الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

24/06/05


 

 

أحقاً....ليس للكولونيل من يعارضه؟!

فاطمة محمود

 

 لأول مرة،منذ أكثر من ثلاثة عقود،تُقرِّر معظم أطراف المعارضة الليبية،في الخارج،تنظيمات وشخصيات وطنية وأفراد مستقلين.عقد أول مؤتمر وطني عام،ما بين يومي 25 و26 يونيو القادم،في لندن.ويقوم المؤتمر على أساس إجماع سياسي يستند إلى المطالبة بتنحي العقيد القذافي عن كافة سلطاته وصلاحياته"الثورية" و السياسية والعسكرية والأمنية.وإقامة دولة دستورية ديموقراطية مؤسسة على التعددية السياسية والثقافية والتداول السلمي للسلطة.

 

 ويبدو أن المعارضة الليبية،التي قامت دول الجوار(الشقيقة)،بنفيها إلى أصقاع العالم،والتي تعرضت لتصفيات جسدية طالت العديد من نشطائها طيلة السنوات الماضية،قد تجاوزت بعض مصاعبها،لا سيما الأمنية منها.إلا أنها لا تنفك ترى،على هذا الصعيد،أن العقيد القذافي لازال يؤمن بأن انفراده بالسلطة واستحواذه عليها واستمرارها في ذريته.لا يستقيم إلا باجتثاث المعارضة وقطع دابرها.وهو وإن اقتصد في المطالبة برأسها،بسبب الضغوطات الدولية،إلا أنه سوف لن يغفر لها استهانتها بـصوابيته"الثورية" والتجرّؤ على إعلان،فعل،المعارضة ضده.ثم ارتكابها ،مؤخراً،"كبيرة الكبائر"بمطالبتها له بالتنحي عن جميع سلطاته؛فالأخذ بالحقيقة القائلة بأن الليبيون والليبيات باتوا يضيقون ذرعاً بنظامه وينتظرون ساعة خلاصهم منه،يعد ضرباً من المستحيل،لديه.وكأي طاغية هو لا يتصورهم إلا حامدين شاكرين متهجّدين باسمه.منكبّين على نسخ برقيات التأييد وقراءتها له،وقوفاً،في مشهد ،كاريكاتوري،مبتذل للطاعة والخشوع!!

 

 لقد ساهمت التحولات الدولية،في العقدين الأخيرين من القرن العشرين،في عزلة النظام.حيث بات يفتقد الإسناد والدعم العسكري والسياسي الذي كان يوفره له الاتحاد السوفييتي،قبل انهياره،إذ كان النظام قد وضع نفسه ضمن دائرة النفوذ الجيوبوليتيكي الخاضعة لهيمنة الاتحاد السوفييتي.ممّا رتّب له علاقات وطيدة بدول الكتلة.مكّنته من تطوير نشاطه الإستخباراتي،خاصة،مع مخابرات دولتي رومانيا وألمانيا،الشرقية آنذاك.والقيام بعمليات إرهابية دولية وعمليات تصفية جسدية سُفِكت فيها دماء عشرات الليبيين المعارضين في الخارج.   

         
  وحين حلّت حادثة 11/ سبتمبر2001 رأينا فرائص هذا النظام ترتعد فزعاً من الوحش الأمريكي الجريح.فيهرع،بعد 32 سنة من الثورجية الفاشية إلى إجراء جراحة تجميل، علّها تساهم في تغيير الوجه الذي طالما قوبل بالمقت والنفور،من قِبل عالم ما قَبل11 سبتمبر.أعطت انطباعا بأن خطاب العنف والكراهية،الذي لم يكن ليوفِّر أحدا في الداخل والخارج،أخذ يتراجع،في ظاهره،مُستبدلا بزقزقة غير مألوفة للسلام.ما لبثت أن تصعّدت إلى مناجاة وابتهال مردوفاً بِهرْوَلة،مذلّة،بين دول العالم سعياً للوساطة وطلباً للصفح والمغفرة من لدن سكّان "البيت الأسود"*في واشنطن.

 

وسرعان ما انحدر،ذلك كله،إلى طاعة نموذجية كان عربونها،كما هو معروف،شحن  كل معدات ووثائق برامج أسلحة الدمار الشامل إلى أمريكا مباشرة وهو ما عُد،وقتها،هدايا "كريسمس"لحملة بوش الانتخابية.ثم مُهِر،الأمر،بدفع مليارات الدولارات،الأمريكية،كتعويضات عن الإرهاب الذي سبق وأن اتُهِم النظام بارتكابه في أكثر من مكان في العالم.والذي،بناءً عليه،أضحت"الخيمة"،أينما نُصِبت،دكاناً يبيع ليبيا،وأسرار ليبيا،بالجملة والقطاعي.ناهيك عن بيع أسرار الحلفاء السابقين (سوريا وإيران) تيّمنا بالفوائد،الذي جناها النظام،من وراء بيعه أسرار حركات التحرر العالمية التي سبق وأن موّلتها"الخيمة"بسخاء،إبّان حملاتها العالمية،التي لا تكل،لشراء ألقاب من صنف:"القائد الأممي"و"قائد القيادات التاريخية"..وغيرها من الألقاب الكونية" الحسنى" التي لا زال النظام يعوّل عليها ويحسب لها ألف حساب!

 

ثم تأتي حفرة صدام لتفعل أفاعيلها في النظام.إذ بدت وكأنها تتسع لأكثر من صدام! ولم تعد تلك الطاووسية،المدندشة بالألقاب المتشبث بها في مراسم القمم،العربية، والمحافل،الأفريقية؛لتفلح في التستر على وضعية الإستئناس،التي أصبح عليها النظام.وما رادفها من جهوزية تامة لتقديم كل ما عساه أن يديم الحكم،الذي انتهى عمره الافتراضي منذ زمن.وذلك يتم،كالعادة،بالسطو على ثروات ليبيا وتبديدها في دفع التعويضات بلا حساب،وإنفاقها على شركات الدعاية العالمية.وعلى صناع قرار صهاينة بالكونجرس الأمريكي،وعلى شراء ذمم رؤساء دول فاسدين.ومؤسسات إعلامية وإعلاميين أكثر فساداً.وصولا إلى عرض مقدرات البلاد الاقتصادية الاستراتيجية في سوق الاحتكارات الأمريكية والأوروبية.

 

لقد غدت ليبيا،حقاً،غنيمة قاطع طريق..في غياب أية آلية تضبط يده النهّابة الشرهة. فلا قِوى،وطنية سياسية،تردعه.أو شعباً،يعي فداحة ما هو فيه،فيخرج عليه طالباً القصاص!وبالمقابل فإن إفقار ليبيا والتطويح بأبنائها للمجهول وللفقر والتشرّد على أرصفة العالم.يسير وفق منهج منظم يعمل على التجهيل والتخريب والتدمير. الأمر الذي يدهش له أي مراقب محايد يرى إلى دولة بلا إدارة وبلا تخطيط،تتمكّن من منهجة الخراب بهذه الدقّة!بهذا فإنه إذا كان"العقيد" قد"تغيّر"،في نظر الغرب و أمريكا،وأصبح"زعيما مسؤولا،وصالحاً" للتعامل معه فإنه لم يتغيّر،ولن،بالنسبة لنا نحن الليبيين والليبيات،الذين رغم دخلنا النفطي الهائل،بالقياس إلى تعدادنا(حوالي ستة ملايين نسمة)نعيش في مستوى أدنى،بكثير،من جيراننا في تونس وهي الفقيرة من الثروات النفطية.فالبنية التحتية متهدمة،والاقتصاد منخور بالفساد والإفساد.والقمع والاستبداد مستمر،بلا هوادة.والذي يجرؤ على فتح فمه قد يُعثر عليه جثة مرمية في خرابة خارج المدينة،بأصابع مقطوعة ورصاصة في الرأس.

 

صحيح أن المنطقة تعج بأنظمة،كربونية،تتشابه إن في بنيتها القمعية أو في شروط بقائها،وإن اختلفت مسمياتها.وإن الذي يمنحها هذا التشابه هم أولئك الذين يوكل إليهم القيام بدور العبيد فيها.والذين تغذي فكرة ديمومتها بأكسير خضوعهم.لكن الذي يجعل مصائر هذه الأنظمة مختلفة هم الرجال الأحرار،كما يقول أحد كتاب القرن العشرين. إن الأحرار،رجال ونساء،هم الذين يقومون بمهمة الفرز الأخلاقي لقيم الولاء الوطني.وهم الذين يعيدون النظر في ولاء العبيد ويصححون مساره نحو التمرد على موضوعة الخنوع.وهم الذين يقيسون تجربتهم،مع الطاغية،بمسطرة العدالة في مواجهة طغيانه.ويمنهجون ردود أفعالهم بـمعيار التمرد على ثقافة الخنوع،وعلى تمثلاتها الاجتماعية والسياسية التي تسوِّغ"الصبر على المكاره"،بمناهضة مستمرة للمستمر القمعي،الذي يمثله النظام،في بعديه الموضوعي والأخلاقي.أي تحويل التماهي في الإهانة إلى حالة وعي عامة بالبنى التي خلّقتها والوسط المسئول عن نموها.ومن ثم امتلاك الإرادة الجماعية لمسح هذه الإهانة.وأنا أعني،هنا،الإهانة في بعدها التاريخي التي لحقت بشعب خاض معارك تحرره الوطني ضد اكبر قوة فاشية،آنذاك،رفقة أجمل الليبيين وأكثرهم شهامة ونبلاً؛ لِيُسْلَس قياده،الآن وكأنهم قطيع أنام يساق بالهراوة في بر الـ"هراوة"!

 

لقد ظلت إمكانيات الليبيين،طيلة الثلاث عقود والنصف الماضية،غير مسبورة،حتى بالنسبة إليهم،و ذلك  بتعطيل هذه الآليات،من قبل النظام،وحرمان الليبيين من صقلها والتعويل عليها.فباسم"الشرعية الثورية"تم ضرب الشرعية الدستورية ومؤسساتها الديموقراطية،وتم حذف مؤسسات المجتمع المدني.وأُمِّمت الصحافة وصودرت حرية الرأي.وأُبطِلت المؤسسة القضائية.وقُوِّضت الدولة.وأبعد من ذلك قام النظام بخلق الالتباسات حول حقائق الليبيين التاريخية.وأربك فكرتهم عن أنفسهم.وأخضع،بالتالي،وجودهم لانتقائية قامت بغربلة السياسي والثقافي والسيسيولوجي بما يناسب إيديولوجية النظام الشمولي،وتغييب التاريخ الوطني لدولة الاستقلال الدستورية الديموقراطية عن الوعي الجمعي.وإذا كان جزء من حل مشكلات الليبيين يقوم على استيعاب تلك الحقائق التاريخية في سعيهم للتخلص من وضع"الجمهرة القطيعية"( = من القطيع) الذي تم حشرهم فيه،عنوة.فعليهم القيام  بالتعرف إلى حقيقتهم التاريخية واستيعاب سياقها الأخلاقي الوطني التي بامكانها أن تعيدهم إلى وضعية الشعب التي كانوا عليها إبّان تصديهم للفاشية الإيطالية،أو على الأقل الحد الأدنى منها.وهو ما لن يتحقّق إلا ضمن استيعاب"خبرة النحن المعاشة"وهي،كما عند شبنغلر،التي تفرز "الشعب وترتفع به عن مفهوم السكان".وحتى بلوغ هذا المستوى.على الليبيين أن يخرجوا مارد،إرادتهم،من القمقم.أي أن يخرجوا إنسانهم من زنزانته؛حراً من الخوف والاستكانة،وأيضا،من العجز و اللامبالاة.

 

ولعل في الجهود الحالية،التي تبذلها المعارضة الوطنية التي تتهيّأ لعقد مؤتمرها الوطني الأول،ما يعد إضافة نوعية إلى أداء حركة المعارضة الوطنية الشريفة،في مجابهتها لنظام الاستبداد لأكثر من ثلاث عقود،من أجل ليبيا حرة ديموقراطية مزدهرة.وإن كانت، المعارضة الوطنية الشريفة، قد حوصرت بالصمت والتجاهل الإعلاميين؛إلا أن الوصول إلى هذا المستوى من الجهد الوطني،العلني،المشترك يعد ردا فاعلا يكسر الصمت ويخرق التجاهل،ليفرض حضوره، وليفعّل غضب الليبيين المحتقن،في الداخل،ونفاذ صبرهم من الاستبداد والإفقار الممنهجين واستقواء النظام بالقمع والفساد عليهم،واستقواء الفساد بالنظام ضدهم.

 

ولعل،اجتراح المعارضة الليبية،لمؤتمر وطني توافقي،يعد تأسيسا ضروريا لروح العمل الوطني المشترك تجاه إنضاج حالة غضب ليبييِّ الخارج،المهدور في جهود مشتتة،وردود أفعال غير متكاملة.

 

إن قيمة العمل الوطني المشترك لا تكمن،فقط، في نبل مقاصده.وإنما تتخطاه إلى تدريب للذات الجمعية على تفحّص إمكانياتها واستعادة مرجعيتها وحيويتها كذات وطنية فاعلة تستوعب الإرادة الجماعية وتحتكم إليها ضمن محدّدات ومعايير العمل الوطني بعد تخليصه من الاستلابات والوصاية، سواء تجسّدت في، ثقافة،"الزعامة الفردية" أو تلك التي تمارسها النخب السياسية والفكرية،عادة.ولذلك فإن جعل الأساس والمعيار في هذا العمل الوطني المشترك،هو التمسّك بالمطلب،الحيوي،للشعب الليبي الذي يقضي بالعمل على إنهاء هذا الاستبداد كشرط لقيامة الليبيين وقيام ليبيا الحرة الدستورية الديموقراطية.وحتى يمكن وضع هذا المطلب في بعده الوطني الصحيح.علينا ضبط معايير العمل السياسي وتوقيت تمثلاته على ساعة الزمن الوطني الصحيح أي أن تتكامل" الأدوار" بما لا يخل بالمطالب الوطنية التي تتطلّب قيادة جماعية تتحلى بروح الفريق،تُغلّب فيه مصلحة ليبيا،بالتحالف مع ليبيا،على ما عداها. ويتجنّب الانزلاق في خلق أي بنية للوصاية السياسية أتمثلت في الزعيم/ الفرد.أو في الزعيم/ الإيديولوجيا أم في الزعيم/القبيلة والمنطقة..الخ  تلك هي بعض الرسائل التي تود المعارضة الوطنية بثها لليبيين،على هذا الصعيد،والتي،يفترض،أن مؤتمرها القادم يسعى لتفعيلها،وخلق برنامج عمل وطني،على قاعدة تكامل الإرادات بدل مكاسرتها.

 


* البيت الاسود هو تسمية النظام السابقة للبيت الابيض الامريكي

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع