06/06/2005
 

من خاطرات المعترك
البي محمد سيف النصر بطل تاقرفت
بقلم: بوخزام العناني

 

ما أحوجنا هذه الايام الى الالتفات الى ماضينا الليبي القريب والبعيد، علّنا نجد مايعيننا على ما نعايشه هذه الايام من ندرة وعوز في الرجال الفحول، - وما أحوجنا اليهم - ليتصدوا لمعاناتنا الراهنة وعجزنا وهواننا على أنفسنا، وعلى القريب والبعيد .. لقد وصل بنا الأمر الى حد جعل الكثير يتشكك في أن الجيل الحالي من الليبين ينحدر أو ينتسب الى جيل حارب الغزوالايطالي قبل ثمانين عاما حرب فرسان وفي مواجهة نادرة قل أن وجد لها نظير في العالم.. فقد واجه الليبيون في مختلف المعارك والمواقع مواجهة عسكرية، استهدفت الجيش الايطالي الغازي، ولم تقتل المدنين رغم مجيئهم الى ليبيا كمستعمرين مساندين وداعمين للقوى العسكرية الغازية، فكانت سيرة المجاهدين في تعاملهم مع العدو سيرة فرسان وابطال، ابلوا بلاءا حسنا في ميدان القتال، وترفعواعن الدنايا التي يمارسها المقاتلون - على شاكلة ما مورس في بوغريب ببغداد - رغم الفارق الكبير بين الفريقين في العدد والعدة.. أن التباين كبير بين السلف والخلف وفي فترة زمنية قصيرفاصلة بين الجيلين، فالحالة الراهنة التي تعيشها ليبيا الآن أوجدت قدر كبير من الاستغراب حول كساد الساحة النضالية  وقلة، مبادرات المواجهة الفاعلة التي تحدث تغيرا ملموسا ومؤثرافي مجريات الأحداث، وفي حياتنا الليبية الراهنة البائسة. أمام هذا الكساد الرهيب في خصوبة الليبين الليبيات، ونذرة انجابهم للرجال الفحول والصناديد الابطال، رأيت - أمام هذا الحال - أن أعرض الى شخصية تاريخية مهمة يدور حولها جدل بين مؤيد ومخالف في بعض مكونات هده الشخصية، ولكن لا يختلف اثنان حول أن هذه الشخصية فارس مقدام وبطل نذرت شجاعته واقدامه، وليس له نظير فيمن عرفنا من جيلنا على الاطلاق في قوة الارادة والتصميم والتوجه الجدي والاصرار على الهدف.

 

هذه الشخصية هوالمرحوم محمد بك سيف النصر بطل معركة تاقرفت، وزعيم المنطقة الوسطى وفزان دون منازع، والمعروف في محيطة القبلي وصفّه الجهوي بالبي محمد ، ينتمي المرحوم محمد سيف النصر الى قبيلة أولاد سليمان عشيرة الجباير.

 

قادت أسرته قبائل الوسط والجنوب - في حربها الايطاليين  باصرار واستمرارية وعنف وشراسة منقطعة النظير بقيادة والده سيف النصر في البداية  ثم بقيادة أخوته أحمد سيف النصر وعبد الجليل وعمر- بعد وفاة الوالد – فلم يعترف الجنرال الايطالي  المعروف رودولفوغرسياني لأحد من الليبين  بشدة العداء وقوة المواجهة والتبات والاصرار عليها كما أعترف  لأبناء سيف النصر بذلك، حسب ما ورد في كتاباته عن احتلال ليبيا والزحف نحو فزان، ولم يبدي غرسياني أسف على شئ في سياسة ايطاليا الاستعمارية كما أبداه على فشل اسلافه من المستعمرين الطليان في التوصل الى حل سياسي مع سيف النصر وابناءه من بعده. وأعتبرأن الحل السياسي مع هولاء كان من الممكن أن  يوفرعلى ايطاليا الكثير مما أهدر من أرواح وامكانيات في حرب أستمرت ربع قرن من الزمن في رقعة مكانية شاسعة أمتدت من الحدود الجزائرية غربا الى سرير تازربو شرقا، ومن ساحل خليج سرت شمالا الى تبستي وتومو جنوبا.

 

نشاء محمد سيف النصر في كنف والده ثم تحت رعاية أخوته بعد وفاة والده في محيط مفعم بالحرب والسياسة ومجاهدة المستعمر الاجنبي المحتل، فتشرب هم العمل والكفاح والفروسية مذ سني طفولته الاؤلى وترعرع على ذلك سنوات الصبى والشباب ، فطبع على جسارة فائقة وشجاعة بينه تميز بها على أنداده وأبناء جيله وفي محيطه العائلي والقبلي، وقد عاش معارك الجهاد التي خاضها أخوته بقيادة المجاهد الورع أحمد سيف النصر، وتميز تميزا ظاهر في معركة تاقرفت* التي شارك فيها مقاتلا مواجها مقتحما لقوات الاحتلال.

 

بعد انتهاء المواجهة مع قوات الاحتلال، واضطرار المجاهدين للهجرة الى بلدان الجوار، هاجر رفقة شقيقه الأكبر عبد الجليل الى مصر حيت استقر بمحافظة الفيوم جنوب غرب القاهرة  وعاد منها بعد الاستقلال بسنوات ، فساهم اسهاما فاعل في مجريات السياسة بالبلاد – رغم عدم تقلده أي منصب رسمي في الدولة الليبية – باعتباره من خاصة أعيان البلاد وبحكم ماضيه الجهادي وماضي أسرته، فكان أكثر الناس تحذيرا- طوال فترة الستينات وحتى قيام الانقلاب سنة 1969م-  مما قد تأتي به المفاجأت، من جرّاء التسّيب الذي أضحت فيه البلاد وكبرسن الملك أدريس وقلة كفأة ولي العهد وضعف شخصيته، فلم يجد أذان صاغية لدى  المعنيين بالأمر في ذلك الوقت، والى حين التقوا جمعهم معه في معتقل الانقلابيين عندما أضحى الأمر برمته في خبر كان.

 

وقد أدرك البي محمد سيف النصر قبل جميع الليبين الطبيعة الشريرة التي تنطوي عليها شخصية معمر بومنيار، فما انفك معمر القذافي يتهم البي محمد بأنه طرده تادييبا وعقابا على سوء خلقة ومشاغبته في المدرسة بسبها، لأنه رأى فيه بذرة شر لايستقيم معها شأن  ولن تأتي بخير.

 

وبعد قيام الانقلاب أعتقل ومكث فى السجن عدة سنوات، تعرض خلالها لسوء المعاملة والتعذيب الحسدي والنفسي، فلم توضع ترتيبات أمنية مشددة وصارمة لأي من رجالات العهد الملكي كما وضعت للبي محمد سيف النصر، ولم يحرص الانقلابيون فجر الانقلاب على أمر كحرصهم على التأكد من أعتقال البي محمد سيف النصر، والتأكيد على وجوده في المعتقل، ويعتقد الكثير من المراقبين وممن يعرفون محمد سيف النصر حق المعرفة: لو أن محمد سيف النصر كان في سبها يوم الانقلاب، أو لم يتمكن الانقلابيون من مباغتته والقبض عليه لتعسّر على الانقلابيين السيطرة على البلاد وربما كان من الممكن أن يفشل الأنقلاب لأن ارادت محمد سيف النصر وما لديه من كرزما وامكانيات الزعامة ستفلح في جمع الرافضين للأنقلاب وستأطرهم في مواجهة الانقلابيين والعمل على افشال انقلابهم.

 

وكان في المعتقل رغم كبر السن وأعتلال الصحة جبلا شامخا بعزيمة قوية وارادة لاتلين وصبر لاينفذ. زاره عدد من ذويه فى السجن ، فعندما رأى أحدهم وضعه في المعتقل شفّه الحال فبكى، فلم يكن من ذلك الليث الهصور الا أن نهره وطرده  قائلا ان البكاء ليس للرجال فالرجال تقارع الرجال وتعمل من أجل غايتها وأهدافها. كان محمد سيف النصر عونا وعزما وأزرا لجميع من كان معه في المعتقل . وقد تواردت حكايات عديدة حول تصرفاته الشجاعة والجريئة فترة بقائه في السجن، فعلى سبيل المثال لاالحصر روي أن البي محمد سيف النصر طلب مقابلة معمربومنيار في السجن فلم يقبل القذافي ذلك وأرسل عبدالسلام أجلود لمقابلته وأمر ادارة السجن بتفتيش البي محمد - قبل مقابلة أجلود له - فوجدوا لديه عند التفتيش مسدس معباء بالدخيرة. وفي رواية أخرى : أنه أحضر للبي محمد من خارج السجن (زلفة أو معجنة) اناء مملوء بالمقطّع (أي الرغيدة أو رشدة البرمة) - أكلة ليبية معروفة - وعند البوابة الداخلية للسجن  تم كب الاناء في اناء آخر بقصد التفتيش فوجد بالاناء مسدسا معبأ المخزن بالدخيرة في كيس نايلون، لم يثنيه كبر السن والمعتقل والاعتلال عن عوائد الفروسية والبطولة والسعى بهمة ورجولة لعظائم الأمور، ذلك هو البي محمد سيف النصر العقاب الجاسر والفارس الهمام ،وحتى لو قال قائل ان ما أوردناه في هذا السياق  آنفا نوع من الاساطير والرويات التي تحكى عن الشخصيات العظيمة  أمثال شخصية محمد سيف النصر، فان شخصية البي محمد سيف النصر هي هي لن يزيد فيها قول أوينقص منها قول علم ليس له ند في التاريخ الليبي المعاصر.

 

بعد وفاة البي محمد ودفنه بمقبرة في طرابلس خلافا لوصيته وبأمر من معمر ذاته، زار قبره أحد اصدقاءه فوجد عليه جندي يحرصه فقال الزائر للجندي أن هذا قبر وصاحب القبر ميت لن يتحرك على اية حال، فلم يرد الجندى بكلمةواحدة، فبادره الزائر قائلا (معكم حق يا بني هذا يخيف حيا وميتا).

 

كان بودي أن أكتب عن هذ الشخصية الوطنية العظيمة منذ سنوات فلم تتهياء السانحة التي أردت لأنه كانت خشية ملازمة لي أن لاأوفي هذا البطل والزعيم والفارس والمناضل حقه كما أراه وكما أتمناه، ولاأعتقد أني بهذه العجالة قد أوفيته حقه كما ينبغي، ولكن هي خاطرة لعلي قمت فيها بقدر من واجب تجاه هذا البطل وحق علي وربما وفأ لوشائج وصلات أكدتها الايام ورسختها المحن  سيدعمها المستقبل ويزيدها وثوقا ورسوخا.

 
بوخزام العناني
boukhzam@yahoo.com
 

مزدة / ليبيا 3 يونيه 2005 

 

* تاقرفت  قرار يقع شرق منخفض الجفرة مليئ بالاحراش والشجيرات الصحراوية جرت فيها معركة مهمة من معارك الجهاد حملت أسمها وأبلى فيها محمد سيف النصر بلاء مشهود.

 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة