30/06/2007

      


 
الطبيب الليبي والنخاسة ... والعيب !!   (المكاشفة 2)
 
بقلم: محمد الجراح

 
قالوا لنا منذ زمن أن التفاحة الفاسدة بقلب مجموعة التفاح ستفسد كل التفاح, وقالوا لنا أيضاً أن الناس كالمعادن, وكذلك الكلب يفرح أبرزية هله, والكلب حيوان حدود غرائزه تبقى بحدود خلقه فطرتاً, وتعلمنا أن لا أحد يأخذ نصيب الأخر وعلمونا ذلك ببساطة عند الأكل (أليي أخـــدا قسمه إينزل عينه) وعلمونا قواعد العيب وما هو العيب, وقالوا لنا تعريفات هامة عن الوطن والتضحية والجهاد بالنفس بسبيله, ولكنني لا أتذكر يوماً أنهم حكوا لنا عن (الحرية) فهل حكوا لك أنت عن الحرية ؟ وربما فطرتاً وأرثاً لم نفهم معنى تلك الحرية برغم وجود جوهرها بكل أطيافنا الوجودية بهذه الحياة ...فمقياسنا الأبوي له حدوده المشروطة فمن الأب الشرعي حتى العم والخال الى المدرس بالمدرسة حتى (سي لفقـــي) بالمسجد ,الى جارنا الكبير بالشارع الى شيخ المحلة أو الحي حتى الى الوالي أو الحاكم ... فكل هؤلاء يمثلون الأبوية بكل شروطها وحدودها لدينا وهم من يكرس لنا معاني العيب والحرام والخطاء والصواب فطرتاً وتفصيلاً, ومن هنا فبنائنا الإجتماعي يمكنه أن يذهب بنا للبعيد وأيضاً للصعود بنقاء نحو الأفاق, فهل ما تم بنا ذلك ؟ أم وسائل التخريب أصبحت بشعة المراس حولنا, لنكون بواقع غير ما نتمنى ؟ إذا فالعيب هو دلالة واضحة للمسار وحالة فقدانه بيننا هو إشارة هامة للسقوط نحو منحدر وهاوية سحيقة.
 
العلم نور والجهل ظلام, قاعدة بسيطة للنهوض, ومن يملكها إفتراضاً يكون عالماً بأمور العيب جميعها القاعدة العليا المحيط, ولكن القاعدة الأخرى النقيض هي (لكل قاعدة شواذ) فهل هذه الأخيرة هي وجه للعموم والتعميم لدينا ؟ أي هل فقدنا جميعاً إفتراضيات التعليم والتعلم وإكتساب خبرتنا الإجتماعية, والأساس الجوهر (معرفة العيب) ؟... وهل نسلم بأن كل الشروط الأبوبية وروادها لدينا هم أهلاً للمعرفة فطرتاً وتعلم أو وراثتاً لتتحلى بشروط واجبة يقيناً أن هؤلاء جميعاً هم من يعرف العيب أولاً, (فسي لفقي) ليس من المعقول أنه لا يعرف العيب (القاعدة البسيطة بالمجتمع ككل), وخصوصاً أنه يحمل كتاب الله ويعلمه, وأيضاً أكبر رجالات الحي وكذلك الأب الشرعي لنا, فالخلل بهذه الظاهرة سيصبح مع مرور الوقت كارثة تلتف حولنا, ولننزاح بالواقع الى المجتمع الكلابي الغريب الأطوار عن فطرتنا الإنسانية كجانب آخر مغاير عن واقعنا, ولنصبح ذات إعاقات إجتماعية غاية بالتطرف الإنساني والتخلف .. الأب الشرعي, رجل الحي, سي الفقي (أو صاحب العلم), ثلاثتهم ركيزة مهمة لدينا, فلو أنحدروا جميعهم الى الرذيلة فماذا سيحدث ؟
 
الفقر ليس سبباً بتحلل أخلاق المجتمع عموماً, وبحصول هذا التحلل الإخلاقي يعني أن دائرة التخريب حولنا هي قوية لدرجة خطيرة .. ودليل غياب ركائز المجتمع الأبوي الصحيحة لدينا ... فهل سي الفقي سيسرق صغار الحي بوجود مسببات الفقر ؟ ربما !! هل استحوذ سي الفقي على كسرات الخبز والزيت مما لدى تلاميذ حييه ليأكلها ؟ ... أن حالة سي الفقي الغريزية هنا قريبة جداً للكلب والفقر هنا سيصبح ليس أساساً لتحول الإنسان الى حيوان وكلب ... ولهذا فالحرب قائمة ضد الفقر ومسبباته داخل المجتمعات المتقدمة وبرغم إننا نملك كمجتمعات إسلامية أقدم قاعدة بهذا المقام (والله لو أن الفقر رجلاً لقتله), وهذا القول جاء على لسان أمير للمسلمين حقيقي متعلم واعي يعرف العيب وركائزة بالتمام.
 
هل ليبيا ومجتمعها ككل مصابة بهذه الافة (الفقر) ؟ الدلائل تشير بنعم كبيرة غير قابلة للجدل أوالحساب الرقمي !! ولنفترض هنا أن هذه الليبيا لا مقومات للغنى أو الرفاهية بها, فلا ثروة نفطية أو موقع جغرافي ولا أرض كبيرة ولا شمس ولا ريح بها , دولة الله غالب صحراء جرداء لا مطر ولا ماء, ومن هنا نفترض الفقر وعمومه, ولكن هل فقدنا المرجعية الأبوية كاليبيين ؟ أي بغياب أقطاب المجتمع الكبار, اقصد ممن يفترض أنهم على دراية ومعرفة بالعيب والصواب والخطاء ... لنبقى غابة يسيطر بها القوي على الضعيف أمام هذا المشهد الفقر ؟
 
إن الخلل ليس بالعموم بهذا الفقر فقط, فكم من المجتمعات الفقيرة قفزت بفضل أبنائها للعلا والتقدم والرفاهية والتماسك الإجتماعي, هل لدى هؤلاء ركائز صحيحة لمعرفة العيب ؟ هل ما لدينا من حالة إنحدار مؤسف سببه أمور غير مرئية ؟ ولكننا نراها مرئية بعالم تنكشف به دهاليز الأمور يوماً بعد يوم وبتسارع فائق الحركة ..فأين الخلل بنا ؟ هل هو السيطرة الغاشمة على مجرى أمورنا ؟ ولنفصل ها هنا ركائز المجتمع الأبوي وبإفتراض تعطيل كبيره وأحد فروعه الهامة , أي لنفترض أن قمة الهرم فاسدة نزقة أنانية , فهل يصح أن باقي الفروع الأبوية ستتحول الى ذلك ؟ أي بحالة الفصل تلك (المجتمع الأبوي) هل تضيع أيضاً خاصية التعلم والعلم وينحدر أصحابه جميعهم من العلماء وأصحاب المشورة والدين, ولتكون صور مجتمعنا طلاء لا غير .. ( علم , أرض, دولة, حدود, شعب ) ؟.
 
فالجميع يعرف بالتمام أن الوالي أو الحاكم هو شخص نزق تعب نفسياً يبدد ثروة البلاد, أناني الطباع لدرجة قصوى يضن أنها تخصه هو فقط (بقانـــون وضع اليد) الذي يمارسه دون أي خجل على مقدرات البلاد !! أجل فكل المحصول والحصاد يقبض عليه ويعتبره من أملاكه هو فقط, ويا ليته تخصص بهذه المقدرات فقط بل واصبح واضعاً لليد المسخة حتى على الأرواح والبشر, وأيضاً أصبح مركزاً لعمليات التخريب نحو كل الفئات والطبقات بالمجتمع , أجل إنها عمليات تخريب غاية بالخطورة داخل المجتمع الليبي .. والنتيجة والدليل عن ما نراه أمامنا كواقع مأسوي واضح الخسة والخبث والمؤامرة الدنيئة للتخريب, ومتناسياً هذا ألظلامي الأسود الأرض التي يقف عليها بالتمام, ومتجاهلاً أيضاً مسؤولية الحلال والحرام والعيب ولقاء يوم القيامة ويوم الحساب الكبير, وليتضح للجميع وبكافة المستويات أنه عتل زنيم ذات مستوى عالي من الجريمة المنظمة.
 
ولكن الوجه الأخر للسؤال هنا هل كل أبناء هذه البلاد أصبحوا بتقليد أعمى لهذا الحاكم ؟ وبغياب الركيزة الحقيقية للعيب, وهل وصلت أدوات التخريب تلك لكل البقع والأنفس, ولندلل هنا وببساطة على فقهاء القوم ورجالات العلم من الشريحة المفترض واعية لدينا كاليبيين, وهم أولئك الحكماء والدكاترة والأطباء وأصحاب الحل والربط بالمسائل العليا التعليمية والمراضية لدى مجتمع ضربه الفقر والتشويه المستمر ومن تم أصبح يعاني من العديد والعديد من أمراض التجهيل والأمية والأمراض الجسدية بل والنفسية أمام واقع هذا الفقر, أقول أمام واقع هذا الفقر والتخريب ... ولا أنكر أن هناك حدث تسلسلي لتلك الشريحة ولهؤلاء الإطباء, أو تلك الفخاخ المرسومة بدقة متناهية لهم بداخل البلاد, 1-الإذلال والإهانة المستمرة لهم وبشكل علني ومدروس للوصول لبشر من هلام, 2- وبعدم تقديرهم وبتوفير مزايا إعتيادية لهم كأطباء ودكاترة وليكونوا هم أنفسهم داخل دائرة التفقير والتي تحيط بكل أبناء البلاد كافة 3- وذلك بتدني رواتبهم لحدود غير معقولة أو حتى مقبولة وبشكل خسيس, وليكون هؤلاء مع مرور الوقت أداة أخرى للضد موجهة لباقى أبناء المجتمع, 4- التضييق عليهم المستمر إدارياً, وذلك بإفتعال العديد والعديد من الممارسات ضدهم من تحقيرهم وإشعارهم بالدونية دائماً, 5-عدم إتاحة الفرص الواجبة لتطويرهم أكاديميا, 6- تردي الأوضاع الصحية بالعموم داخل المستشفيات ونقص الخدمات والتجهيزات الطبية, وتفاقم الأوضاع الصحية بداخل البلاد والإزدياد المستمر بالحالات المرضية مما تفاقم الجهد اليومي لهؤلاء الغير معقول , دون أي مقابل أو مميزات إعتيادية طبيعية لهم 7- وكان سبب تدني المستوى المعيشي لهؤلاء الشريحة المهمة بتدني أفاقهم العلمية والطبية لخدمة المجتمع وأبنائه مما أثر على أدائهم الطبي وفقدان الثقة بهم, 8- ونزوح أبناء المجتمع أمام الحالات المرضية الخطيرة والغير خطيرة لغيرهم بدول الجوار, ومن مدخاراتهم البسيطة أو بالصدقات 9- وليصبح هؤلاء الأطباء أمام الحاجات الماسة للحياة أمام خيرات غاية بالتعقيد, 10- وليصبح دورهم هنا النقيض بالتمام وليتحولوا لأداة سلب خطيرة داخل ما يسمى العيادات الخاصة, وبداخل مجتمع يوصف بالفقر وأشكاله كافة, وبرغم أدوات التجميل والطلاء الى تحاك وتصنع الأن بداخل بوتقة وشلا ليت هذا النظام الفاسد.
 
إذا هناك العديد من الدوائر التي يجب التبيه عليها كظواهر أصبحت خطيرة لتركيع البلاد بالكامل وبتوفير كافة أنواع المؤامرات الخسيسة, ولنعرف تلقائياً أسباب هذا الصمت المخيف المحزن من أبناء هذه البلاد على هذا الفساد وأشكاله التي أصبحت عديدة وعديدة, فليس الإكراه فقط ببندفية الغدر الموجه لأبناء البلاد, بل الأدوات الخسيسة لتفوق تلك البندقية والعصى والتي يحملها أيضاً أبن البلد ضد أبن البلد ... وليصبح تقليد الحاكم بمرض الانانية وحب الذات (والنرجسية) شعار يرفعه الجميع أمام المسؤولية العليا للبلاد , ولكنه أبضا هل غابت منا معارف العيب وتعاليمه النقية , وهل غاب أرث الأجداد النقي بمعرفة (العيب) وليكون الجرح غائراً غادراً بألا رجوع ؟ هل كان الطبيب الليبي المتعلم هو أيضاً أداة أخرى موجه نحو وجه أبن البلد الغلبان التعبان, هل يتم ذلك بالفعل داخل ليبيا ؟ وليقذف الحجر الواحد أكثر من هدف بأفق البلاد ؟.
 
هل دخلتم أيها الطبقة المتعلمة للمنحرف , ولتتحولوا كأشباح تحركهم عصى خفـــية عليا, ولتكونوا أنتم أيضاً مجزرة أخرى على نواصي شوارع ليبيا, أجل الواقع يقول ذلك, فعملية الإجترار التي تحدث بداخل عياداتكم الخاصة خير الدليل, وبواقع لا يدعوننا للشك لبرهة واحدة , ولتصبحوا معاول أخرى لضرب وجوه أبناء البلاد, فلماذا ؟ هل أصبحت التعاليم (العيب) مغيبة حتى على من يضع نظارة طبية وثوب أبيض نقي بالمفترض ؟ أقول (العيب) ولا أذكر تعاليمنا الإسلامية السمحاء والتي ربما تربينا عليها كلنا ... أما الصلاة بمساجدنا أصبحت وثنية ذات حركة بالإعتياد والعادة فقط ؟ فهل مظاهر الحياة الرخيصة هي أقوى أمام المقدس من العمل الواجب أمام الله, والوطن والحالة الإنسانية البحثة بواقع البلاد وأبنائها ؟
 
إننا نعترف أنكم تعانون من الفاقة والعوز, وليس من مقام من سهر وتعلم ذلك, ولا يمكن أيضاً أن يقطع أي كان يده أو جزء من جسده, فالكل جسد واحد , ولكن هل أصبح الكل فرادا ؟ وليصبح شعار الجميع الجري وراء السراب والثراء السريع أمام زينة حياة مضحكة بليبيا ؟ النتيجة النهائية ستكون التبخر وليعود بنا التاريخ لعصر قوم لوط, بتاريخ الفوضى الحيوانية اللإنسانية بالتمام, فهل نحن سائرون دون أن ندري أو ندري لذلك المسار؟
 
تقول الواقعة المليون أنه مواطن ليبي, دخل مضطراً بأبنه المريض الى عيادة خاصة, دفع عند الإستقبال خمسة عشر ديناراً جماهيراً, طلب منه تحليل دم وبول لأبنه المريض بشدة, سأل عن سعر ذلك التحليل بتلك العيادة فوجد الثمن يصل الى اثنان وعشرون ديناراً جماهيراً عتيداً , فرحل عن تلك العيادة ولم يكمل المشوار العلاجي لأبنه لأنه لا يملك بجيبه العتيد إلا ثلاثون ديناراُ لا غير ببداية العاشر من الشهر الجماهيري السعيد .. أدار غاز منزله ليطبخ (الكمون الحلو) لأبنه المريض, طالباً من الله فقط العناية الإلهية بالصبي المريض.
 
تقول الواقعة الحادية والعشرون بعد المليون أن امرأة ليبية متعلمة قد طبخت نبتة (عشبة الأرنب) لشدة الألم الكلوي الذي تعانيه, ولعدم توفر المال اللازم للعلاج بعيادة خاصة, وشربت تلك الطبخة لترتاح, فلم يأتي الصباح حتى أرتاحت نهائياً من الألم ولتفقد حياتها أيضاً, وليصبح أطفالها يتمامى الأم وأيضاً الوطن.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
محمد الجراح / ليبيا
Freebird_freeland@yahoo.com

حركة العصيان المدني بليبيا
 


أرشيف الكـاتب


جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com