الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

23/05/05


 

 

من اين تبداء العمليه الاصلاحيه


ثمت حيرة طبيعية تنشأ من تعقيدات وتراكم المشاكل فى بلد مثل ليبيا، يرزح تحت فساد مستشر طال كل المجالات، وفى ظل سلطة ما فتئت تضيق الهوامش، بل و تقف عقبة كأداء فى وجه الإصلاح غير مترددة فى سد الآفاق أمام تطلعات المواطنين.


ان الحكم الفردى الاستبدادى هو أم المشكلات، وان ثقافة "الجبرية" التى تتم رعايتها فى ظل هذا الحكم تبقى على المجتمع فى جمود واستسلام لما هو فيه، وان النخبة -التى يراد لها ان يزداد حالها تعفنا- من الصعب أن يعول عليها لحلحلة ذلك الجمود، يتبين من خلال ذلك كله أن الإصلاح عملية جد معقدة وان انطلاقتها تتطلب خطوات مدروسة لئلا نبقى نراوح مكاننا فى حلقة مفرغة.

من أين إذا يمكن أن تنطلق العملية الإصلاحية ؟
 
 سيما وقد تشعبت المشكلات وتداخلت... وفى ظل غياب العلاج تتراكم العلل والنتائج فى تعقيد مذهل، بحيث أن مشكلات تحصل كنتيجة لسبب أومشكلة سابقة، ثم نظرا لعدم معالجتها أوحتى تذليلها تصبح هي بدورها سببا لمشاكل جديدة.


أول ما يتبادر إلى الأذهان هوالتغيير الفوقى للنظام السياسى. وهو وإن كان ضروريا إلا أنه يبقى غير كاف، نظرا لانتشار الفساد فى كافة المناحى. فهل نبقى مكتوفى الأيدى فى انتظار القائد المخلص؟ أم نعطى الأولوية، كما يرى البعض، لإصلاح النظام التربوى والتوعية من أجل القضاء الفعلى (وليس الكلامى) على الجهل؟ أم نبدأ بإصلاح النظام القضائى ليتمكن حقا من الإضطلاع بدوره فى متابعة المفسدين وإنهاء حالة اللامسؤولية والتسيب؟ أم تجب إعطاء الأولوية لتنمية الاقتصاد لإخراج الناس من الفاقة والهموم اليومية التى تشغلهم عما هو أكثر نبلا، ألا وهو هم الحرية والانعتاق؟ لكن أنى يتم أي عمل من ذلك فى ظل نظام يسد آفاق التغيير السلمى، ويتحكم فى التعليم والقضاء والاقتصاد ويشدها جميعا إلى قاع الرداءة، و أنى يتأتى فى ظل نخبة "منبطحة" – فى أغلبها- ومجتمع ضعيف مغلوب على أمره؟ صحيح أنه إن تنحى رأس النظام الحالى وتم إحلال رئيس منتخب كفء ومصلح محله، فإن ذلك سيكون من شأنه أن يتيح دفعة قوية للإصلاح ويعطى فرصة ذهبية لتسريع مسيرته... ولكنا هنا لسنا فى مجال الافتراضات الضئيلة الاحتمال ولا الأمانى بالحلول الفجائية السحرية.


لذلك، أحسب أن الأولوية يجب أن تكون تحريك المجتمع ليخرج - بشكل لارجعة فيه- مما هو فيه من جمود. ونقطة الانطلاق لذلك، فى نظرى، إنما تكون ببناء نواة لنخبة ملتزمة، تحمل مشروعا واضحا وتتمثل المشروع الذى تحمله... ومن ثم المضي فى مسعى دؤوب لتقوية المجتمع.


ولعل ذلك هو أنجع طريق نكرس به تنزيلا صحيحا وواقعيا لقانون "تغيير ما بالأنفس"، فلطالما احتدم الجدل فى أدبياتنا حول أولوية "إصلاح الفرد" و"تزكية النفس" قبل الاشتغال بالشأن السياسى العام... "تغيير ما بالأنفس" لايتوقف على مجهود الفرد لتزكية نفسه، بل يمضى أبعد من ذلك إلى تضافر الأفراد ليوطنوا أنفسهم على البر والايثار، من خلال الانتظام فى هيئات جماعية مؤسسة على التآمر بالمعروف وإشاعة الخيرات. هيئات توسع الهوامش المتاحة وتقتحم مختلف أعمال البر. وتقوية المجتمع بهذا المعنى ليأخذ شيئا فشيئا زمام أمره، من شأنها أن تمكنه من فرض اختياره ليولى قيادته نخبة ملتزمة أثبتت مصداقيتها بما أبلته من بلاء وقدمته من تضحيات. باختصار، القيادة التى تعرض عن المنافع الخاصة، وتربأ عن عبادة الشخص و عن التسلط والفساد. وإن العمل من أجل ذلك إنما يكون متكاملا يشمل جبهات متعددة.
 
بناء المجتمع المدني المستقل


لعل التحدى الأول الذى نواجهه، كما سبق، هو تقوية المجتمع ليمضى فى تنظيم نفسه، ويأخذ شيئا فشيئا زمام أمره، حتى يكون- على المستوى الهيكلى والتنظيمى- فى قوة تضاهى قوة السلطة. لكن ألا يتطلب ذلك نخبة من نوع مختلف، إذ كيف ننهض بنخبة "مدجنة" لم تفتأ تنم عن مطاطية الإلتزام، وذلك فى الانتكاسات التى نراها من المعارضة إلى الموالاة وسرعة "الاندماج" فى لعبة الفساد، وتحين الفرص لأخذ "النصيب" من "كعكة" المال العام؟  وما السبيل لمقاومة حالة فقدان الحُرمة لهيئات المجتمع ، حيث بقيت عرضة لشتى العراقيل. فلم نزل نرى السلطة تعترض بتعسف كل جهد للمواطنين للتجمع فى هيئات أومنظمات مستقلة، بما فى ذلك الانقضاض على العمل الخيرى المحلى، ومنع  تراخيص الاحزاب، وحظر الصحف، وغير ذلك من أشكال الإنقضاض على كل هيئة شعبية تبرُز استقلاليتها ومصداقيتها؟ وعلى العكس فإن هيئات "غير حكومية" مزعومة، ترعاها السلطة لتقارع بها وتضرب بها هيئات المجتمع المدني الأصيلة .

الدستور والمؤسسات السياسية


ألم تبلغ التراكمات في الممارسة اللادستورية، من مصادرة لاختيار الشعب، وعبث بالمؤسسات، واستهتار بالقوانين مبلغا غير مسبوق؟ لكن هل إن المشكلة مشكلة نصوص أم هي في جوهرها مشكلة تطبيق؟ وهل البلاد بحاجة إلى طرح تعديلات واسعة للنصوص الدستورية أم هي أحوج إلى وضع آليات وإيجاد ضمانات للتطبيق والتزام الدستور القائم وان لم يوجد دستور اصلا ؟ومع أنى لا أريد هنا الدخول للتفاصيل فإن ثمت إصلاحات جوهرية لا يمكن تفاديها للمواد الدستورية حول الرئاسة، مع توفير آليات التطبيق، كي تصبح مؤسسة حقيقية بدل اختزالها فى شخص الفرد "المتأله" الذى يوظف كل أجهزة الدولة في خدمة هدف وحيد هو تأبيد السلطة له –وما هي بمؤيدة- وربما توريثها للسلالة أوالمقربين، ولا تهتم تلك الإصلاحات فقط بالتداول السلمى على السلطة، بل وأيضا تضع حدودا لمدى السلطة لا يصح تجاوزها، كما تحدد بوضوح كيفية وشروط خلع رئيس الدولة، لأنه كبشر -كائنا من كان- ليس منزها عن العجز أوالنكوص. و إذ ذاك، يمكن أن تتسع الثقة فى مسارنا نحو بناء دولة القانون والمؤسسات، ويمكن بالفعل أن تفقد الإنقلابات معناها ومبرراتها.

التربية و التعليم


أليست رسالة المدرسة هي تكوين الإنسان الواعى، المفعم بالمسؤولية اتجاه مجتمعه، والذى يعتز بالإنتماء لحضارته ولوطنه جاعلا هذا الإنتماء مهيمنا على ما دونه من الإنتماءات جهوية أو عشائرية؟ وإن إصلاح التعليم يجب أن يهدف أولا إلى العودة إلى هذه الرسالة وصياغة شخصية الإنسان الإيجابي الذى يؤمن بأصالة الصالح العام، وقداسة الرباط بين الحقوق والواجبات. وعلى المدى البعيد، فإن التعليم هو المحور الذى عليه مدار الإصلاح، إذ به يشيع الإلتزام ويتم تكوين موارد بشرية تتميز بالكفاءة، أي أشخاص من طراز "القوي الأمين".

القضاء

 

و أليست رسالة القضاء بسط العدل وحماية حقوق الناس وحرياتهم بما يتوفر به استتباب الطمأنينة والأمان، وبخلاصة قيام المجتمع بالقسط؟وهل يمكن أن يضطلع بتلك الرسالة سوى نظام قضائي مستقل وكفء ؟ وإن من أولويات المشروع الإصلاحي إعادة القضاء الى دوره الحقيقي الذي انحرف به عنه النظام حيث صنع منه جهازا لتبرير التهم الملفقة وإجراء المحاكم السياسية التى تنطق بأحكام جاهزة. وإن اجتثاث ما تسرب اليه من الفساد السائد (الذي ينخر كافة المؤسسات) من ارتشاء وتفريق على أساس من الوجاهة والمحسوبية بين المتقاضين، بل وبيع للأحكام القضائية لمن يدفع المزيد، سيكون من أخطر مهمات العملية الإصلاحية مضيا نحو بناء دولة القانون. وعلى العموم، فإن القضاء النزيه والمستقل، الذى يتساوى بين يديه الحاكم والمحكوم، هو الذى به يمكن الحفاظ على مكتسبات الإصلاح .
 
الإدارة العمومية


لقد سمحت الأزمة الثقافية والأخلاقية بتنامى الرشوة، والتهوين من شأن العبث بالممتلكات العمومية. و تفاقمت الطفيلية أكثر من أي وقت مضى، فوصلت حدا أنهك اقتصاد البلد، ولايزال يطيح بزمر جديدة من الناس تحت خط الفقرو لقد تم إحلال الرداءة محل الكفاءة، وبات الإطراء ومدح الزعيم بصفات لا يتصف بها، سلما سهلا للوصول إلى المناصب العليا ولتسريع الثراء الفاحش. فمتى سيحين لهذه الدولة المنهكة بعبث العابثين وتسلق المتملقين، أن تلجم الفساد وتراجع بجدية معايير اختيار المسؤولين في الحكومة وأجهزة الدولة، نحو قطيعة حقيقية مع المحاباة والنمط الزبونى السائد فى توزيع المناصب العليا، و توخى الكفاءة والإستقامة؟ أوبخلاصة اعتماد مبدإ التولية الشرعية و أساسه: القوة و الأمانة.

الاقتصاد


إن فتح المجال وتيسيره لتعميم الاستفادة من الموارد ، والحد من العقبات في وجه المبادرة الاقتصادية (وعلى رأسها عقبة الاحتكار)، ولجم الفساد هي خطوات ضرورية لتكون المساواة في الفرص أكثر من مجرد كلام أو شعار.... و إن من أخطر أولويات العملية الإصلاحية إقامة تسيير اقتصادى أكثر رشدا فى الممارسات والأفعال، وليس فقط فى الخطابات والدعاية كما هو الحال اليوم.  ويمر ذلك بتفعيل المراقبة فى التسيير الاقتصادى وتعميمها. وبشكل أعم، فإن إصلاح الاقتصاد يبقى، قبل كل شيء، وثيق الارتباط بالمجالات السابقة من ضمانات فعلية للحريات، ونهوض بالتعليم وتفعيل للقضاء و إصلاح للإدارة.

السياسة الإجتماعية والرعاية الصحية


منذ تخصيص قطاع الصحة، ازداد اتساع الهوة بين عامة أبناء الشعب الذين تعوزهم أدنى مستويات الرعاية الصحية، وبين قلة من الأغنياء يتمتعون بتكفل عمومى بنفقاتهم الصحية ورعاية ليسوا أصلا بحاجة إليها. وكيف يمكن الحديث عن " التنمية البشرية" فى ظل استقالة الدولة عن وظائفها الأساسية من إهمال للتعليم (كما سبق)، ولا مبالاة بقطاع الصحة العمومى الذى يفتقد أدنى الوسائل الضرورية، وضعف إن لم نقل غياب السياسات الوقائية، بل وحتى التشجيع القذر للجشع التجارى الذى حول البلاد إلى سوق مفتوحة للمواد الضارة من أدوية مقلدة وأطعمة فاسدة وأخطر من ذلك فتحها على مصراعيها لأنواع التبغ والسجائر فى الوقت الذى تشن فيه الدول المنتجة لتلك المواد كفاحا قويا للحد من استهلاكها بين المواطنين. كما يمكن الحديث هنا عن التقصير فى مكافحة الخمور والمخدرات، والتنبيه للعلاقة الممكنة بين حالات السكرة تحت مفعول الخمر أو المخدرات وبين حوادث السير الرهيبة والمتكررة. 


أما مكافحة الفقر فقد أصبحت مجرد شعار بين الشعارات التى يتم بها تمجيد الزعيم وتكريس عبادة الشخص، فى متاجرة بمعاناة الناس. بينما الواقع أن الغالبية متروكة لمصيرها المؤلم ترزح تحت الفاقة وسوء التغذية، ويعوزها حتى الماء الصالح للشرب.وإن المجهود الإصلاحى يملى عملا جديا لمحاربة البطالة خاصة في أوساط الشباب .
 
الدفاع والأمن


مهما تعددت الهموم الأكثر إلحاحا، فإنه من المبرر الخشية على الدفاع الوطنى وعلى جاهزية الجيش نظرا لتهميشه، والحد من وسائله فى مقابل الأجهزة الموازية التى أصبح تعددها يشكل مشكلة حقيقية. لقد أصبحت ليبيا مسرحا لسياسة وحيدة هي السياسة الأمنية والعنف السلطوى، وكل ما عداها فى الحقيقة هامشي إن لم يكن مسخرا لها. إن ما يتم من نشر للتجسس فى المجتمع، وتوسع مطرد فى المخابرات يجعل من ليبيا كيانا بوليسيا، وقد شهد الجميع كيف تضخم فيها جبروت البوليس السياسى وتزايدت ممارساته العشوائية من اقتراف للجرائم الإنسانية بما فى ذلك القتل والتعذيب أوالتصرفات الاعتباطية فى نطاق تصفيات قبلية وسياسية كما شهدناه ونشهده حاليا. وإن تضخم هذه الأجهزة على حساب الجيش النظامى، ينذر بمستقبل مسدود تتحكم فيه ميليشيات متفانية فى حماية مواقع أسيادها واللوبيات التى تتحكم فيها، أيا كانت الكلفة للشعب.ونظرا للمئالات المأساوية المشهودة فى بلدان افريقية نهجت هذا النهج فإنه
من الملح العمل على إيقاف هذا المسار الكارثى. لقد آن للجيش الليبيى أن يأخذ موقعه كمؤسسة نموذجية فى الإنضباط والمسؤولية، والحياد بدل أن يكون مسرحا للتصفيات .

خاتمة


وبعد،فإن الإصلاح ليس بالسهل ولابالمستحيل. وإنما يتطلب عملا جادا وطويل النفس فى تضافر مخلص للجهود وفى قطيعة مع مطاطية الالتزام التى ميزت غالبية النخب المتعاقبة. وإننا، من خلال هذا البانوراما السريع، إنما أردنا طرح مقدمات وجملة تساؤلات للنقاش. وقد تبين من خلاله أن الأولوية يجب أن تكون لتقوية المجتمع وتحريره، ولعل أول خطوة فى سبيل ذلك هي العمل لتشكيل نواة لنخبة واعية تتميز بالثبات، تصطبر على التزاماتها وتقوم بتجسيد حي لمشروعها، من خلال التضحية الكاملة من أجله. لذلك نقترح البدء فى طرح الدفعة الأولى من الخطوط العريضة للمشروع الإصلاحى من محورين مرتبطين بتلك الأولوية وهما، على التوالى :

 

 "النسيج المستقل للمجتمع المدني" و "الدستور والمؤسسات السياسية" عسى أن نسهم فى الدعوة لنشوء رأي عام مستقل يطالب ويحتج ويناضل من أجل قيام دولة القانون والمؤسسات على أنقاض دولة الفرد والعشوائية والإستبداد...

اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

المقالات المنشورة بالموقع  تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع