الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

17/05/05


 

 

                                العداله فى ديمقراطية الطبيعه

يعجبني البحر في جماله وبهائه, وجلاله ولا نهايته, ويعجبني كذلك في ديمقراطيته, فهو لا يسمح لأحد أن ينغمس في مائه إلا  إذا تجرد من كل المظاهر الكاذبة التي خلقتها المدنية, يجب أن يتجرد أولاً من ملابسه التي تميز بين الغني والفقير, ومن ريائه ونفاقه ومظاهره التي اصطنعها ليجعل من الناس طبقات
يتحكم بعضها في البعض.


ففي البحر تتساوى الرؤس,لا غني ولا فقير, ولا ذو جاه ولا عديم الجاه ولا عالم ولا جاهل. ولا حاكم ولا محكوم, لا يتميزون بشيء إلا بلباس البحر, فيسدل بمائة الأزرق الجميل ستار على كل أثواب الرياء  ثم يرسل أمواجه تداعب الناس على السواء, فتغازل الأسود كما تغازل الأبيض, وتصفع الجميل كما تصفع القبيح, وتعبث بلحية العالم, كما تلعب برأس الجاهل, وأحياناً يهج هائجة, وتثور حفيظته, فيزفر من الغضب, وينتفخ ويرتعد, ويرقص من غير طرب, وهو في هذه لا ينسى ديمقراطيته, يأتي للباخرة الضخمة قد أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليه فيبتلعها في لحظة, لا تغني عنه محصنات العلم القديم ولا الأجهزة الحديثة, كما يبتلع أحياناً صبياً وديعاً وشيخاً ضعيفاً, ليبرهن أنه لا يعبأ بقوة ولا ضعف, ولا يرحم ضعف أعزل, سواء هو في هزله وجده, وسواء هو في حلمه وغضبه ... ما أجمل البحر, وما أجله, وما ألطفه وما أقساه!

على إنه يظهر لي أن الطبيعة في جملتها ديمقراطية لا أرستقراطية, ولا أرستقراطية إلا في الإنسان الكاذب. فالشمس ترسل أشعتها الذهبية, والقمر الفضية, على الناس سواء على المؤمن والكافر, والأسود والأبيض, والغني والفقير, والكوخ الحقير والقصر الكبير.

ويأتي الجو بريح سموم فتلفح وجوه الناس على السواء لا تميز عظيماً ولا حقيراً ولا شريفاً ولا ضيعاً, ثم يأتي بريح طيبة تنعش الناس كذلك. ولا يعرف طبقات ولا يعرف أي نوع من أنواع التفاوت التي تواضع عليها الناس, ويرسل في الصيف شواظاً من النار فيدخل على الكبير في قصره. وعلى الفقير في كوخه,  فلا يهاب عظيماً ولا يحتقر وضيعاً, ويرسل في الشتاء برده القارس فلا يستطيع أن يتقيه الغني بصوفه وملابسه, ولا بمدفأته وناره, كما لا يتقيه الفقير في عدمه وبؤسه, ثم تطلع شمس جميلة, ويعتدل الجو, فتحتضن الطبيعة الناس على السواء وتكون لهم جميعاً أماً حنوناً, مشفقة باردة.

وهناك نوع من الارستقراطية غريبة, هى ارستقراطية الثوريين فالمتعلمون منهم يعدون أنفسهم- نوعاً ممتازا من الناس, يختلفون عن الشعب الليبى نوعاً من الاختلاف, ويرتفعون عليهم نوعاً من الرفعة, فالمتعلم  منهم ينظر إلى باقى الشعب نظرة فيها شيء من التعاظم, وشيء من الازدراء, وشيء من الغرور, حتى وان ساواه في  التعليم, يعطي لنفسه الحق أن تكون آراؤه في كل شيء , خير الآراء, وأن غيره لا يحق له أن يبدي رأياً بجانب رأيه, حتى فيما ليس له اختصاص فيه.

 وهذا نوع من التعالي الكذاب جعلت من المتعلمين الليبين أذكياء وأغبياء, وجعلت بين الأميين أذكياء وأغبياء, وأصيبت البلاد على يد جهلائها في أحوالها السياسية والاجتماعية أكثر مما أصيبت من المستعمر. وقد أصدر القائد الجاهل في شؤون وطنه وفي المسائل الهامة في سياسة الخارجية والداخلية حيل من القانون كلها يطالبون بها أن يكال لهم المال جزافاً, وأن يكون ميراثهم من الحكم أكبر نصيب, ويطالبون أن يكون زبدة ما تخرجه البلاد لهم وحدهم.

 إذا تحدث قائدهم عن نفسه بأنه فوق طبقات العامة الليبيه, يعرف نواقص البلاد وحلولها, وإنه يستطيع أن يشرع العرف والعادات  ويصنع أشياء من الطاقة الشمسية وينظف البيئة  من الأكياس البلاستيكية  وتمكن من إعادة الحيوانات المتوحشة التي غادرة البلاد من العصور الغابرة إلى ليبيا,  يوعد ليجعل البلاد سنغافورة ثانية في أفريقيا ففتح له شعبنا الطريق, ويخلى له السبيل وفتحت له البيوت أبوابها وبدأ التلاعب بأوضاع الناس لسخف الناس أنفسهم.


 وأخيراً نقول : ما أسعد الأمة تخفف من غلوها وفي ارستقراطيتها بجميع أنواعها, وتقلد الطبيعة في ديمقراطيتها واعتدالها فالدكتاتوري أمام قوانين الطبيعة حقير ذليل, قادرة الطبيعة أن تصفعه من حيث لا يدري وتجرفه بعيداً عن البلاد, وقادرة أيضاً أن تأتي لنا بالحرية الحقيقية وتنشر نعمها بين الشعب الليبيى جميعاً. 

اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

المقالات المنشورة بالموقع  تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع