يعتمد
النظام إعتماداً كاملاً علي أجهزته القمعية، بعد أن عزل نفسه تماماً عن الشعب
بممارساته القمعية واللاإنسانية، لإسكات أي صوت، يتجرأ بالشكوي عن الأوضاع
المأساوية التي يعيشها الشعب، والأسباب التي أدت اليها من مغامرات عسكرية
بقرارات فردية ورفض جميع المبادرات التي كان من الممكن أن تجنب البلاد الخسائر
المادية والبشرية والاقتصادية، وتبديد طاقات الشباب في الخدمة الوطنية
المزعومة، والتي هي في الواقع حبس لهؤلاء الشباب في معسكرات حتي يتم
إحكام القبضة عليهم للحيلولة دون أي حراك قد يقدمون عليه بحثاً عن بدائل للواقع
المأساوي الذي يعيشونه.
بالإضافة للعزلة الجماهيرية التي يعيشها النظام هناك أيضاً عزلة إقليمية ودولية
وكل هذه عوامل ضعف واضحة أمام المعارضة التي وعت أخيراً بأن قوتها تكمن في
وحدتها، فقررت الائتلاف تحت مظلة واحدة بالإتفاق علي برنامج للحد الأدني من
العمل المشترك لايتجاوز مداه إسقاط النظام وإدارة المرحلة الانتقالية وصولاً
الي الشرعية الدستورية.
لكن هل يسقط النظام بالفعل من خلال ضربات عسكرية توجهها له المعارضة؟ لايبدو
ذلك وارداً بالنظر الي عدم التكافؤ مقابل القوات التي يتحكم فيها النظام، أم
يسقط النظام بسبب انقلاب عسكري يقوم به الجيش؟ قد يكون ذلك الاحتمال وارداً اذا
كان ذلك الجيش محترفاً ويتمتع قادته بوعي سياسي بآلام الشعب وطموح في السلطة،
لكن ذلك بعيد عن الواقع، فالضباط الكبار والضباط الوسط يرفلون اليوم في بحبوحة
من العيش قد لاتتاح لهم لو حدث تغيير في السلطة، لأن الامتيازات التي يتمتعون
بها حالياً لايمكن أن تقبلها أي حكومة تأنس في نفسها ذرة من الانتماء للشعب،
وتحس بأوجاعه، وتتلمس الطريق لتبديل أحواله البائسة، أم ياتري ستهب الجماهير في
تظاهرات عارمة تملأ بها الشوارع، وتحيط بمكاتب الحكومة وسكن المسؤولين، وتواجه
الرصاص بصدور مفتوحة حتي يسقط النظام كما حدث في دول عديده ؛ في هذه الحالة يجب
أن ينحاز جزء من القوات المسلحة الي الجماهير ليدافع عنها في مواجهة من سيطلق
النار عليها لفض التظاهرات، وقد يؤدي ذلك الي امتناع المسلحين عموماً من التدخل
خاصة إذا كانت هذه التظاهرات شاملة، وفيها أيضاً فرصة للمجندين قسراً وهم
يشكلون نسبه لابأس بها من القوات المسلحة للتخلص من هذا النظام وتحرير
مستقبلهم.
هذا يبدو ممكناً لكنه يتطلب تمهيداً جيداً من التعبئة المكثفة والتنظيم الدقيق،
قد يأخذ فترة زمنية يجب أن لا تطول كثيراً. كما يجب أن يسبقها إزاحة
العناصر المتنفذة سواء في أدوات القمع لإرخاء قبضة السلطة علي حركة الجماهير.
هناك أيضاً احتمال لا يمكن استبعاده وهو دعوة النظام للمعارضة للتفاوض، سواء
كان مباشرة أو عبر الوسطاء، عندما يري قوته تنهار كل يوم، وذلك للحفاظ ما يمكن
الحفاظ عليه من وجوده، أو لتفادي عقوبات صارمة لعناصره فيما لو سقط عنوةً، وهذا
الاحتمال أكثر رجاحة، فكيف ستقابل المعارضة تطوراً كهذا؟
نعتقد أن مثل هذا التطور يفترض تنازلاً مشتركاً من طرفي الصراع، وذلك أمر
طبيعي، وعلاقات القوة هي التي ستقرر حجم التنازلات، وستشمل هذه التنازلات مطالب
يفرضها كل طرف علي الثاني، إما لتجنب محاكمات جنائية أو عزل سياسي بالنسبة
للنظام، واطلاق الحريات الأساسية وسراح المعتقلين السياسيين ووضعهم في السلطة
في المرحلة الانتقالية بالنسبة لقوي المعارضة، بعد ذلك يمكن تشكيل حكومة وطنيه
شامله، تدير البلاد خلال فترة انتقالية وجيزة تعد البلاد خلالها لتسليم السلطة
للشعب، إذا أفترضنا جدلاً أن السيناريو الأخير هو الأكثر احتمالاً، هل سيقتصر
تشكيل الحكومة الانتقالية علي الطرفين المتفاوضين؟
وهل التفاوض سيكون محصوراً عليهما فقط؟ أم سيشمل أطرافاً أخري من المجتمع
الليبي مثل المعتقلين والجهات المحلية في شكل مؤتمر وطني تنبثق عنه الحكومة
الانتقالية؟ هل سيتم تسميتها الحكومة المؤقتة أم الانتقالية؟ مؤقتة
بمعني أنها مقيدة بفترة زمنية محددة، حتي تصدر قرارات المؤتمر الوطني الشامل
لتسلم عهدتها للحكومة الانتقالية التي ستنبثق عنه كما تعبر عنه بعض الآراء، لأن
المؤتمر الشامل سيناقش قضايا أساسية هي مثار خلاف يجب حسمها وتضمينها الدستور
مثل شكل الحكم إن كان رئاسياً أم برلمانياً وتطبيق الديمقراطية والتعددية
ومسألة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل، وأقاليم الدولة والأسس التي تقسم
بموجبها، وعلاقة الدين بالسياسة وحدود صلاحية المجالس الإقليمية وعلاقتها
بالأجهزة التنفيذية في الأقاليم، وملكية الأرض، وملكية الثروة الباطنية
والثروة البحرية والغابية، وأسس تقسيم الدوائر الانتخابية، وقانون الأحزاب
والانتخابات، وكلها قضايا جوهرية لابد من البت فيها، لكن يبقي سؤال أخير وهو
كيف سيتم التحضير لهذا المؤتمر؟ ومن هي الجهات التي سوف تشارك
فيه؟ وما هي المعايير التي سيقوم عليها التمثيل في هذا المؤتمر؟.
النايلي