16/06/2007

      


 

المؤتمر الوطني للسياسات العامة...

وصف الدواء، دون تشخيص الداء

 

بقلم: محمد علي عبدالله


 
عقد في مدينة بنغازي المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا، والذي إنعقد بين 12 و14 يونيو برعاية جامعة قاريونس بالتعاون مع مجلس التخطيط الوطني. ليس بالضروري الخوض بتفاصيل عما تناوله المؤتمر ومن شارك فيه وما هي أهدافه، فهذا المؤتمر يعتبر واحدا من العشرات من أمثاله التي تسعى بعض المنظمات التي تدعي بأنها تنقل ليبيا "من الثورة إلى الدولة"، عبر تلميع القبيح وردم أدلة الدمار وعبر استدراج بعض العناصر الوطنية التي تحاول أن تتبنى أي برنامج يحمل شعارات إصلاحية للوضع القائم، وليس الغرض هنا هو التشكيك في نوايا هذه النخب من أبناء ليبيا الشرفاء، ولكن الغرض هو إبراز الحقيقة التي يحاول النظام إخفاءها عبر الإختباء وراء بعض جهود هؤلاء الوطنيين، وإستخدام مثل هذه البرامج كطوق نجاة لنظام القذافي وأولاده والوصول به إلى شاطئ التمكين والاستمرار.
 
والأمر الذي يحزنني من خلال قراءة محاضر هذه الجلسات وأوراق العمل والبحوث والتحليلات التي قدمها بعض المشاركين في هذا المؤتمر وهم من خيرة أبناء ليبيا وأكثرها تعليماً وأبرزها دورا في القيادات المدنية التي لم تنخرط في صفوف عناصر النظام الهمجية من اللجان الثورية وغيرها من العصابات، ومع هذا.. فقد خلت محتويات جميع ما قدم من دارسات في ذلك اللقاء من استعراض الأسباب الحقيقية للمشاكل التي تعاني منها البلاد.
 
فأحد الأوراق التي قدمت ضمنها مقدمها خلاصة رأيه بقوله: "خلاصة الرأي هي أنّه بالرغم من أن ليبيا قد انضمّت إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة الفساد حسب ما تمت الإشارة إليه؛ فإن وضع ليبيا علي مقياس الشفافية الدولية لا يزال يقع بالقرب من أسفل السلّم..."، واستشهدت الورقة بالعديد من الإحصائيات والأدلة التي تعكس مستوى الفساد الإداري والمالي الذي وصلت إليه مؤسسات وشركات الدولة في ليبيا. ولكن الأمر الذي تجاهلته الورقة مثل غيرها من الأوراق التي قدمت في هذا اللقاء، هو الاستشهاد بالإحصائيات التي تعكس مدى الفساد الذي تمارسه قيادة هذا النظام والإجراءات التي يتخذها قائدها وأبناؤه بشكل مستمر من أجل نهب أموال الشعب الليبي وضمان بقاء هذه العصابة في السلطة عن طريق تثبيت العناصر الموالية لها والتي لن تقف عقبة أمام استمرارية نقل البلاد من "الثورة إلى الهاوية".
 
فلماذا لم تتناول أي ورقة من الأوراق المقدمة في الإحصائيات التي وردت في تقارير مصرف ليبيا المركزي ووزارة الخزانة وصندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات الدولية عن أموال ليبيا المنهوبة بالتفصيل. فعلى سبيل المثال، هناك تقارير رسمية من قبل بعض مؤسسات النظام والمنظمات الدولية والتي تشمل الفترة منذ وقوع الإنقلاب وحتى 1990م، تدل على أن هناك أكثر من 69 مليار دولار من خزانة الدولة في ليبيا غير معروف أين ذهبت. هذا المبلغ لا يشمل الأموال التي بعثرها النظام عبر مشاريعه الفاشلة والصناديق التي كان يؤسسها تحت غطاءات عدة ولكن كان الغرض منها بعثرة أموال الشعب الليبي وراء شهوات القذافي ونظامه مثل مصروفات الحروب في أفريقيا، ومشروع النهر الصناعي وغيرها وغيرها...
 
وعلى الصعيد القضائي، قدمت ورقة ورد فيها عبارة أن النظام القضائي يحتاج إلى غربلة وشفافية ومساءلة المنحرفين، وأضافت بأن إستقلالية القضاء يجب أن لا يكون شعاراً فقط ولكن هو بند أساس من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية. ولكن مرة أخرى، لم تتطرق الورقة كغيرها من الأوراق، إلى معظم حالات التدخل في قرارات المحاكم والقضاء في ليبيا، ومن هو الذي يقف وراءها ومن هو الذي يحكم ويقرر كيف ومتى سيحاكم أبناء الشعب الليبي بشكل مطلق وفردي.
 
ومن هو الذي أسس محكمة الشعب، ومن هو الذي قرر إلغاءها وإستبدالها بمسميات أخرى.. من هو الذي وراء اصدار الأحكام على أبناء ليبيا الشرفاء الذين تم إعتقالهم وإعدامهم وإحتجازهم، ناهيك عن الذين لم يحضوا بالمثول حتى أمام هذه المحاكم الزائفة؟ ومن هو الذي يعلن عن نتائج المحاكمات قبل حتى أن تعقد المحكمة ؟ إن هذه الأسئلة، وغيرها كثير، لابد أن تطرح إما من الاخوة البحاث، أو من المشاركين لكي تحقق الأبحاث أغراضها في استجلاء حقائق الأوضاع الراهنة وتشخيص الأدواء حتى يتسنى رسم السياسات التى يمكن أن تقود إلى أصل الداء وتهيئ بتركيز الجهود لاستئصاله.
 
هذه بعض الإشارات الموجزة لبعض ما جرى في هذا المؤتمر الذي برزت فيه كغيره مساعي المخططين له في استغلال جهود الاكادميين والباحثين من أبناء الوطن وتجييرها لتلميع محاولات الإلتفاف على استحقاقات شعبنا في التخلص من مكامن الداء وأصل البلاء، وسعي تلك الجهات المستمر لإبعاد المجرمين والمفسدين الحقيقيين عن المسؤولية ووصف الوضع بغير ما هو عليه، وهذا لن يؤدي إلى شيء سوى تمديد عمر هذا النظام وإعطائه الشرعية التي لم يكتسبها أصلا، ولا يستحقها فعلا.
 
محمد علي عبدالله

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com