الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتـّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


13/06/05


 

 

الجماهيرية رجل أفريقيا المريض!!

 

عُرفت الدولة العثمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر برجل أوربا المريض،ومع ذلك استمرت لعقود من الزمن، لا بسبب عوامل البقاء الذاتية فحسب، بل حرصا من الدول الكبرى خصوصا بريطانيا العظمى على وحدتها وذلك خوفا من مخاطر البديل والتقسيم . وليبيا اليوم هي أشبه بمريض الأمس، فإذا كان ضعفها مطلوبا فان تلاشيها أو تقسيمها مرفوض!!وهناك آراء كثيرة من قبل بعض المثقفين الليبيين وخاصة  الأكاديميين في جامعة بنغازي يؤكدون بأن الولايات المتحدة غير جادة في الإطاحة بالقذافي " على اعتبار أن الأمر كان بيدها طوال مدة  الحصار. ومن هم  من حذر من مخاطر تقسيم ليبيا  وما ينجم عنه من عدم استقرار  في  هذه  الدولة الغنية بمواردها النفطية.وعلى رغم امتلاك الولايات المتحدة القدرة على دخول ليبيا ، إلا أنها غير مستعدة لدفع ثمن إسقاط القذافي... وتستطرد  هذه  النخب  المثقفة  في تحليلاتها. لم يكن هدف الإدارة الأمريكية حكم ليبيا، أو إقامة نظام ديمقراطي،بل مجرد التخلص من تهديد النظام الليبي لمصالحها وضرره على جيرانه. وهذا ما حققته. واعتمدت واشنطن في  تحقيق هذا الهدف  على حد  تعبيرهم على سياسة الاحتواء عبر العقوبات وقرارات الأمم المتحدة . أما مصير الشعب الليبي فهذا أمر ثانوي بالنسبة لها ،تماما كما فعلت في أفغانستان عندما حشدت الطاقات باسم الإسلام لمحاربة الاتحاد السوفيتي ، وما أن هزم الأخير حتى تخلت عن البلاد وهى في لجة من الفوضى والحروب الأهلية لا يزال الشعب الأفغاني يدفع ثمنهما. أما تصريحات المسئولين الأمريكيين بقرب الفرج  على حد  تعبير هؤلاء الأكاديميين فهي اقرب إلى التمنيات على احسن تقدير، والخداع إذا أردنا التشكيك!!

 

 لم تمارس الإدارات الأمريكية بدءا بريغان ومروراً بجورج بوش الأب، وكلينتون وانتهاء ببش الابن . سوى سياسة الاحتواء والعقوبات سوى كانت أحادية الجانب أو عن طريق مجلس الأمن، على رغم قناعتها بأن تلك السياسة لا تسقط النظام. وذهبت بعض الأوساط الأمريكية ، إلى القول بأن هناك خطر من تهويل خطر القذافي ،علما بأن قدراته مزقت بحربه مع أتشاد ودول الجوار تارة ومواجهته مع العصيان  المسلح  في منتصف التسعينيات التي دارت رحاه في المقاطعات الشرقية تارة أخرى.. قد يكون القذافي كريها ،ولكن نظامه لم يعد يشكل تهديدا لأمن  أمريكا . وقد يؤدي سقوطه إلى تقسيم ليبيا نتيجة حرب أهلية، أو إلى مجيء نظام اكثر راديكالية. وفى كلا الحالتين سيعم عدم الاستقرار في هذه الدولة  الغنية بالنفط. فقد عرضت واشنطن على ميلوسيفيتش حاكم صربيا أجراء انتخابات حرة كسبيل لرفع العقوبات وتأهيل يوغسلافيا. أما بالنسبة إلى ليبيا فالحوار مع نظام القذافي مرفوض لاعتبارات كثيرة، منها طبيعة النظام الليبي نفسه. ولكن السبب الأهم هو لاعتبارات داخلية ناتجة عن  صعوبة إقناع الرأي العام الأمريكي على الحوار المباشر مع الدول المارقة والإرهابية كجماهيرية القذافى لسبب بسيط هو أن المواطن  الأمريكي صاحب القرار في تنصيب هذا الرئيس  أو  ذاك لا يقبل الحوار مع الإرهاب  ونظام  طرابلس هو الإرهاب تعريفا!! .

 

وهناك تيار أخر يذهب إلى القول بان غياب إرادة أمريكية للتغيير يصعب على دول الجوار المبادرة أو الاتفاق على نهج مشترك تجاه جماهيرية بتر الأصابع!!

 

 وانطلاقا من مخاوفها الخاصة أي الولايات المتحدة تعاملت مع نظام سرت الشر، لا حبا له ولكن خوفا على مصالحها الاقتصادية .وهذا ما أكده وزير المياه الأردني كامل محادين قبيل توجهه إلى عاصمة الشر في زيارة استمرت أربعة أيام، أن طرابلس وافقت على تمويل 70 في المائة من تكاليف مشروع حيوي للمياه في الأردن. من الكلفة البالغة 590 مليون دولار. )الحياة . الأحد. 26 - 3 -  1999ص13(  وهذا ما يؤكده الإعلام الرسمي لبعض  دول الجوار العربية، بينما خلف الكواليس ترغب بمجيء حكم جديد في ليبيا صديقا لها، ولكن في غياب تلك الإمكانية تفضل بقاء القذافي وهو ضعيف على مجيء حكم ديمقراطي مؤسساتي قوى يعرف ما له وما علية ، أو انحدار ليبيا إلى حال من الفوضى تهدد استقرار الجميع.أن الفارق حسب زعم  هذه التيارات العلمانية المتنافسة  فكريا بين دور الولايات المتحدة في العراق ودورها في ليبيا هو أن التقسيم خيارا مقبولا بالنسبة إلى الأولى وغير مقبول بالنسبة إلى ليبيا، بل عملت واشنطن على تكريس الوضع الراهن في ليبيا .فبموجب هذه السياسة يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء  عدم التحالف أو التحرش بليبيا.وعليه اصبح الوضع الراهن بالنسبة للولايات المتحدة الخيار المفضل في غياب إمكانية قيام عصيان مسلح من جهة على غرار ما حصل في الأقاليم الشرقية في منتصف التسعينيات والخوف من بديل للقذافي يفرض نفوذه مجددا على ليبيا من جهة أخرى،خاصة وان استمرار الوضع الراهن في ليبيا سيخلق حقائق يصعب على أي رئيس جديد في ليبيا تجاهلها!! أن إدراك هذه الحقيقة يفسر استمرار تعامل الولايات المتحدة المحسوب مع ليبيا، كما أن الأطراف الإقليمية والدولية ذات الاهتمام بالشان الإقليمي، وبالذات مسالة المفاوضات العربية ،تعاملت مع استمرار الوضع الراهن في ليبيا كأحد الثوابت السياسية !!

 

ويبدو حسب تحليل هؤلاء الأكاديميين أن استمرار الوضع الراهن هو خيار النظام الليبي كذلك. ففي غياب إمكانية رفع العقوبات الغربية وبشكل نهائي وتأهيل النظام بشروطه يبقى استمرار الحال القائم مع التآكل أو التحسن الجزئي هو الخيار المفضل وذلك لأسباب عدة، منها أن النظام استطاع أن يحول هذه العقوبات رغم محدوديتها إلى شماعة لتعليق كل مشاكله الإرهابية التي تورط بها  طيلة الثلاث عقود الماضية. كما أن أولوية تامين لقمة العيش والدواء على أي مطلب أخر جعلت المواطن العادي أسير رضى النظام في توفير "كتيب السلع التموينية" الذي تحول إلى سلاح سياسي بيده أن لم يكن أداة إرهابية لقمع المواطن واذلالة . وما يتردد عن تلكؤ النظام في توفير الأدوية المكدسة في المخازن يصب في سياسة خطاب الخوف  مما  أدى إلى  رفع وتيرة الحاجة والقلق بما يشغل المواطن عن التفكير بما هو اكثر من مجرد العيش. وبات استمرار العقوبات ولو بشكلها الجزئي الموجود علية الآن مبررا لغياب المؤسسات الاقتصادية، مما أدى إلى نشوء مافيات اقتصادية في خدمة النظام تعتمد التهريب والرشوة. وفى حال رفع العقوبات بشكل كامل سيواجه النظام استحقاقات اقتصادية  ومالية وتعويضات كبيرة تعطى لكل من تضرر من جرائم النظام  وهذا ما تحدث  عنة الدكتور  عبد الهادي  شلوف  في  مقالة ما  قبل  الأخير  والمتعلق  بتعويض  ضحايا  الطائرة الفرنسية التي أسقطها نظام سرت فوق  صحراء النيجر  عام  1988. والسؤال الذي يطرح نفسه :من أين سيأتي النظام بهذه المبالغ، خصوصا إذا ما عرفنا أن أجمالي عائدات النفط  لن تزيد عن حد معين في احسن الأحوال؟ هل يقوم برهن خزينة الوطن أي آبار النفط؟ وإذا سمح له ببيع نفطه بكميات تفوق السقف المتفق عليه من قبل "أوبك"، فالأمر سيتغير بالنسبة لأسعار النفط ، وإذا كان النظام يعول على دعم مالي دولي فإن شروط الصناديق الدولية ستقيد حريته في الصرف الأمر الذي لن يقبله القذافي بسهولة  على اعتبار أن شعبنا مفعول به وليس فاعل!!

 

 لقد اصبح التلويح الدائم بالخطر الخارجي مصحوبا بخطاب الخوف وقطع الأصابع أسلوبا تقليديا في تبرير أحكام  قبضته على رقاب الشعب! في ظل هذه الحسابات الدولية والإقليمية انتهى مصير الشعب الليبي بعد سنوات عجاف إلى سجين أو مجرد لاجئ في مستودع "سلع تموينية" اسمه جماهيرية!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع