
22/05/05
|
نظرات في مستقبل العمل السياسي (5) التوريث .. ولاية العهد
بداية أوضح للقارئ الكريم وفي هذه السلسلة من خلال بحثنا عن مستقبل العمل السياسي للسنوات القادمة ، سأورد الكثير من المصطلحات والألفاظ التي قد تختلف لغة واصطلاحا ورغم قله بضاعتي في هذا المجال ، سأسعى لإيجاد المراد المناسب للمصطلحات العصرية الحديثة ، والتي واكبت زيادة المستوي المعرفي وتلاقحها وتمازجها ، أخذا في الاعتبار ما قاله العلماء " المصطلح يجب أن يكون جامعا مانعا ، أي جامعا لكل ما هو تابع له ، مانعا لما هو مخالف من الدخول تحت عباءته " فنسمع اليوم الإسلام السياسي ، اليسار الإسلامي ، الإسلام المعتدل ، المليشيا الإسلامية ، أصولية إسلامية ، إسلام أمريكي أو روسي ، رجال الدين والثيوقراط ، ووصف المستشرقين ورجال الكنيسة المسلمين ب " المحمديين " ، علي غرار مسيحيين ، وماركسيين علي غرار ماركس ، وناصريين ... ولعل صاحبنا يفكر أو يحلم ب " القذافيين والاخضريين " . فاستخدام المصطلحات الإسلامية منها خاصة ، كما سيجيء أن شاء الله عن الحديث عن النظام السياسي الإسلامي ، مثل أهل الحل والعقد ، الشورى ، الخلافة وولاية العهد ، البيعة ، أرجو أن توضع في الإطار الجامع لها والمقصود به ، فالعبرة بعموم اللفظ المقصود ، لا بالفظ المعهود.
كما أشرت في مقالنا الرابع انه قد يحاول العقيد إقناع الشعب الليبي وتهيئة المناخ الشعب والسياسي " رغم وجود تنافسي حقيقي علي صناعة القرار السياسي من أو الاقتصادي والتنوي " الداخلي والخارجي ، بقبول فكرة توريث ابنه المرشح سيف الإسلام ليتولي المسيرة ، سواء مسيرة أبوه السابقة ، أو مسيرة حديثة ،عصرية ، مستفيدة من التجارب والأخطاء الفادحة التي ارتكبها وجرها والده علي البلاد والعباد ، هذا الأمر قد يستهجنه أو يلوح به أو يروق للبعض من القطاع الشعبي العام والتنظيمي منه ،،،
* والتكهن الأخر الذي قد يحدث في أي لحظة التي لا تخطر علي بال أحد ، هو وفاة العقيد فجأة وبدون سابق إنذار ...لو فكر الأخ العقيد في أمر هذا القادم الرهيب ، وما سيئول إليه مصيره ، خاصة بعد أن امضي متربعا علي العرش زهاء 36 عاما ، وملك ما ملك ، وحقق ما يحلم به ، وضمن لي أهله وأولاده مستوي معيشي وتعليمي راق ، لا يقارب حياة ليس متوسط الشعب الليبي بل غالبيته المحرومة ، أقول لو تفكر وتدبر ورجع إلى شعبه معترفا بفشل أطروحته الثورية ومنهجيته الفكرية ومطالبا من شعبه السماح والغفران علي ما عملت يداه شخصيا أو بإيعاز منه .. فماذا يضيره ؟ والسؤال هل يقبل الشعب بذلك ؟
موت أل فجأة ، هو الموت المكروه الذي تعوذ منه رسولنا الكريم لي أنه ببساطة لا يمكن ويسمح للمتوفى من فرصة الرجوع إلى عقله والاعتراف بذنبه وتقصيره وإسرافه طالبا الاستغفار والتوبة قبل أن تغرر روحه ، وتمضي النفس يملؤها الحسرات والأسف والندم ، لكنه قادم ولا محالة ، خاصة وان متوسط أعمار هذه الأمة بين الستين والسبعين ، والعقيد في هذا الطور الرهيب .
وقد حدث في المنطقة العربية لثلاثة زعماء ابتداء من الملك حسين الأردن ، ثم الشيخ سلطان البحرين ومحمد الخامس في المغرب ، وقبل ذلك اغتيال أنور السادات المصري ، وليس بعيدا عن مسامعنا ، وفاة الراحل الشيخ زايد أمير الإمارات العربية ،
والسؤال أيضا هل يمكن أن تنتقل السلطة إلى من يوصي بها دون إراقة الدماء أو معارضة شعبية كما حدث لهذه الدول ، طبعا هذه الدول ملكيه حيث ينص دستورها علي وراثة ولي العهد للحكم مخولا بالدستور بأمر الملك ، فلم تجابه أي رفض شعبي أو من القيادية العسكرية بحكم موالية الجيش للملك ولا من البرلمانات الشعبية التي تطبق الدستور ، اللهم بعض الامتعاضات التي برزت من ولي العهد الحسن ، لكنها لم ترقي لتصل إلى معارضة لابن أخيه الملك عبد الله ، ولهذا استتبت الأمور ، ومشكلة بلادنا ألان عدم شرعية النظام القائم أساسا لانقلابه التي أطاح بالنظام الملكي في سبتمبر 1969م ، والي أي مستوي يرغب الشعب الليبي لي إعادة النظام الملكي ، وقبول الأمير محمد الحسن كوريث شرعي لتسيير دفة البلاد ؟
* ومن البدائل الأخرى أو التكهنات من الواقع الإقليمي هو تحرك عسكري جديد بدعم من الجارات العربية مصر أو تونس والجزائر، إضافة إلى المخابرات الأجنبية أوربية أو أمريكية ، وسيكون اكثر المرشحين لذلك أما عبد السلام جلود أو مصطفي الخروبي ، فهذه الشخصيتان ، وان حاول العقيد تهميش دورهما سياسيا أو عسكريا ، إلا انهما يمتازان بالقدرة علي السير بالبلاد تبعا للنهج القذافي الحالي والمرسوم لما ترتضيه دول الجوار ، رغبة منهم جميعا في استمرار هذا النمط العسكري ، مع إعطاء صلاحيات أخرى تخول أحدهما إحداث بعض التحولات الشكلية ، سواء بإعطاء هامش من الحرية والتعبير للشعب الليبي ورفع بعض القيود التجارية والاقتصادية وحرية الأعلام والنقد والسفر ولكن في نطاق السياسة الحالية .
* ولايـــة العهـــد
كما قلنا أن هناك احتمال أن يقوم القذافي بعهد " الولاية " أو بتولي السلطة ، أحد أبناءه المرشحين ، الأمر الذي يكون اكثر الاحتمالات الواردة اليوم ، فما معني ولاية العهد والاستخلاف ؟ كما هو معروف فقد بدأت ولاية العهد بعد تكليف الصحاب معاوية بن سفيان رضي الله عنه ، أبنه يزيد للاستمرار في قيادة الخلافة الأموية وقد اختلف الكثير من الفقهاء وعامة الناس حتى يومنا هذا في شرعية هذا أمر ، فمنهم الرافض والطاحن في تلكم القرار ، ومنهم المقتنع والمؤيد لذلك ، خاصة إذا حصل به توحيد الأمة " الوطن " واستمرارية مصالح الدين " الشئون الدينية " والمصالح المدنية والسياسية ، والناس وحماية أعراضهم ومصالحهم مصونة غير مهدرة ، وقد شهدنا ممارسة بعض الأنظمة العربية ، ودور ورأي رجال وعلماء الفقه والشريعة حول ذلك ، سواء في الأردن والمغرب وما حدث في سوريا وما قد يحث في بلادنا أو مصر الشقيقة ، خاصة وان ولاية العهد تكون عندما يكون الخليفة أو الرئيس أو الملك حيا يرزق ، وفي صحته وقوته ونفوذه وكمال عقله " أن كان لهم عقول " وقد أشار الكثير من متبعي ومراقبة ولاية العهد أن المقاصد الرئيسية وراء هذا الأمر بأن إيثار ذوي القربى ، وحفظ الملكية في أسرة بذاتها، سواء روعي في ذلك رعاية مصالح الناس ووحدة البلاد وتجنبها لأي انشقا قات واختلافات قد لا تحمد عقباها .
* هذا الاحتمال أو التكهن من الاحتمالات القوية التي ترجح إلى حصوله وسيكون أمرا واقعا لا محالة فيه ، خاصة إذا دعم والتف أليه القادة العسكريين من بقايا الجيش أو قوات المليشيا الخاصة أو بعض فصائل المعارضة التي أو بعض مراكز القوي الجديدة التي ستناصر هذا الواقع وتدعمه وقد تجبر و تكره الناس إجبارا وإلزاما للمثول إلى الأوامر الجديدة ، ومباركتها ومبيعاتها ، وستوحي وتهمز لي أصحاب المصالح والأهواء ومتتبعي القوي الغالب بالنزول إلى الشوارع ، هاتفه بحياة النظام والزعيم الجديد ، وستطبل الوسائل الإعلامية وتزمر طويلا، حتى يتمكن صاحب الحظ الجديد ، من إحكام قبضته علي مقاليد الأمور بما يستتب الأمر أليه ، ليبدأ شعبنا صفحة جديدة مشابه للنظام المنزاح ، أو ستري سيقوم بتقديم إطروحات واصطلاحات جذرية أخري علي مستوي الطرح الفكري والثقافي ، وعلي مستوي إعادة تشكيل الهيكل السياسي والإداري للدولة ، وهل سيسمح بالأسلوب الديموقراطي وبتعدد السلطات السياسية والفصل بينها ، وقيام الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، وتكوين الأحزاب ، وسيمسح للشعب للتوجه لصناديق الاقتراع ، وإبداء صوته حرا ، والسماح بهامش من الحرية واستعادة كرامة الإنسان واحترام مقداره ودوره ؟ وهل سيسعي لوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب من اهل الاختصاصات المتعددة ؟ واحترام حقوق الإنسان والعفو العام عن المساجين وفتح صفحة جديدة مع الشعب الليبي ؟
وهل سيسمح بإيجاد الإعلام الهادف ، وحرية النشر والصحافة والانترنيت ، واحترام الثقافة والهوية واللغة الامازيغية ، وحقهم في التعليم الخاص بهم والمشاركة السياسية والمدنية كغيرهم من المواطنين الليبيين ووجود المعارضة المنظمة والمنضبطة إلى أخر ما يمكن من قيام دولة عصرية حضارية تبني علي ثوابت وقيم وخصوصية الشعب الليبي
وعندما تكلم الفقهاء عن ولاية العهد ، كانوا يعنون الأمام الخليفة للامة الإسلامية ، والسؤال الذي يطرح هل يمكن قياس هذا الأمر علي أوضاع الأمة العربية دولة.. دولة ، خاصة وان الرئيس سواء منتخبا أو عهد أليه لا تجتمع عليه أو تقره إلا تلك الدولة ، خاصة وان الاعتراف السياسي بالنظام الجديد إحدى صور التكتيك الدبلوماسي الممارس في الدول الغربية ، وقرارها يؤثر بطريق مباشرة أو غير مباشرة علي مثل هذا التحول ؟ فقد حاول مثلا ، الإدارات الخارجية إعادة شاة إيران إلى عرشه الكسروي في إيران ، وحاولت إعادة تنصيب ملك أفغانستان المنفي لرئاسة البلاد ؟ وهناك وجهات نظر متفاوتة ، فقد أشار المفكر الإسلامي عبد القادر عودة في كتابه " الإسلام و أوضاعنا القانونية " " واذا كان الاستخلاف سنة حسنة سنها الخليفة أبو بكر وتبعه فيها عمر بن الخطاب فإن ولاية العهد بدعة ابتدعها معاوية ليمكن لولده يزيد الفاسق من رقاب المسلمين وليحول الخلافة ملكا عضوضا مستقرا في غلمان بني أمية و فساقها . " وهناك من اقر شرعية الإمامة من الفقهاء ، أو جني آهل السياسة في العصر الحديث وشرطوا مبياعة الناس له ، الأمر الذي يعقد له بذلك .
* أما الاستخلاف فهو يختلف شكلا ومضمونا عن ولاية العهد ، حيث يعتبر الاستخلاف اجتهاد من الخليفة بترشيح شخص بعينه ، أو دعوة أشخاص يري فيهم الكفاءة والصلاحية دون غيرهم بعد الخبرة والمعرفة الشخصية بأحوالهم وإمكانياتهم وصدقهم ونزاهتهم ومر واتهم وعلمهم ، ويقدمه لي أهل الحل والعقد أو مجلس الشورى ليتدارسوا الأمر بينهم ، ثم يختاروا واحدا للامة لينعقد له " البيعة " وذلك بعد وفاته .
والبيعة تفيد اصطلاحا ، تأييد المرشح للخلافة ، والموافقة علي الترشيح ، وقد كانت بيعة الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، أول بيعة سياسية وقعت في الإسلام بمعناها الاصطلاحي . وقد جاء في لسان العرب لآبي منظور ، أن البيعة هي الصفقة علي إيجاد البيع ، وعلي المبايعة والطاعة ، وذكرت البيعة في القران الكريم في سورة الفتح والممتحنة ، وفيها بيعة النساء ، وبيعة القتال في الحديبية ، وهناك بيعة العقبة الأولى والثانية في السيرة الشريفة . وبهذا الصدد ، يقول عبد القادر زيدان في كتابه " أصول الدعوة " .." وإذا كان تكييف ولاية العهد انه ترشيح ، و أنه يسبق بمشاورة أهل الحل والعقد ، وظهور رضاهم عن المرشح ، فإنه لا شك مسلك ســديد وحميــد لاختيار الخليفة ، ولا يناقض حق آلامه في اختيار الخليفة ، بل وقد يرجح علي طريق انتخاب أهل الحل والعقد ." .
فما مدي إمكانية مطالبة الشعب الليبي بالعودة إلى تنصيب الأمير محمد الحسن أميرا أو ملكا أو رئيسا للبلاد ؟ خاصة وإذا توافرت الشروط والمؤهلات والخبرات القيادية والسياسية والشرعية نحو ذلك ؟ وما موقف فصائل المعارضة من ذلك ؟
أحمـــد أ. بوعجــيله
|
المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
![]()