الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتـّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


16/05/05


 

 

 من الذي فعل بليبيا كل هذا؟!

 

من التاريخ نفهم ونتعلم ونتقدم.. ولكن كتب التاريخ ليست متاحة دائما.. ولا هي صادقة دائما خصوصا إذا كان المؤرخ هو الدكتاتور دائما!!! وكما عرفنا تاريخ ما قبل انقلاب سبتمبر  بالوثائق والتحقيقات..لابد أن نعرف تاريخ ما بعد انقلاب سبتمبر  بنفس الطريقة ..ونفس الأسلوب فلن تكون مسيرتنا أبدا إلى الأمام إلا إذا عرفنا لماذا ارتددنا إلى الوراء!! ولن يكون صعودنا أبدا إلى القمة إلا إذا اكتشفنا أسباب سقوطنا في القاع!!

 

والذين يتكلمون اليوم عن إنجازات الفاتح عليهم أن يفهموا أن الإنجازات لا تقام على أرض رخوة تهددها في كل حين عوامل التفكك والانهيار ولكن الإنجاز السليم لا يستقر ولا يعلو إلا على أرض صلبة متماسكة الأجزاء..!!وهذه هي رؤية المعارضة الموحدة.

 

وتلك مهمة المعرفة التي تتيحها دروس التاريخ وما قصدت وما اقصد دائما  هو فتح ملفات الفاتح من سبتمبر.. وإجراء التحقيقات القضائية وتوفير المادة التاريخية الكفيلة بإعادة كتابة التاريخ الصحيح لانقلاب سبتمبر ما قصدت من كل ذلك سوى إنقاذ الآلاف من ضحايا انقلاب سبتمبر وما رسبه هذا الانقلاب في النفوس والأذهان من تصورات خاطئة.. وقيم مغلوطة.. أعادت تشكيل الشخصية الليبية على هوى الدكتاتورية الحاكمة.. فقد ظلت هذه الدكتاتورية تدفع في عروق الشعب الليبي سيلاً من الأوهام والأباطيل صنعتها رؤى مريضة.. وتصورات مخبولة ضختها أجهزة إعلام مدربة يفوق نفوذها على الإنسان الليبي البسيط ..ثم طبعتها في الكتب المدرسية والجامعية أيد آثمة أرادت ترويض الأجيال الجديدة على عبادة الأصنام وإخضاعها لإلهام الزعامة التي لا تخطئ.. ومشيئتها التي لا ترد!! فكانت في النهاية هذه الصورة الممسوخة من الشخصية الليبية التي لا صله لها بهذه العالم المتطور..ولا قدرة لها على ارتياد آفاقه والتعامل مع معطياته ومتطلباته!!

 

أنها محنة شعب ضللته الدكتاتورية ..فضل طريقه إلى الحقبة القادمة.. ومهمتنا ..ومهمة كل باحث عن الحقيقة أن نجاهد من أجل كتابة التاريخ الحقيقي لانقلاب سبتمبر المشئوم انطلاقا من المادة التاريخية التي تتيحها وثائق حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية (راجع  "وثيقة انتهاكات حقوق الإنسان الليبي في ظل النظام الانقلابي" الصادر عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا،1999) ،("حقوق الإنسان في ليبيا حدود التغيير"،أحمد المسلمانى ،مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،1999(

 

وقد سعدت بانحياز بعض المهمومين بتاريخ ليبيا لهذا الرأي ..وتجاوبهم معه خاصة  وأن من بينهم وطنيون غيورين على الوطن وحريصين على تبرئة ساحته من كل الكوارث والهزائم التي نزلت بليبيا و أهلها  وكنت أمل أن يتعدى تأييدهم مجرد الاعتراف بفساد النظام القائم إلى الدعوة لأعادة  كتابة هذا التاريخ بأمانة وحياد وانطلاقا من المادة التاريخية التي توفرها وثائق الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات العفو الدولية .. إلا أن منهم من طالب بتغيير هذا النظام أولاً  على أن تقوم الأجيال الجديدة بكتابة هذا التاريخ فيما بعد!! و أمل أن يفهم كل هؤلاء خطورة هذا التجاوز على الحاضر والمستقبل فنحن أمام حاجة ملحة لإنقاذ أجيال بأكملها من خرافات وأوهام ترسبت في العقول والقلوب وأصبحت تشكل اليوم وعيا عاما أو عقيدة راسخة يستحيل الدخول بها إلى الحقبة القادمة بغير خسائر جسيمة وكوارث مفجعة!!

 

هل ندخل الحقبة القادمة بشعارات: "من تحزب خان" ،"المرأة تحيض والرجل لا يحيض" ،الحزبية إجهاض للديمقراطية" "التعليم تجهيل"؟!!  هل نحمى الوطن و نبنى الاقتصاد المنهار  بهذه الشعارات؟! .. أم بخرافة "الأفرقة" والبحث عن الفردوس الأفريقي المفقود؟! التي اخترعتها ا أبواق سرت البهتان؟! إن هذه الرواسب الخطيرة التي صاغها أساتذة وصحفيون مأجورين طيلة هذا العهد المظلم سوف تلاحق الشخصية الليبية.. وتكيف فكرها وسلوكها.. بل لها أتباع وذيول تقوم على حراستها والدفاع عنها من قبل صحف الزحف الأخضر والجماهيرية والشمس .. ولن يخرس خطاب هذه الصحف الموجه سوى فتح الملفات  وإجراء التحقيقات القضائية من قبل محكمة العدل الدولية واستجواب الشهود لإتاحة المادة التاريخية التي منها تتضح الحقيقة ويتبدد الظلام.. ويعرف الناس على الأقل كيف تحكم ليبيا..ومن الذي هزمها في الحروب.. ومن الذي هدم كيانها .. ومن الذي ذبح جيشها.. ومن الذي نهب ثروتها.. ومن الذي صادرة خيراتها ..  من الذي قتل سجنائها ... من الذي حقن أطفالها بمرض نقص المناعة"الإيدز"... من الذي حاصر مدنها وجوع أهلها....من الذي ألقى بالمعوقين القادمين من حروبها في عرض البحر لكي يقول عنها جماهيرية خالية من الأمراض والادران... من الذي اشترى بقاء عصابة الظلم والظلام بقوت اطفالها... من الذي جعلها مثل البعير الأجرب... من الذي  هدم كيانها  وحطم بنيانها... من الذي فعل كل ذلك.. إذ لم يكن القذافي هو المسئول فمن المسئول إذن ؟ نظامه؟!.. وما نظامه.. أليس هو سيد هذا النظام وصانعه؟!  أليس هو زعيمه وقائده ؟!

 

ليقل لنا التاريخ بأي أيد خفية جرت كل أحدثنا الكبرى. ومن الذي أمر ودبر وقرر حتى تراكمت هزائمنا وضاعت سيادتنا وسرقت أموالنا و أهدرت دماؤنا.. وهتكت أعراضنا..وانتهينا إلى هذا الدرك المحزن من دولة غنية إلى دولة ذليله فقيرة معزولة ومحاصرة؟! بالتاريخ الصحيح سوف نفهم كل ذلك..سوف نفهم أسباب بلائنا وعجزنا ..وبالتاريخ الصحيح سوف نكتشف مصادر قوتنا وضعفنا ..وبدروس التاريخ سوف نتعلم ..ونتقدم بخطى ثابتة على دروب المستقبل!!      

 

 د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

 

 أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

 

المقالات المنشورة بالموقع  تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع