الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

24/06/05


 

 

أقلام بدون حبر


ولد الفساد من رحم السلطة والمال والاقتصاد واتسع نطاقه فيها وصار نظاماً محمياً ومصفحاً بالأدوات والمؤسسات والجند ، ومن فرط رسوخه ، بات قادراً على إعادة إنتاج نفسه وعلى تعميم قيمه عبر أقنية مختلفة ضخته في قطاعات وأوساط جرى توزيع بعض أقساط ريع ذلك الفساد عليها لتكون جسراً جوياً لقوي الغطرسة والهيمنة دعاة الديمقراطية وحقوق الانسان الدي يولد ليبقي بدون اسنان , ولماذا الاسنان في وجود حماة الانسان من العسف والطغيان؟!! لقد أصاب الثقافة والمثقفين ما أصابهما من ذلك الفساد، منذ سبعينيات القرن العشرين الماضي، فتحولا موضوعاً وأداة له ,  يتزايد اليوم الرهان عليهما في مضمار البحث عن شرعنة أيديولوجية له.


لماذا تحول المثقفون العرب ـ قسم منهم على الأقل ـ إلى قوة احتياط في جيش الفساد تستدعى عند الاقتضاء كما تستدعى قوات الاحتياط في الحروب ؟ كيف يخون المثقفون رسالة المعرفة والإبداع وقيم الحرية والنقد ليقدموا السترة العقلية لمشروع (هو الفساد) يهدد بإسقاط الدولة والاقتصاد والوطن؟ لقد انتهت الحقبة التي كان يمكن فيها إستثناء المثقفين من المحاسبة عن أعمالهم، أو النظر بعين التقدير المثالي إلى أدوارهم الكبيرة في المجتمع والتاريخ فلقد باتوا طرفاً في المشهد المأساوي وفريقاً شريكاً في صناعة كثير من وقائعه! ليس من العدل والموضوعية ان نعمم  الفعل لأن  التعميم هنا فعل غير شرعي ولا عادل، لأن فريقاًً حياً من المثقفين ما برح يحفظ شرفه ودوره التاريخي في تامين وطنه وثورته.  لكن مجرد سقوط نخبة ، ولو صغيرة منهم، في مهاوي العفن يسبغ الشرعية على التساؤلات التي طرحنا ويترك في اذهاننا انطباعاً سيئاً ومثلاً حياً لأولئك اللذين باعوا وطنهم وخانوا امانتهم ودورهم بمعيار واي معيار , إنه الباوند والدولار , لا ادري هل هذا مثقف ام سمسار جعل من وطنه عقار ؟؟؟ . دعونا نطالع مسار التراجع في أداء المثقفين العرب الذي أفضى بهم ـ أو ببعض غير قليل منهم إلى حيث هم عليه اليوم .  لقد  مر على الوطن العربي حين من الدهر كانت فيه الثقافة سلطة ترادف أو تناظر سلطة السياسة إما من حيث قوتها الرمزية أو من حيث فاعليتها المادية ،  و كان المثقف معتزاً بسلطان المعرفة لا يعوضه عنه سلطان آخر، متمسكاً باستقلاليته وبهويته وبمنهجه الحضاري تمسكاً كثيراً ما استرخص النفس دفاعاً عنه.  ومع أنه كان يسلم أحياناً بأن السلطة السياسية القائمة لا تعوزها الشرعية الوطنية طالما أن شرعيتها متاصلة بعمق قيم ومبادي القرأن الكريم (  شريعة المجتمع) وجذورها متأسسة في الشعب وأخضرارها ينبع من معين فكر قائدها .  بالنظر إلى ما أنجزته الثقافة وناضل من اجله المثقف  في مضمار التنمية والدفاع عن الوطن  و المواطن  ـ لكنه لم يكن يرتضي لنفسه أي شكل من الاصطفاف السياسي معها بل انه ناور وحاور ومع  اسياده خلف الحدود تشاور , فبالمال اوهين وبأقلامنا عليهم  نستعين , فهل لنا عليهم معين ؟؟؟ . المثقف الواعي بقضايا امته والمؤمن بثورته قد يدفع كلفة غالية من حريته خارج وطنه لقاء إصراره على حفظ دوره وصون استقلاليته والثبات علي مبدائه مع ما لاقاه خارج وطنه من ذل وهوان دون أن يمسك عن قول ما حسبه حقاً فهو  ليس يقبل المساومة عليه أو التوبة عنه , فأين حقوق الانسان وهو علي تقبيل تراب وطنه ليبيا لايُعان ؟؟؟؟


انصرم ذلك الزمن الذهبي للثقافة والمثقف منذ عقود ثلاثة خلت و نجحت السياسة في أن تفرض أحكامها على وظيفة المثقف المعرفية والإبداعية، ونجح القطبان ( امريكا و بريطانيا ) في مد سلطانهما إلى الحقل الثقافي فالتقط  قسماً غير قليل من المثقفين تحولوا إلى ألسنة شيطانيا تدعوا للتغيير والتحرر بمفهوم الغيلان ( جمع غول) , واطّرحوا وظيفتهم المعرفية كالغلمان (جمع غلام).

 

من المفهوم تماماً أن تجنح الدولة إلى كسب جانب المثقفين لأن منزعها إدماجي وإلحاقي لكل الجماعات الاجتماعية، ومن المفهوم أن تسعى السلطة إلى استدراجهم للاصطفاف معها وفك ارتباطاتهم الواقعة أو المحتملة مع المعارضة، لكن صلة المثقف بالسلطة لم تتحقق دائما بواسطة الإكراه القسري، بل كثيرا ما سعى إليها المثقفون أنفسهم عن رضا ورغبة مدفوعين بإغراء السلطة والسلطان , و تحركهم ايدي خفية تتعامل مع قوي اجنبية لتصنع لهم من الحُكم اُمنية , و هل نسوا ان سلطة الشعب قضية مصيرية . وكلنا يذكر الدعوة التي أطلقها أحد المثقفين العرب، قبل عشرة أعوام ، عن ضرورة جسر الفجوة بين المثقفين وصانعي القرارات، وكيف صارت مبدأ أسس لتلك الصلة لدى جحافل منهم تتكاثر اليوم بمعادلات مالتوسية . لقد ارتضوا - في النهاية - أن يتحولوا من مالكي رأسمال ثقافي إلى قوة عمل أجيرة لدى أجهزة خارجية.  لكن اللحظة الأسوأ في هذه المسار الانحداري للمثقفين هي هذه التي نشهد وقائعها اليوم في ظل العولمة والحروب الامبريالية التي تخاض باسم الديمقراطية والإصلاح السياسي . اللذين تحدثوا فيما مضى عن جسر الفجوة بين المثقف والسلطة لم يكن هذا منتهى طموحهم، إذ سرعان ما تبين أن ذلك لم يكن - بالنسبة إليهم - إلا معبرا نحو جسر فجوة جديدة بين المثقف وأجهزة الدولة الأجنبية ، خاصة منها المتطلعة إلى إسقاط أوطاننا وإركاع شعوبنا وانتهاب ثرواتنا. ولقد نشأت شبكات من الباحثين "الخبراء" العرب - من ذوي الماضي اليساري والقومي - المرتبطين بمراكز أجنبية تكرست وظيفتها (أي المافية)  في تقديم السخرة الفكرية لتلك المراكز، وفي التبشير بقيم النظام الدولي الجديد وتجنيد النفس في معركة الهجوم على الثقافة العربية الافريقية وعلى رابطة العروبة بدعوى تخلفهما والدفاع عن الاندماج غير المشروط في علاقات التبعية. نعم ، لقد تشكلت مليشيات ثقافية عربية معولمة تفرغت لإنجاز عمليات خلف خطوط "عدوها" الجديد: أي المجتمع، والوطن، والأمة، والهوية، والثقافة... إلخ ، مطمئنة إلى أن أمنها محمي من الدول الغربية التي تكل إليها تلك المهمة القذرة. وكم كان مدعاة للسخرية أن مئات من الكتبة النكرات في مجتمعاتهم العربية ، من الذين لم يسمع بهم أحد، باتوا يلقون الحفاوة في المراكز الأجنبية بوصفهم "رموزاً" لـ"الحرية" و"الشجاعة الأدبية، ويستقبلهم الساسة والوزراء وتفتح أمامهم أبواب الإعلام ويجري تصنيع صورة لهم ليست تتصل بمؤهلات لديهم ما خلا كونهم قطع غيار في آلة أيديولوجية معادية !!! تلك هي الدرجة الأعلى للفساد في جسم المجتمع الثقافي العربي. وبئس ما تطلبه لنفسها هذه المليشيات , وأخيراً ليس أخراً , لهؤلاء أقول ,القافلة تسير والكلاب تنبح .                                         
خالد الباروني- بريطانيا  
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع