|
لعبة الجرى الى الخلف ( مشية أهل
النار )
حين كنا صغارا كان من بين اللعب المحببة إلى نفوسنا المشي إلى الخلف، فبدل أن
يمشي الواحد منا إلى الأمام يجرب المشي إلى الخلف، وكان الكبار يحذروننا من هذه
المشية ويعللون ذلك بأنها مشية أهل النار، وكان ذلك تعليلا ذكيا يصدون به الصغار
عن هذه اللعبة فيحققون بذلك هدفين مهمين، أحدهما حفظ الصغار من الأخطار التي لا
تخلو منها تلك اللعبة من صدام مع شجرة أو جدار أو وقوع في حفرة أو غير ذلك.
والثاني تعويدهم على الإقدام والنظر إلى الأمام، . وإتيان البيوت من أبوابها وحين
كبرنا قليلا بدأ يتضح لنا شيئا فشيئا ما في المشي إلى الوراء من أخطار جمة ، وكان
وعينا بها في البداية ساذجا، لا يتعدى المخاطر الحسية والشخصية، ومع مرور الزمن
أخذ يتسع لأبعاد أكثر عمقا وأشمل استيعابا، حيث شمل الوعي بخطورة التفريط في
المكتسبات المعنوية من علم تعلمه الشخص، أو تجربة مر بها ثم بدأ الوعي بذلك يتسع
أكثر ليشمل الأبعاد الاجتماعية والحضارية على مستوى الأمم والشعوب حين يتم
التفريط في مكتسبات هامة حققها شعب أو مجتمع ما على أي صعيد من الصعد، ثم يتراجع
عنها إلى حالة سابقة عليها مثلت تجاوزا لها وقطيعة معها، فقرأنا في القرآن والسنة
تحذيرهما من ذلك التفريط في عدة مواضع منها قول الله تعالى ( أفحكم الجاهلية
يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) وقوله ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية
الأولى ) وقوله ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) وقول
النبي صلى الله عليه وسلم ( لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) وقوله (
أو بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ).
ورأينا في تاريخ الأمم والحضارات أن من
أسباب تراجعها الفكري والحضاري التفريط في مكتسباتها، والرجوع إلى فترات حالكة من
تاريخها، وأن من أسباب نهوضها - في المقابل- تصفية عناصر ميتة من ثقافتها وتمزيق
أغلال مرهقة كانت تمنعه امن الانطلاق، فرأينا كيف تراجعت معجرة اليونان العقلية –
الفلسفة – حينما أسلمت نفسها للهرمسية والعقل المستقيل في ثقافات سابقة ، وعرفنا
كيف تراجعت الأمة المسلمة عندما فرطت في مكتسباتها الحضارية، فعطلت الاجتهاد،
وتركت الإبداع، وأهملت الإقدام، واستسلمت للسبات العميق ورأينا كيف نهضت أوروبا
حينما صفت الجوانب الميتة من ثقافتها وحياتها وجعلت التقدم أساسا محوريا في
رؤيتها الحضارية، ورأينا أيضا كيف بدأ الداء يدب داخل أوصالها حينما انهارت
أخلاقها ورجعت إلى حياة الحيوان ورأينا كيف ركز دعاة النهضة والإصلاح في تاريخ
الأمة المسلمة الحديث على ضرورة الوعي بالذات وتفعيل عوامل النهوض في ثقافتها
وتجاوز أسباب نكوصها وعوائق نهضتها ممثلة في ( الأفكار الميتة في ثقافتها
والأفكار القاتلة الوافدة إليها ) حسب تعبير الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله وكان
ينبغي أن تكون تلك العظات القائم منها والداثر معالم حية تكسب وعيا مقارنا،
وتجربة ثمينة للأمة، فتنطلق إلى الأمام، متصالحة مع ذاتها، حريصة على الخطو
العريض على طريق النهضة والإنجاز.
ألحت علي هذه الأفكار والتداعيات – التي ربما تكون قد طالت وأملت بعض الشيء– وأنا
أستعرض مسلسلا طويلا جدا من التراجعات قام بتمثيله نظام القذافى مارس من خلاله
لعبة الصغار – مشية أهل النار – وكان آخر تتويج لتلك التراجعات حملات الحصار
والتطويق الحالية – التي لم تكن الأولى من نوعها - والموجهة إلى التيار الإسلامي،
هذا التيار المهم والجاد، والذي له وجوده الكبير، وحضوره المشهود في الساحة
الوطنية، والذي طالما سعى إلى الاعتراف بالوجود القانوني، وسلك السبل القانونية
لذلك، وعبر عن استعداده للانخراط في اللعبة الديمقراطية، فمنع من ذلك دون أي
مبرر، كما شهد الجميع باعتداله وسلميته، وحرصه على المصلحة الوطنية، وأصبح الأمل
الوحيد للأمة للخروج من مدلهمات الجهالة والبؤس المادي وفي الوقت الذي يقدم فيه
نظام العقيد على حصار هذا التيار بكل أنواع الحصار أصبح الغرب على المستوى
العالمي يطرح احتمالات الحوار مع هذا التيار، بل يقطع خطوات تبشر بالحوار الفعلي
معه؛ إيمانا بصعوبة تجاوزه شعبيا وسياسيا، . ويقينا بإفلاس أنظمة لم تعد تملك من
الشرعية سوى هراوة الشرطي وتلك مناسبة أخرى مارست وتمارس حكومتنا من خلالها
لعبتها المفضلة، لعبة الجري إلى الخلف، وتشير كل الدلائل إلى أنها ليست المناسبة
الأخيرة،
اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info
|