18/06/2007

      


الديموغوجيه نظام الجماهيريه

 

بقلم: مختار محمد كعبار


 
تفرد الشعب اليونانى عن باقى شعوب العالم بالرياده فى مجال الديمقراطيه وأنماط الحكم والنظم السياسيه، واوصل لنا العديد من المصطلحات التى لازالت تُستخدم الى يومنا هذا، ومنها مصطلح (الديموغوجيه) التى قيل أن افلاطون اطلقها على حكام أثينا فى ذلك الوقت، والتى نحن بصدد التحدث عنها، والديموغوجيه تعنى (ديموس) الشعب (غوجيه) القائد اي انها تعنى (الشعب القائد)، او كما يقال فى الجماهيريه الشعب يقود نفسه بنفسه، او السلطه بيد الشعب او السلطه الشعبيه، او الشعب يحكم نفسه بنفسه وغيره من التسميات التمويهيه.
 
يقول الكاتب والمحلل السياسى الأمريكى ويليام فاف: (ولو حاولنا إعطاء تعريف للديموغوجية سنجد أنها تعني عادة الاستخدام المقصود لاستراتيجية معينة لتحقيق التطلعات السياسية، أو لاكتساب السلطة والمال لذاتهما وليس من أجل خدمة الآخر أو المجتمع)، وهذا فعلاً ما ينطبق على النظام فى الجماهيريه.
 
والأنظمه الديموغوجيه تعتمد أساليب التعبئه الخاطئه، وفنون الدعايه والحيل السياسية والمهارات الخطابيه المثيره للعواطف وذلك للسيطره على انفعالات الجماهير وشراء طموحاتهم، ويستخدمها الساسه او من يُسمون بالثوريين لبيع الأحلام الورديه، التى تدغدغ مشاعر وعواطف واسماع الشعب وخداعه بشعارات زائفه وكاذبه، ومظاهر براقة خداعه ووعود خياليه سرابيه لايقصد ولايمكن تحقيقها فى اكثر الحالات، ومن ثم تضليل الشعب وتوجيهه نحو المسار الذى يريده هؤلاء الساسه او الحكام.
 
والديموغوجيون دائماً يدٌعون بانهم يعملون لصالح الشعب وباسم الشعب، للحصول على تأييد الناس لهم، ولكنهم فى حقيقة الأمر يسعون بهذه الوسائل الديموغوجيه التى تخلو من اى مصداقيه اخلاقيه الى الوصول لسدة الحكم والتمكُن من السيطرة على الدولة والشعب فى آن واحد، وذلك باستقطاب الجماهير والتفاف الشعب حولهم نتيجة تصديق الناس دون وعى لطروحاتهم الجوفاء وشعاراتهم الرنانه، والنظم الديموغوجيه فى العموم تعتمد فى نجاحها على جهل الشعب بالسياسه وسطحية وسذاجة تفكير البسطاء من الناس، وقابلية استعدادهم لتصديق الطروحات الفضفاضه والشعارات البراقه، لعدم فهم الجماهير للعبة الديموغوجيون وسياساتهم الخادعه.
 
حتى ينجح الديموغوجيون فى عصرنا هذا لاستخدام وسائلهم الديموغوجيه لخداع الجماهير وتمرير أهدافهم ومآربهم، يعمدون للسيطره الكامله على المؤسسات الثقافيه والإعلام بكافة وسائله المكتوبه (المقرؤه) والمسموعه والمرئيه، واخضاع العاملين فى هذا القطاع بالعمل والانخراط فى مشروعهم الخطابى الحماسى العاطفى لإلهاب مشاعر الجماهير والاستحواذ على (لا وعيها) وتوجيه انفعالاتها نحو الهدف الذى يرسمه الديموغوجيون للمتاجره بمصالح الشعب، وصياغة ثقافه معينه تخدم اهدافهم وتدعم شعبيتهم باستغلال الجماهير للاحتفاظ بالسلطه المطلقه، وتكون عادة سِمات هذه الثقافة البائسه: الكذب والدجل والتدليس والدعايه، والنزوع الى استعمال الأوصاف المشينه وتوجيه الاتهامات الكاذبه والباطله ضد معارضيهم وخصومهم مثل: القوى الرجعيه والخونه والعملاء والمخربين والقوى المعوقه وغيرها من الأوصاف.
 
كما يعمد الديموغوجيون الى تطويع واخضاع المؤسسات التعليميه لتوجيهها بشكل يخدم أهدافهم وأهمها: أفراغ التعليم من محتواه وكفاءاته وكوادره المتعلمه ومحاربة الأبداع الفكرى والعلمى ونشر الجهالات وتقويض التعليم بإيجاد مناهج بديله ضعيفه مشوشه ومهزوزه وجعل التعليم مؤسسة تجهيليه لتفريخ الجهلة واشباه الاميين وأنصاف المتعلمين، وذلك لحاجتهم لشعب جاهل وساذج بسيط يتقبل اكاذيبهم وشعاراتهم الزائفه ومقولاتهم السفسطائيه *، ومن خلال هذا يسيطرون على مجمل الحياة السياسيه والاقتصاديه للبلاد التى يحكمونها وخلق هيمنة بيروقراطية للدوله والتحكم السلطوي على الإقتصاد وسائر المجالات الأخرى فى المجتمع.
 
والديموغوجيون لا يقبلون بالحوار او النقاش او اى نوع من المعارضه، ويستخدمون اسلوب (اللفَّ والدوران) فى خطاباتهم فيشوهون الحقائق ويغيرون ويحورون في الكلام، ويستبدلون المفردات بأخرى مستحدثه وغريبة، ويطرحون تفسيرات مغايره تماماً ومقولات جديده مستحدثه غير مالوفه للناس، ويصوغون طروحات كما يحلوُ او يتهاُ لهم، والمبدأ الديموغوجى فى عصرنا استخدم الشعارات القوميه لفترة من الزمن، الى جانب أنه يستخدم الشعارات السياسيه السقيمه والخشبيه، والشعارات الدينيه لاضفاء نوع من الملائكيه على اساليبهم ودعواتهم، وذلك لإثارة العواطف الدينيه لدى العامه من الناس من البسطاء والجهله لان الدين بطبيعته يحاكى الفطره فى البشر.
 
يخلق الديموغوجيون طبقة إجتماعيه حاكمه فاسده من ارذل الناس، تستغل موقعها السلطوى وتمارس سيطرتها على الشعب بوسائل الخداع السياسي عبر الدعاية اليومية وتنظيم الانتفاضات والمسيرات الجماهيرية والشعبيه، وقد تجنح هذه الطبقه الحاكمه المتسلطه لأعمال الترويع والعنف السياسى ضدالشعب نفسه او الحركات السياسيه الأخرى اذا ماوجدت معارضه لها، أذ إن الترابط العضوي بين الديموغوجية والعنف يقود حتماً إلى العنف السياسى، بل أنه يكون حالة ضرورية لا غنى عنها للسيطره على الجماهير فى بعض الحالات وبالتالى التمكين فى الحكم، كما انهم يغالون فى تعظيم وتمجيد ذاتهم لحالة الغرور التى تسيطر عليهم نتيجة التفرد والأستفراد بالحكم، وكأن العناية الالهيه قد أختارتهم لتحقيق سعادة البشريه والجماهير، وجعل أنفسهم طواطم مقدسه لا يسمح بالمساس بها او نقدها وفى حالة اى فشل فانه ينسب للجماهير بأنها لم تؤدى دورها كما يجب.
 
يقول المفكر والكاتب عبد السلام جوزينوف فى مقالة نشرت له فى شهر اغسطس 2005م: (تكمن نتيجة الديموغوجية الاجتماعية في عملية التمجيد الذاتي الذي بسببه يتصور فرد او مجموعةٌ من البشر أنفسهم أكثر ممَّا هم عليه فعلاً).
 
مختار محمد كعبار
mmkrespect@yahoo.co.uk
عضو المجلس الوطني لقيادة حزب إتلاف الوحدة (احترام)
عضو الاتحاد الوطني لصحفيي بريطانيا وايرلندا

 


* السفسطائيه: أقصد بها هنا ترتيب ورص الكلام بلا طائل ولا فائده.

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com