الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منتدى الكتّاب


25/06/05


 

 

 فشل تجربة السلطة الشعبيه .. لماذا !!؟؟

 

 لقد أصبح عزوف  معظم الليبيين - لاحظ أني أقول معظم ! -  عن حضور ما يسمى بــجلسات ( المؤتمرات الشعبيه الأساسيه ) ظاهرة إجتماعيه وسياسيه عتيده  لايمكن إنكارها ! .. إلى درجة واضحه وفاضحه لايمكن إخفائها عن أعين المراقبين الموضوعيين مهما كانت محاولات التغطية والتزيين ومهما كان من محاولات الخداع البصري التي تنفذها عدسات المصوريين من أجل إخفاء الحقيقة وستر ( العوره ! ) عورة التجربه الشعبيه (!) .. ظاهرة تتفاقم وتزداد عاما ً بعد عام بل حتى أن النظام نفسه قد إضطر ذات مره – وبصوت خفيض -  للإعتراف بهذا الواقع المر وهذه " الحاله " الصارخه وإتخذ عدة تدابير وإجراءات عقابيه للمتخلفين عن المشاركه في هذه المسرحيه الهزليه المسماة زورا ً وبهتانا ً بسلطة الشعب ! .. ودعا القذافي وبشكل علني وفي خطاب رسمي عصابة اللجان الثوريه –  وهي عصابة بولسياسيه إرهابيه – إلى جرجرة الناس إلى المؤتمرات الشعبيه غصبا ً عنهم حتى يتعودوا على حضورها بل جعل هذه الجرجره أو الكركره كما عبر عنها من أهم وظائف حركة اللجان الثوريه  قائلا ً : 

 

" يجب على اللجان الثوريه أن تكركر الناس لحضور المؤتمرات الشعبيه غصبا ً عنهم حتى يتعودوا على  حضور المؤتمرات  !! " 

 

بل ووصل به الأمر ذات مره إلى تهديد المتخلفين بتحويلهم إلى عبيد كما قال القذافي غاضبا ً ذات مره في إحدى مداخلاته !! ..  ولكن وعلى الرغم من كل هذه التهديدات وكل هذه الإجراءات وكل هذه العقوبات وكل هذه " التكركيرات ! " ظل معظم الليبيين على موقفهم القديم العتيد كما هو .. أي العزوف وعدم الحضور !! .. أو يكون الحضور بغرض التوقيع ثم الإنصراف عند الضرورة القصوى ! .. أو الجلوس بصمت للتفرج والتفريج !! .. ومن ثم ومن أجل الحفاظ على ماء الوجه وعلى الصورة الرسميه الإعلاميه التي تدعي أن الشعب الليبي يحكم نفسه بنفسه لنفسه من خلال المؤتمرات الشعبيه الأساسيه في نظام " ديموكراسي ! "  فريد وبديع إختار النظام في نهاية المطاف وبعد أن يأس من معالجة هذا الموقف الشعبي العتيد أن يتكتم على هذا الأمر برمته ويرضى بالقليل (!) ويستمر في عملية التضليل والتدجيل (!!) ثم يعوض ذلك كله بالكذب الدعائي الإعلامي المستمر  من خلال تعبيرات ضخمه فخمه دعائيه لا أصل لها في الواقع كالقول بأن الجماهير الليبيه الغفيره والجماهير الشعبيه أخذت " تتقاطر ! " هذه الأيام على حضور جلسات المؤتمرات الشعبيه !! .... إلخ .. ثم التلميح وبشكل عابر أحيانا ً إلى أن " البعض " لا يحضرون بسبب جهلهم ورضاهم بالعبوديه بينما الحقيقه أن الأغلبيه هم من لايحضرون !! .

 

***

 وسبب هذا العزوف الجماهيري الكبير عن حضور ما يسمى بــ( المؤتمرات الشعبيه الأساسيه ) كما ذكرت في مقالة سابقه لي بعنوان ( عزوف الليبيين عن حضور المؤتمرات .. لماذا ؟!  ) يرجع في إعتقادي إلى أمرين :

 

الأمر الأول :

 

وهو أمر إنساني عام - وهو في إعتقادي أمر طبيعي - لم يتفطن له أصحاب نظريات الديموقراطيات الشعبيه  منذ القدم وهو أن معظم الناس أصلا ً - في كل زمان ومكان – وبطبيعتهم وجبلتهم لا يريدون المشاركه في الحياة السياسيه أصلا ً مطلقا ً أو أنهم لايميلون إلى المشاركه بشكل دائم ومستمر ومباشر ولا يطيقون ذلك ولا يصبرون على ذلك طويلا ً ولذلك نشاهد ظاهرة عزوف الناس عن المشاركه في أبسط وأسهل وسائل المشاركه الشعبيه في صنع القرار في أعرق المجتمعات الديموقراطيه نفسها كالمشاركه بالتصويت في الإنتخابات وفي الإستفتاءات التي تجري في تلك المجتمعات حيث أن هذه المشاركه لا تزيد في أحسن الأحوال وأعلى التقديرات عن 60 % من عدد المسجلين رسميا ً لا من جملة عدد السكان !!  .. فالنيابه والتمثيل لم تأت بغرض سرقة السلطه من الشعب أو التدجيل كما يزعم القذافي وإنما جاءت كحل واقعي وعملي ومفيد لكثير من الإشكاليات التي يطرحها الواقع السياسي للبشر منها إشكالية عدم رغبة عموم الناس في المشاركه السياسيه بنشاط وفاعليه وإستمراريه وتحمل المسؤوليه أصلا ً .. ورغبتهم أن يكلفوا بهذا الأمر – أمر الشأن العام –  بعض من يعتقدون أنهم أهل لذلك من أهل التخصص أو الخبره وأهل الرأي والسياسه لينوبوا عنهم في تحقيق مصالحهم وشأنهم العام فإذا فشلوا عزلوهم وأحلوا محلهم من هو خير منهم .. صحيح إن بعض الناس قد يفكر أحيانا ً بطريقة العبد الذي يبحث عن من يحكمه أو عن سيد يسوده أو قائد يقوده ولكن معظم المواطنين في المجتمعات الراقيه حضاريا ً يفكرون بطريقة السيد الذي يبحث عن من يخدمه وهذا هو أحد مصوغات الحكم النيابي ونظرية التمثيل في الديموقراطيات الغربيه النيابيه .. فالرئيس في مثل هذه الدول لا يعتبر حاكما ً وإنما يعتبر خادما ً ! .. فرئيس الوزراء أو رئيس الدوله في الدول الديموقراطيه المتقدمه لم يعد ينظر إليه نظرة الحاكم أو سيد وصاحب النظام  بل ينظر إليه نظرة الخادم العام  المحكوم بالدستور وإرادة الجمهور بعكس ماهو عليه وضع رؤساء جمهورياتنا " الوراثيه !!" التي ينظر فيها إليهم على أنهم حكام أو شبه آلهة !! .. بل على عكس ماهو عليه حال قائد جماهيريتنا الفريده " العظمى " التي يتمتع فيها " قائدنا الملهم ! " بصلاحيات ثوريه مطلقه وشامله غير دستوريه بحكم خرافة غريبه وأسطورة عجيبه إسمها " الشرعيه الثوريه "!!؟؟.

 

الأمر الثاني  :

 

وهو أمر خاص بالتجربه الليبيه وما يجري في الجماهيريه ذاتها – أول جماهيريه في التاريخ ! -  من حقائق فعليه على أرض الواقع .. فإن عزوف الليبيين بوجه عام عن حضور جلسات المؤتمرات الشعبيه - فضلا ً عن خضوعهم كبشر للأمر الطبيعي الأول - هو أيضا ً بسبب إختبارهم وتجريبهم بأنفسهم للواقع الملموس .. ومعايشتهم لهذه التجربه كل هذه العقود ووصولهم إلى قناعة تامه - وبالتجربه الملموسه - أن السلطة والثروة والسلاح ليست بالفعل في أيديهم وإنما في الواقع هي  كانت ولا زالت بيد العقيد القذافي وأولاده وحاشيته ! .. هل يمكن إنكار هذا الواقع الصارخ !!؟؟ .

 

بل إنني ذهبت في تلك المقاله إلى القول بأن عدد المشاركين من الليبيين في هذه ( المسرحيه العبثيه ! ) بالقياس إلى إجمالي عدد السكان لايتعدى -  في أحسن الأحوال وعلى أعلى  تقدير -  %5  من عدد من يجب عليهم الحضور والمشاركه (!!؟؟) .. أي أن 5 فقط من كل 100 ليبي هم من يحضرون المؤتمرات !! .. ثم تسآءلت حينها عن سائر الليـبـيـن ؟ أين هم ؟ لماذا لايحضرون ؟ أين الملايـين !!؟؟ ثم ذكرت الأسباب الحقيقيه لذلك العزوف من خلال إطلاعي على الكثير من النظريات والأراء  السياسيه بما فيها ما إنتقاه القذافي لنفسه وفرضه على الليبيين من أفكار شعبيه وإشتراكيه كانت من موضة القرن الماضي المنصرم وأيضا ً من خلال معايشتي لهذه التجربه عن كثب ومعاينتي للموقف بنفسي ! .. فأنا لم أغادر البلد – بشكل إضطراري طلبا ً للحريه والأمن – إلا أواخر عام 1995 .

***

 

 وعلى الرغم من كل هذا العزوف العتيد وهذا الفشل الذريع في التجربه خلال هذه العقود إلا أن القذافي الأب - وكذلك الإبن - لا يزالان يصران على أن ( الفكره ) في حد ذاتها – أي فكرة السلطة الشعبيه - صحيحه لا يمكن مناقشتها (!!) أو التخلي عنها (*) أو إستبدالها بشئ آخر فهي فكرة كامله ومثالية لا تحتمل الخطأ ولا تحتمل بالتالي النقد والدراسه النقديه الحره (!) ومن ثم يحرم مناقشتها ويجرّم من ينتقدها في الجماهيريه العظمى  فضلا ً عن رفضها أو معارضتها (!!) وإلا فإن مصير من يجرؤ على إرتكاب هذا المحرّم  يكون كمصير الكاتب والصحفي الليبي " ضيف الغزال " –  وهو مواطن ومثقف ليبي كان عضوا ً في اللجان الثوريه  ثم أبدا بعض التحفظات والإنتقادات للوضع القائم –  فإختطفوه في إبريل الماضي ثم عذبوه ثم قتلوه ثم أنكروا أنه ليبي أصلا ً (!!؟؟) .. فالنظريه  -  بزعمهم -  أي بزعم القذافي وإبنه ومن يطبل لهما -  شئ مقدس وحق مطلق لايمكن مناقشته أو معارضته وإنما الخلل والقصور والفشل – بزعمهم - هو بسبب سوء التطبيق ليس إلا !! .. سوء التطبيق الناجم عن جهل وتخلف الشعب الليبي الذي لم يتمكن لجهله وتخلفه أن يرتقي لمستوى أفكار ونظريات القائد الملهم !! .. ومن ثم لا يجرؤ أحد على  مواجهة ذكر الأسباب الحقيقيه والواقعيه و( الجذريه ) لعزوف ( معظم الليبيين ) عن ممارسة سلطتهم وسيادتهم  المزعومه !!؟؟ .. ولا تفسير عندي لهذه ( الحاله ) الموجوده أو ( الظاهره ) المشهوده -  أي ظاهرة عزوف معظم الليبيين عن المشاركه في المؤتمرات والمظاهرات الشعبيه - إلا بأمرين :

(1)   إما لأن معظم الليبيين جهلة وقـُصر ومتخلفون ولا يعرفون قيمة الأشياء وعظمة النظريه ولا يدركون مصلحتهم الحقيقيه ولا يعرفون حتى الجار من المجرور .. كما يصفهم القائد الملهم في كثير من مداخلاته ! .

 

(2)   وإما لأنهم بسليقتهم من جهة ومن خلال تجربتهم الطويله والمريره من جهة أخرى أدركوا بشكل يقيني لاشك فيه " حقيقة الواقع الفعلي " .. تلك الحقيقه التي يعرفها كل بسطاء وزعماء وعقلاء وعلماء العالم والتي مفادها أن زمام السلطة والثروة والسلاح في ليبيا ليس في يد المؤتمرات الشعبيه -  كما في الشعار الرسمي الشكلي -  بل هي - وكما في الواقع الفعلي -  في يد " الخيمه " ..  خيمة العقيد العقيد معمر القذافي .. هذا العقيد الذي يمارس من خلال عباءة هذا النظام الشعبي الفضفاض ومنذ وصوله للسلطة بشكل غامض ومشبوه على ظهر دبابة حتى اليوم سلطات وصلاحيات شموليه مطلقه بلا مساءله ولا مسؤوليه ! .. سلطات وصلاحيات لا يتمتع بها  أي " ملك " من ملوك الدنيا أو أي " رئيس جمهوريه " في هذا العالم الطويل العريض !! .. وستستمر هذه المسرحيه الفاضحه وسيستمر هذا الخداع والدجل والتلاعب بالألفاظ والشعارات إلى ما شاء الله ولكن الشئ المؤكد هو أن  نور الشمس لا يمكن بحال تغطيته بالغربال أو كمن قال   :

 

(( إنك تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت .. وتستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت .. ولكنك لن تستطيع أبدا ً أن تخدع كل الناس كل الوقت  ! )) .

 

كتبه إليكم في 21 / 6 / ‏2005‏‏

أخوكم المحب : سليم الرقـعــي

 

(*) ذكرت في أكثر من مقالة السر الحقيقي وراء إستمساك القذافي وولده بهذه النظام " الجماهيري " الفضاض وبالإدعاء الرسمي القائل بأن السلطة والثروة والسلاح في ليبيا هي بيد الشعب .. حيث ذكرت بأن السر لايكمن في قناعتهم بالفعل أن هذا النظام هو الحق التام أو أنه هو النظام الذي تتحقق فيه الديموقراطيه بالفعل بل السر الحقيقي يكمن في أن هذا النظام الفضفاض المهلهل غير المفهوم وغير الدستوري هو مايتيح لهم عمليا ً التمتع بصلاحيات واسعه ومطلقه – تحت مسمى الشرعيه الثوريه - في التصرف بالشأن العام والمال العام بلا أي رقيب ولا حسيب !!

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع