وأي مأساة مؤلمه ستحيق بعائلتي ؟ .. وكيف سيكون حال إبني وحال زوجتي وحال أمي وأخوتي إذا كنت أنا في مكان السيد جاب الله مطر !!؟؟ .. كيف ستكون أيامهم ولياليهم ؟؟ .. وكيف ستمر عليهم الأيام ؟؟ .. وكيف سيكون رمضانهم وعيدهم !؟؟ .
أتصور حال إبني الذي يقوم كل صباح مبكرا ً لا لشئ إلا ليودعني قبل أن أغادر البيت ثم ينتظر قدومي كل يوم عند الباب على أحر من الجمر ليعانقني بحرارة عجيبه ويكأنه لم يرني منذ سنوات (!!!؟؟؟) وهو يصيح بفرح وصخب وبأعلى صوته : (أبي جاء ! .. أبي جاء !) كيف سيكون حال هذا الولد إذا غبت ُ أو غـُيبت يوما ً ما ؟؟ .. بل أنني أجزم بأن حالة (التغييب) و(المصير المجهول) التي آل إليها أمر المفقودين (جاب الله مطر) و(عزات المقريف) و(منصور الكيخيا) وغيرهم ممن إنقطعت أخبارهم وهم في قبضة النظام هي أكثر إيلاما ً وتعذيبا ً للقلوب من حالة الوفاة ؟ .. فلو قيل منذ البدايه لأولاد (جاب الله مطر) وزوجته وأفراد عائلته مثلا ً أنه قد مات لأمكن لنفوسهم أن تتقبل هذا الأمر – إلى حد ما – مع مرور الأيام فهذه سنة الله في خلقه فالناس بطبيعتهم يقابلون فاجعة خبر الموت - وللوهلة الأولى - بذهول وعدم تصديق وحزن عميق ثم شيئا ً فشيئا ً – ومع مرور السنين – تهدأ الأحزان في قلوبهم وينشغلون بهموم وأمال الحياة الدنيا وأحداث الحياة اليوميه إلا أن مصير كمصير (جاب الله مطر) و(عزات المقريف) و (منصور الكيخيا) بلاشك أنه أمر مختلف تماما ً عن حالة الموت فالمفقود الغائب هنا و في هذه الحالة ليس هناك مايؤكد موته ولا حياته (!!) أنه في قيد المجهول وهنا تكمن مأساة القلوب .. قلوب الأبناء والأباء والأشقاء والأصدقاء ! .. فأحيانا ً يلوح لهم أمل بوجهه الباسم يبشرهم ببقاء " الفقيد " على قيد الحياة وأنه سيعود إليهم في يوم من الأيام فتنشرح صدورهم ويداعب الأمل السعيد خلجات قلوبهم ويعدهم ويمنيهم بكل ماهو سعيد ثم فجأة تهب العاصفه وتلوح في الأفق غيوم الشائعات والشكوك والمخاوف السوداء وأسوء الإحتمالات فيأتي داعي اليأس والأحزان بوجهه الشاحب المخيف متلحفا ً بالسواد ومتلقفا ً في فمه بوق اليأس الرهيب ينفخ فيه بلحن حزين ومخيف وكئيب تكاد تنخلع لهوله القلوب !! .. وحتى في حالة الأمل ببقاء الفقيد على قيد الحياة فإن الأحزان والمخاوف لا تغادر ولا تنتهي ولا تتوقف فهو ليس غائبا ً كأي غائب ! .. ليس مجرد شخص غاب وإختفى لسبب ما وإنقطعت أخباره وأثاره وحسب كمن يرحل ضاربا ً في بلاد الله الواسعه وراء الرزق وطال غيابه وفقد ذووه أخباره وأثره ! .. بل إن هذا " الفقيد " الذي نتحدث عنه – وفي هذه الحاله بالذات - هو شخص قد تم إختطافه وتغييبه من قبل عصابة آثمه مجرمه لها تاريخ أسود ومعروف في التعذيب والإرهاب والقتل والإجرام !! .. إنها العصابة نفسها التي إختطفت اليوم الكاتب الليبي (ضيف الغزال الشهيبي) لا لشئ إلا لأنه تكلم عن الفساد وكتب مقالات معدوده عن المفسدين الكبار الذين يتلحفون عباءة الثوار !!؟؟ .. فإذا صار " الحبيب " الغائب مغيبا ً مع سبق إصرار وترصد وأصبح في قبضة عصابة كهذه العصابة التي خبرناها وعرفناها ذات التاريخ العريق في الإجرام والإرهاب والعدوان وإنتهاك حقوق الإنسان فإن المأساة في هذه الحاله - مأساة الأبناء والأباء والأشقاء والأصدقاء – لاشك أنها ستكون عظيمه وأليمه ومستمره لا تنتهي وماتلبث أن تهدأ حتى تثور في أعماق القلوب وتعود من جديد أكثر إلحاحا ً وإيلاما ً ! .. إنها لن تنتهي إلا إذا عرفوا " الحقيقه " كاملة أولا ً .. حقيقة ماجرى لفقيدهم الحبيب على وجه التحديد وماهو مصيره ؟ وأين قبره ؟ .. ومن المسؤول عن جريمة إختطافه وتعذيبه وتغييبه أو قتله ؟ .. ثم إنها لا تنتهي ولا يقر للقلوب قرار إلا إذا أخذت العدالة مجراها ثانيا ً وتمت معاقبة الجناة ! .. أو إلا إذا تم مصالحة أهل الضحية وإرضائهم بطلب الصفح منهم أولا ً وتعويضهم ماديا ً ومعنويا ً ثانيا ً بشكل يليق بحجم وقيمة الفقيد عندهم أو على الأقل بمايساوي التعويضات التي تم تقديمها لضحايا جريمة (لوكوربي) فليس الدم الليبي أقل قيمة وثمنا ًمن الدم الإمريكي أو الدم البريطاني !!.
ثم أعود لأسأل نفسي من جديد ماذا عن مئات العائلات الليبيه المنكوبه التي حطم (الأخ العقيد !) قلوبها وبيوتها وجعل حياتها جحيما ً لا يطاق من الأحزان المستمره والذكريات الأليمه !؟ .. وحولها إلى بيوت تسكنها الكآبة والغبن والوحشه والدموع ! .. وماذا عن ألوف الضحايا من الأفراد والأسر الذين غيب (الأخ العقيد !) أحبابهم أو أو علقهم على أعواد المشانق أو إغتالهم وذبحهم بدم بارد ؟
ماذا عن ألوف الأطفال الصغار الذين إعتقل أو قتل (الأخ العقيد !) أبائهم ؟؟ .. كيف هم ؟ وكيف تمر عليهم الأيام والسنون ؟ .. ماهو حالهم – ياترى - في كل عيد ؟؟!! .. إني – والله – أكاد أن ألمحهم هناك عند الباب - مثل طفلي " نصر " - ينتظرون عودة أبيهم الحنون بشوق كبير ليصيحوا حينما يفتح الباب بصخب عظيم وسرور حقيقي : ((بابا جاء .. بابا جاء)) ولكن – وللإسف الشديد – ويح قلبي - كم سينتظرون طويلا ً وطويلا ً عند ذاك الباب ! .. فأبوهم لن يعود !! .. لن يعود أبدا ً إلا يوم القيامه ! . . أبوهم الغالي الحبيب الذي قتله (الأخ القايد العقيد !) بدم بارد – بارد جدا ً - حينما كان هذا الأب الغالي معتقلا ً ضعيفا ً معزولا ً عن العالم الخارجي منهك القوى في معتقل (بو سليم) الرهيب ! (**) .
سليم نصر الرقعي (أبو نصر)
(*) "كلّ ما أريده معرفة مصير والدي"! هشام مطر "للإنديبيندنت"اللندنيّة (2من 2) - ترجمة مخضرم (**) أذكر هنا على سبيل المثال أصدقائي ورفاق طفولتي وجيراني من مدينة إجدابيا: (عبدالناصر حمد الزيداني) و(طاهر الشريف الغول المغربي) و(سالم الديب الشيخي) و(حسن عبدالحفيظ الفاخري) و(صالح السنيه المغربي) وهم كلهم أباء لأطفال صغار قتل ( الأخ العقيد ) أبائهم بالجملة وبدم بارد عام 1996 في مذبحة معتقل (بو سليم) الشهيره ! .
إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال |
||||||