
22/05/05
|
سر القرداتى (1) (قصة واقعية بتصرف)
لم يكن (محمود)* قد إبتعد فى حياته لمسافة تصل إلى 50 كيلو مترا عن قريته القابعة بهدوء فى أحد سفوح الجبل الأخضر الواقع فى شرق ليبيا، وكان فضوله وتشوّقه لمعرفة ما يدور فى المدن، يدفعه فى كثير من الأحيان إلى إجراء مقابلات تشبه تلك المقابلات التى تجريها الآن بعض الفضائيات العربية مع المهاجرين العرب فى أمريكا وكندا وأوروبا، مع أبناء ورجال منطقته الذين تمكنوا يوما ما من زيارة مدينة بنغازى (عاصمة ولاية برقة، الإقليم الشرقى فى ليبيا)، أما البنات والنساء فلا مكان لهن فى قائمة مقابلاته، لأنهن إما لا يسافرن أصلا إلى بنغازى، أو أنه لا يعلم بسفرهن، وإذا علم بسفر إحداهن إلى هناك، فعادة ما يكون سبب ذلك إما فوق قدرة محمود على الإستيعاب، أو من المحرمّات التى يجب عليه عدم الخوض فيها. وعلى أية حال، فإنه كان يعتقد أن النساء لا يستطعن وصف الحياة فى المدن مثلما يفعل الرجال، فهنّ يتجوّلن فى المدينة بعينٍ واحدة فقط!
وكثيرا ما سمع محمود عن مدينة طرابلس (عاصمة ولاية طرابلس، الإقليم الغربى فى ليبيا)، غير أنه لم يسبق له لقاء أى رجل سبق له السفر إلى تلك المدينة، ولم يكن فى ذهنه أى مجال للتفكير فى مقابلة إمرأة سافرت يوما ما إليها. أما (ولاية فزان) فكان محمود يعتبرها جزءا من دروس الجغرافيا المملّة المفروضة عليه فى المدرسة.
ولسبب ما، كان محمود يعتقد فى قرارة نفسه أن سفر أى إنسان من قريته إلى طرابلس أو فزان، يتطلب شيئا صعب المنال، كانوا يسمونه فى عهد الإستعمار الإيطالى (باز) أى جواز سفر، وذلك بالرغم من علمه (أثناء الدراسة) بأن ليبيا قد تحررت من الإستعمار الإيطالى وتجاوزت مآسى عهد الإدارة البريطانية وحصلت على إستقلالها وبإمكان أى مواطن، أو مواطنة فيها، التنقل بين ربوعها بحرية ويسر.
وبالرغم من عدم وجود الإنترنت والتلفزيون والإتصالات التليفونية والبريدية التى نعرفها، أو نعرف بعضها الآن، وبالرغم أيضا من عدم وجود أى جهاز راديو فى قرية محمود فى ذلك الوقت، إلا أن الناس، والحكومة أيضا، لأنها كانت حكومة الناس، كانت لهم وسائلهم المجدية فى الإتصال والتواصل، ومثال ذلك ما حدث مع محمود فى أحد أيام عطلة الدراسة الصيفية عندما كان منهمكا مع بعض أفراد أسرته فى العمل فى موسم الحصاد خارج قريتهم، فجاءهم غفير مدرسة محمود على حماره (الأشهب) الشهير ليبلغهم بأن (نظارة المعارف بولاية برقة) قد قررت إيفاد محمود لمواصلة تعليمه فى مصر!
كان ذلك فى منتصف الخمسينات (من القرن الماضى) وقبل إكتشاف أى قطرة نفط لعينة فى البلاد، وبعد أن أعلنت المنظمات المتخصصة فى الأمم المتحدة أن ليبيا هى إحدى أفقر دول العالم وطالبت حكومتها بإتخاذ إجراءات صارمة لخفض النفقات، ومن ذلك إيقاف تشغيل شبكة خطوط السكك الحديدية فى شرق ليبيا، والتى كان قد بناها الإستعمار الإيطالى لنقل جنوده وعتاده إبان حملته التى كانت ترمى لإخضاع البلاد لسيطرته، وبعد الإستقلال، حاولت حكومات ليبيا الوطنية تشغيل تلك الشبكة لأغراض النقل العام، غير أن ذلك لم يكن مجديا إقتصاديا بطبيعة الحال.
وبالرغم من كل تلك الظروف، فقد بذلت السلطات الليبية ما كان فى وسعها لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من أوائل الطلبة لمواصلة تعليمهم فى مختلف بلاد العالم، بمن فيهم محمود، الذى إنتشر خبر قرار إيفاده إلى مصر كإنتشار النار فى الهشيم الذى كان متوفرا بكثرة فى منطقته بسبب توالى سنين الجفاف على ليبيا فى ذلك الوقت.
إنبهر محمود بزغاريد نساء قريته التى أطلقنها إبتهاجا بخبر إيفاده، فقد أصبح فجأة (نجما) لامعا فى تلك القرية حتى قبل أن يتزوج، فالزواج هو المناسبة الثانية، بعد الختان المؤلم، (وعادة ما تكون آخر مناسبة) يحضى فيها أى شاب فى قريته بزغاريد نسائها، فحتى أقرانه الذين تقرر أن يواصلوا تعليمهم فى مدرسة (الأبيار) الداخلية، لم يحضوا بمثل ما حضى هو به من حفاوة وتكريم! وشعر محمودٌ أيضا بقدرٍ إضافىٍّ من الغبطة عندما رأى أن والده قد نصب (بيت شَعْر) جديد، ونحر عنزًا حلوبًا لإستقبال الضيوف الذين قدموا فى أبهى حللهم لتهنئة والد محمود على قرار الحكومة بإيفاد إبنه إلى (بر) مصر الذى أصرّ بعض المهنئين على ربط إسمه بإسم (بحر) النيل الذى ورد فى قصيدة شعبية لشاعر ليبى قال فيها أن ذلك (البحر) قد عجز عن إطفاء لهب حبه لحبيبته التى سمّاها (ريم الجليبة) وسألها عن الرأى فى كيفية التصرف فى لهب ذلك الحب غير القابل للإطفاء.
رحم الله سيدى قنانة، فقد كان مثقفا وشاعرا ملهما وديموقراطيا حتى مع (أمة الله) التى كتب الله عليه أن يعشقها!
وقبل أن تنتهى مراسم التهنئة، بدأت إجراءات الإستعداد للرحلة ومراسم التوديع، فلبس محمود أفضل ما كان عنده من ملابس ليبية تقليدية، وحمل ما تبقى لديه منها فى كيس الدقيق الأبيض الذى كان أهله قد حصلوا عليه من منظمة الإغاثة فى قريتهم، وإستهلكوا ما كان به من دقيق خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وقد قامت أخته الكبرى بغسله جيدا لكى يستخدمه محمود كحقيبة سفر فى رحلته إلى القاهرة. وأهم ما ارتداه يوم السفر كان ذلك الحذاء الإنجليزى الصنع الذى إشتراه له والده فى آخر رحلة له إلى بنغازى بمناسبة عيد الأضحى فى السنة الماضية، وكان الحذاء أكبر من مقاس رجل محمود برقمين، لأن والده كان متأكدا من أن رجل محمود سوف تكبر قبل أن يتلف الحذاء!
وأعطته أمه أفضل ما كان لديهم فى البيت، وهو تلك العباءة السميكة، جيدة الصنع، والتى كانت تستخدم فقط كغطاء للضيوف فى ليالى الشتاء الباردة، وقد ثبت فيما بعد أن تلك العباءة كانت عبئا لا مبرر لحمله، فسمكها وما تولده من حرارة عند التغطى بها لا تتناسب والجو القارّى لمدينة القاهرة، والغريب أن محمود ما زال يصرّ إلى الآن على أن والدته (فقط!) هى التى لم تكن على درايةٍ بمناخ القاهرة.
وعندما عبر محمود الحدود ودخل مصر بملابسه الليبية وحذائه الإنجليزى، كان بإمكان أى مصرى (أو مصرية) الجزم بسهولة بأن هذا الشاب قد جاء من (دنيا) أخرى ليحل ضيفا على (أم الدنيا)، غير أنه لم يعبأ بالنظرات الفضولية التى كانوا يشيّعونه بها، ولم يغيّر من طريقة لباسه حتى بعد أن إستقر به المطاف فى شقة متواضعة، فى أحد أحياء القاهرة الشعبية، حيث سكن مع بعض أقرانه من الموفدين الليبيين.
إنكبّ محمود مع زملائه على تحصيل العلوم التى أوفدوا من أجل دراستها، وتمتعوا فى أوقات فراغهم بزيارة المتاحف ومعالم القاهرة، من الأهرام إلى (خازوق الأمريكان)**، بما فى ذلك حديقة الحيوان، والتى يسميها المصريون (جنينة الحيوانات) وكان حراسها، فى ذلك الوقت، يسمحون فيها للقرود بممارسة الجنس أمام الزوار فى ركن القرود الذى كان يعرف بـ(الجبلاية)، غير أنهم إكتشفوا سريعا أن هذه (الفُسَح) قد أضرّت ضررًا بالغا بميزانياتهم المتواضعة، والتى لم تكن تسمح لهم حتى بالجلوس فى مقاهى شارع (محمد على)، فقرروا الإكتفاء بمشاركة جيرانهم فى الحى فى وسائل الترفيه المتاحة لهم ومنها الموالد، غير أن أشهرها وأكثرها إثارة كانت (الفرجة) على القرداتى.
وكان أهم ما لاحظه محمود ورفاقه من فرق بين دخول السينما والفرجة على القرداتى، هو أنهم فى الأولى مطالبون بدفع ثمن تذكرة الدخول مقدما، أما فى الثانية فإن القرداتى يقوم، بعد الإستعراض وليس قبله، بجمع ما يتبرع به المتفرجون من ملاليم، وبإمكان أى متفرج أن (يتهرب) بسهولة من الدفع، إضافة إلى ما يمكن لأى متفرج (التمتع) به مجانا، من إحتكاك جسدى مباشر مع الجنس الآخر من (المشاركات) فى الفرجة على القرداتى، وهو أمر يختلف عن مجرد الفرجة على صور الممثلات فى حالة دخول السينما، وهذه كلها أمور لم تكن متوفرة لهم فى ليبيا على أية حال.
وقد شملت أعمال القرداتى فى ذلك الوقت إستعراضات ذات أسماء مثل (عجين الفلاّحة) و (نوم العروسة) و (تعظيم سلام)***، وكان محمود ورفاقه، خلال كل إستعراض، وفى نهايته أيضا، يبدون إعجابهم الشديد ويصفقون بحماس، ويقولوا لبعضهم البعض: سبحان الله، كيف يستطيع المصريون ترقيص القرود؟ وسبب ذلك الإعجاب طبعا، هو أنهم قد أتوا من بلد لم يكن بها قرود!
فلاحظ القرداتى (الذكى) شدّة حماسهم لإستعراضاته، كما لاحظ أيضا تهربّهم فى بعض الأحيان من الدفع، غير أنه لم يبالى بذلك، فهم (سمّيعة) أى متفرجون جيدون، وحضورهم المتكرر كمجموعة يشجع غيرهم من الزبائن على الإشتراك فى الفرجة، وبالتالى فلا داعى لمطاردتهم ومطالبتهم بدفع (المعلوم). وبذلك تولّدت ألفة خاصة بين القرداتى من جهة، ومحمود ورفاقه من جهة أخرى، فلقد كانوا هم الوحيدون الذين لا يكتفون بمشاهدة الإستعراض حتى نهايته، بل يجلسوا بعد ذلك مع القرداتى ويتجاذبوا معه أطراف الحديث أثناء فترة راحته، التى تقع بين إستعراض وآخر، يقوم خلالها القرداتى بالتدخين بشراهةٍٍ منقطعة النظير، ويقدم سيجارته للقرد الذى (يشفط) منها (نفسين) ثم ينفث الدخان من (مناخيره)، فيعجب بذلك محمود ورفاقه أيّما إعجاب، ويضحكون حتى يكادوا أن ينقلبوا على (أقفيتهم) من الإعجاب المميت، وكما أسلفت، فهم شباب أتوا إلى مصر من بلد لم يكن بها قرود.
وبسبب تلك (الأُلفة) غير العادية، فقد تجرّأ الشباب على سؤال القرداتى (العجيب) عن سرّ قدرته على ترويض وترقيص القرود، فقال لهم: لو كنتم مصريون، فما كنت لأدخل معكم فى الحديث حول هذا الموضوع، ولكن، وبما أنكم (تلامزة)**** سترجعون إلى بلدكم بعد إكمال دراستكم، وبالتالى فلا خطر على مهنتى من إحتمال قيامكم بمنافستى، فسأروى لكم السر، شريطة أن (تحلفوا) لى بألا تخبروا به أحدا آخر. فتبارى رفاق محمود بالقسم بالله العظيم، وبقرآنه الكريم، كما أقسم أحدهم بسيدى إدريس، ألا يذيعوا سرّه لأحد، غير أن محمود كان أوفرهم حظا عندما أقسم للقرداتى بالسيدة زينب (رضى الله عنها)، فإنبسطت أسارير القرداتى وقال: (شيل لله يا ست) أى شيئاً لله يا سيّدة، على ما أعتقد! وإنطلق يشرح للشباب كيف أنه عندما يشترى القرد (الخام) أى غير المدرّب، فإنه يشترى معه أرنبا ويربط الإثنان فى ركنين متقابلين فى غرفته (فوق السطوح)، ثم يطلب من الآرنب أن يرقص على دقّات طبلته، مهددا إياه بعصاه، وطبعا فإن الأرنب لا يستجيب، فيكرر القرداتى نفس (النمرة) مرة أخرى، وعند عدم تجاوب الأرنب فى المرة الثالثة، يخرج القرداتى سكينًا حادّة من جيبه ويذبح بها الأرنب فى لمحة بصر! وبعد أن يرى القرد ذلك المشهد، والذى خاتمته رؤية الأرنب وهو يتخبط فى دمائه، يهتاج القرد قليلاً، فيتركه القرداتى فى حاله لمدة تساوى الوقت الذى يستغرقه لتدخين سيجارة واحدة، لأنه ليس لديه ساعة ليحدد بها الوقت، وبعد أن ينتهى من تدخين السيجارة، يلتفت القرداتى إلى القرد ويطلب منه الرقص على دقّات طبلته (النشاز)، فيقوم القرد فورا بالعجن مثل أى (فلاحة) والنوم مثل أى (عروسة) وتأدية التحية العسكرية بطريقة تشابه التحية التى كان يؤديها بعض الضباط الذين ساهموا فى ضياع فلسطين والتنكيل بأبناء وبنات أوطانهم!
تحذير: أنصح كل من لا (يحب) السياسة، أو يعتبرها (حرامًا)، ألا يتابع الجزء الثانى من هذه القصة!
مع تحياتى للجميع
حسين الفيتورى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *) إسم مستعار لشخصية حقيقية. **) الإسم الذى أطلقه جمال عبدالناصر ومحمد نجيب على( برج القاهرة) الذى تبرعت الحكومة الأمريكية ببنائه. ***) وينطقها المصريون (تعزيم سلام) أى تقديم التحية العسكرية! ****) وهى تعنى (تلاميذ)، وبالطبع، فإن القرداتى لا يعرف الفرق بين تلاميذ وطلبة!
|
المقالات المنشورة بالموقع تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
![]()