13/06/2007

      


حول موضوعة تأسيس حزب اسلامي تونسي جديد...

 

بقلم: مرسل الكسيبي *


 
طرحت نظريا وقبل عدة سنوات فكرة الالتقاء على أرضية تأسيس تيار اسلامي وسطي تونسي جديد, وقد كتبت حول هذه الموضوعة العشرات من المقالات التي يمكن مراجعتها على أكثر من موقع وصحيفة عربية, غير أن الدافع الكبير في طرحي لهذا الموضوع الحساس هو تفكيك حالة الاستقطاب الثنائي الحاصلة في حياتنا العامة جراء الاشتباك القائم بين التيار العلماني والتيار الاسلامي الوسطي ممثلا في حركة النهضة التونسية, هذا علاوة على الرغبة في تخفيف الضغط على تيار الوسطية الاسلامية عبر توزيع مساهماته وعطاءاته على أكثر من حقل وميدان مما يطمئن الحزب الحاكم والجهات السياسية القائمة تجاه مرونة الظاهرة وقابليتها لخيار التعدد والانخراط في مشاريع تجديدية ومشاركة.
 
العودة الى الموضوع من قبل البعض على خلفية الرغبة في ضرب حركة النهضة واظهارها بمظهر التيار المغالب الذي يرفض التجديد في خياراته ومؤسساته ,ليس في تقديرنا عملا بريئا أو وطنيا مقبولا ولاسيما عندما يتزامن مع انتهاء أشغال مؤتمر الحركة الثامن في ظل خيار واضح للسعي نحو الأخذ بأسباب المصالحة وايقاف النزيف الحقوقي والسياسي الحاصل بالبلاد ...
 
يعلم الجميع ممن تابع كتاباتي على مدار المئات من المقالات والبحوث والدراسات التي خططتها من باب الرغبة في اثراء النقاش الفكري والسياسي في تونس ومن ثمة محاولة الخروج برؤية جديدة من شأنها أن تيسر لنا ماأسميته في واحد من مقالاتي بنظرية للطريق الثالث, يعلم كل هؤلاء القراء الأفاضل بأنني كنت واحدا من الذين رفضوا الخضوع للتقليد والاكتفاء بما هو موجود والتسليم بمقاليد الأمور لمن أسميتهم بمحتكري الصناعة السياسية ...
 
غير أن متابعتي الدقيقة للتطورات الميدانية وجملة الأخلاقيات التي تربيت عليها تمنعني صراحة بأن أكون خنجرا في ظهر اخواني من أجل تشييد جسم قد يكون في اللحظة الحالية مطلبا سلطويا ملحا من أجل تفتيت تيار النهضة وشرذمته واعلان "وفاته" الاصطناعية ومن ثمة الاحتفال بمشهد ثالث في المسرحية السياسية التونسية ...
 
نعم لتأسيس تيار اسلامي جديد ولكن في ظرف مختلف عن الظرف الحالي , حين تكون الظروف سانحة للتونسيين بالتشكل الطبيعي والتنظم الحر, وهو مايعطي مصداقية حقيقية ووطنية مشرفة لهذا المولود الجديد.
 
أما حين يكون هذا التيار بطلب من أجنحة معادية للديمقراطية والاصلاح تمثل جناحا راديكاليا داخل السلطة, لنفرز تيارا اسلاميا مشوها ومشبوها يتزعمه من يتلهث على دور غير طبيعي في الحياة العامة, فاننا بذلك نكون قد استنسخنا تجربة الاتحاد الديمقراطي الوحدوي بقيادة عبد الرحمن التليلي حين طلب منه هذا الدور قصد ضرب التيار القومي الأصيل في مجتمعنا التونسي ...
 
من حق الجميع أن يبدي رأيه بحرية في حركة النهضة أو غيرها من التيارات والأحزاب, ومن حق الجميع أن يبدي رأيه في التجمع الدستوري الديمقراطي كحزب حاكم قد يختلف معه الكثيرون, ولكن ليس من حق أي وطني غيور ضرب النهضة أو كسر لحمة التجمعيين والتفافهم حول مشروع حزبهم من منطلق انهم حزب حاكم احتكر السلطة على مدار أكثر من نصف قرن ...
 
من حقنا جميعا أن نطالب باصلاح الحزب الحاكم كحزب وطني عريق, بل من واجبنا أن نفعل ذلك, لكننا لانريد له تمزيقا أو تشتيتا أو تخريبا من منطلق يؤمن بعراقة وأهمية هذا الحزب في الحياة العامة, كما أنه من واجبنا أن نستمر في مطالبة حزب النهضة بتطوير خطابه وممارسته والارتقاء بها على نحو يشرف تونس والتونسيين ولكن ليس من حقنا أن نقدح في انتخاباته الداخلية أو طرق تصعيده القيادي, فهذا أمر يخص كوادره وأعضاءه ...
 
ان في الاضعاف الكيدي والتامري للأحزاب الوطنية, من منطلقات اللهث وراء الزعامة ولعب أدوار بارزة تحت الأضواء الكاشفة, ان في ذلك لعبة قذرة لابد أن نرتفع بالنفس عنها مهما كانت خلافاتنا مع أي حزب تونسي قائم ...
 
الأحزاب القائمة مكسب وطني لتونس وشعبها ماابتعدت عن استعمال العنف كوسيلة لتصفية الخلافات السياسية , بل انها عمود فقري من اجل ضبط الظاهرة السياسية وعدم تمييعها في مجرد طروحات نظرية لاتلتف حولها الجماهير.
 
خلاصة القول أن الساحة التونسية ستشهد قطعا يوما ما ميلاد تيار اسلامي وسطي ثاني وثالث وربما رابع ,ولسنا في هذا بمعزل عما يحيط بالظاهرة الاسلامية الوسطية المعتدلة من تحولات وتشكلات في كافة أرجاء المنطقة المغاربية والعربية والاسلامية, ولكن قطعا ليس في هذا الظرف المتسم بالانغلاق والسطو على الحياة العامة من قبل أقليات تحتكر النفوذ من منطلقات معادية للاصلاح والتطوير واعادة البناء على أرضية المشاركة والمساهمة ...
 
انها سنن الله في كونه غلابة , ومرحبا بتطورات طبيعية تشق ظواهرنا السياسية والمجتمعية ولكن مع الحفاظ على أواصر التعاون والتنسيق والتازر الوطني والاسلامي والانساني بين مكونات الفضاء الرسمي والمعارض...
 
 
حرر بتاريخ 13 جوان 2007 - 28 جمادى الأولى 1428 هـ.
 

* لمراسلة الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية يرجى المكاتبة اليكترونيا على العنوان الاتي:

 reporteur2005@yahoo.de     http://www.tunisalwasat.info

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com