الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منتدى الكتّاب


24/05/05


 

 

 

الإسلام والغرب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه، وبعد:

 

فعلى الرغم من مرور القرون الطويلة (أكثر من ألف وأربعمائة سنة) على معانقة الأرض لوحي الله تعالى الخالد، لا يزال كتاب الله شاهداً على الأمم بصدق رسالة سيد ولد بني آدم عليه الصلاة والسلام، ولا يزال الإسلام أكبر الديانات الموجودة على وجه الأرض على الإطلاق، بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فالإسلام يحصد في كل يوم أنصاراً من الشرق والغرب،مع أن المسلمين اليوم من أضعف أمم الأرض وهذا عجب من العجب، ذلك أن الذي يُحَكِّمُ عقلَه دون اعتبار لأي أمر آخر سيخلص في آخر المطاف إلى أن سُنَّةَ الحياةِ جرت بأن المغلوب تابع للغالب معجب به، وأن المنطق المادي البحت يوجب أن يعتنقَ الضعيفُ المقهورُ دينَ القويِّ القاهرِ، إلا أن الأمر لا يسير على وفق ما تحكم به العقول المجردة حين نتكلم عن هذا الدين العظيم. 

 

ومن اللافت للنظر حقاً أن الإسلام صار يستهوي كثيراً من أصحاب الفكر والنظر في المجتمعات الغربية، وجلهم من الطبقة المثقفة المتعلمة التي نشأت في مجتمعات تعبد المادة وتقدس العقل، ولا ترى لأحد على أحد فضلا إلا بمقدار ما أوتي من هذين الأصلين عندهم، وقد شهدت بنفسي إسلام كثير من الغربيين من المهندسين والأطباء وطلاب الدراسات العليا هنا في بريطانيا وغيرهم من أصحاب الثقافة الراقية، والذين لا يمكن لأحد أن يشكك في قدرتهم على البحث والنظر والتمييز بين الغث والسمين، إلا أن القوم كانوا أكثر إنصافاً من كثير من المتغربين.  

 

وقد جمعني قبل عدة أيام مجلس مع شاب إنجليزي لم يجاوز الخامسة والعشرين، نشأ في أسرة مسيحية تعتز بديانتها، وتستعلي على كل غريب وافد، قد ملك عليه الإسلام عقله وقلبه وكيانه، وكان يحدثني عن تجربته التي انتهت به إلى اعتناق هذا الدين وعيناه مغرورقتان بالدموع، وبريق الإيمان يسطع من جبينه، وهو يرتدي العمامة والقميص (وهي التي يسميها الناس اليوم الجلابية)، حيث قرأ هذا الشاب (وسمى نفسه مصعبا) ربما أكثر من أي مسلم منا عن الإسلام، ولاشك أنه قد قرأ كثيرا من الشبهات التي جادت بها زبالات المشككين ، فكان كلما قرأ شيئاً عن الإسلام صاح به عقله وناداه فؤاده : هل من مزيد؟       

 

وانتهى به الأمربعد طول تدبر ونظر وتأمل إلى الصدع بكلمة الحق وشهادة التوحيد، معلناً بذلك البراءة من الشرك وأهله، وانتهى ذلك الصراع المرير في نفسه إلى انتصار الفطرة على صيحات التشويش والتشكيك، وإنها لشجاعة ما بعدها شجاعة أن يترك شابٌ في عمر أخينا مصعب - صاحب الحسب والجاه والمال والجمال-  حياة الصخب واللذة و الهوى، ويقبل على الله تعالى نادماً على ما ضيعه من عمر مضى في غير طاعة أو معروف.

  

وقد حدثني بعض الإخوة المهتمين بشأن الدعوة أن عدد الداخلين إلى دين الله تعالى في دول الغرب[1] قد حقق أرقاماً أقلقت صناع القرار في بعض الدول العريقة في علمانيتها، ومما تجدر الإشارةُ إليه أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عكف كثير من الغربيين وغيرهم – بدافع الفضول – على القراءة والبحث عن دين الله الخالد من أجل الوصول إلى تصور صحيح عن هذا الدين العظيم، وكلمة حق لابد أن أصدع بها: أن كثيراً ممن قرأ عن الإسلام ولم يعتنقه – من المنصفين -  صار يحترم هذا الدين أيما احترام، بل بعضهم بدأ يصحح كثيراً من الأغاليط والأباطيل التي تنشر هنا وهناك بسبب وبغير سبب عن هذا الدين الخالد، فقلت في نفسي: سبحان الله العظيم، رُبَّ ضارة نافعة!  

 

إن من أسلم من إخواننا في هذه الديار، إنما وفقهم الله تعالى لذلك لأنهم قدموا على الله تعالى بروحٍ متجردة من كل شي إلا من طلب الحقيقة ومعرفة الصواب، أسوتهم في ذلك سيدنا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، أما من جاء محملاً بالشبهات ومعبأ بالشهوات، فأنى له أن يسمع أو يعقل أو يفهم؟     

 

والسؤال الذي يلح في طلب الجواب: لماذا يستهوي الإسلامُ الغربيين وهم الذين تربوا في أجواء المادية الطاغية وترعرعوا في ظلال العقلانية المتطرفة، وشربوا من معين المسيحية المحرفة المشوشة حتى الثمالة؟

 

دخلت امرأة إنجليزية ذات يوم على أحد المراكز الإسلامية في بريطانيا تطالب بلقاء المسؤول عن ذلك المركز، وعندما سئلت عن سبب ذلك أجابت: جئت إلى هنا وأنا أكاد أنفجر من الألم والحسرة والغيظ؛ إذ كيف يقصر المسلمون في دعوتنا ودعوة أمي – التي ماتت على غير الإسلام – كل هذه السنين؟ بل كيف يعطي المسلمون أنفسهم الحق في أن يكتموا عنا دين الله الذي أراده وارتضاه للناس كافة؟ ثم انفجرت باكية !           

 

فما كان من الأخ إلا أن هدأ من روعها، وأوضح لها أن المسلمين في الغرب يقومون بكل ما يستطيعونه من أجل إيصال صوت الحق إلى الناس، وأن الإسلام ليس حكراً لا على العرب  ولا غيرهم.

     

إن على المسلمين في الغرب أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، وينبغي على كل المراكز الإسلامية والمؤسسات والجمعيات الخيرية أن تدعم الأنشطة الدعوية التي تبشر بالإسلام العظيم، الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم خالياً من كل كدرٍ نقياً من كل شائبة صافياً من كل تعكير، وإنه لا مناص من البدء في حوار مفتوح  بين الدعاة وغيرهم من  المسلمين من أصحاب التوجهات العلمانية أو الليبرالية كي يفهم أولئك أن الإسلام لا يعادي حرية التفكير، وأن القوم لو حكموا عقولهم لعلموا علم اليقين أن الغلبة ستكون لدين الله تعالى وشواهد ذلك كثيرة جداً.

 

بل إنني أدعو إلى حوار بين المسلمين وغيرهم من الساسة وصناع القرار في هذه الدول، من أجل أن يتعرفوا على الإسلام عن قرب، ولكي يزيلوا من أذهانهم تلك الصورة البئيسة التي رسمها ولا يزال يرسمها الإعلام الغربي (الذي يفترض أنه يتحرى الدقة والموضوعية والمهنية) عن دين الله تعالى، ذلك الإعلام الذي ضل طريقه وصار في كثير من المناسبات أداة لصنع الشعوب وتوجيهها، وقد حدثني بعض الإخوة المشتغلين بالدعوة أنه التقى وفداً من القساوسة الذين يفترض أنهم أكثر الناس معرفة بالإسلام، فسألهم على سبيل الاستئناس ورفع الكلفة: هل تعلمون لماذا يستقبل المسلمون الكعبة في صلاتهم؟ فرفع كبيرهم أصبعه متهيئاً للجواب، فلما أذن له قال: لأن محمداً مدفون فيها!

 

إننا نرحب بالحوار المثمر في ظل الاحترام لمشاعرنا وثوابتنا، فنحن أمة عريقة عراقة الزمان نفسه، قديمة قدم التاريخ، و نحن أحرص الناس على الحوار، فإن مبدأ التحاور حول القضايا المختلفة، ووجهات النظر المستجِدة، ليس أمراً جديداً على المسلمين، فقد حفظ لنا كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وآثار صحابة رسولنا رضي الله عنهم أجمعين ، وسيرة كبرائنا وعلمائنا، حفظ لنا من ذلك  ما نفاخر به شعوب الأرض جميعاً، وما يجعلنا – نحن المسلمين- نقف في مصاف الأمم التي ساهمت في تعميق هذا المبدأ، والدعوة إليه والحرص عليه.

 

وحسبك بأمام علم كالشافعي رضي الله تعالى عنه الذي كان يقول: ما ناظرت أحدا إلا رجوت الله أن يظهر الحق على لسانه. وكان يحترم آراء المخالفين له احتراما شديدا حتى اشتهر عنه قوله: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.

 

هذا أيها الناس غيض من فيض وقليل من كثير، وهو قطرة من بحر عميق واسع ملئ بالدرر والصدف، فمن أراد درره فليحسن الغوص إلى الأعماق، وليسأل الواحد الرزاق، فما رد يوما من سأله، ولا خيب من أمله، يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، عطاؤه لا ينفد، وفضله في كل وقت يتجدد، يُعْصَى فيغفر، ويطاع فيشكر، القلوب له مفضية، والسر عنده علانية، رب رحمن رحيم واسع الفضل والكرم جميل حليم، فبادر بالتوبة إليه، والثم الأعتاب بين يديه، فالمصير حتما إليه، وإنا لله وإنا صائرون إليه.

 

أخوكم: خالد على الورشفاني

Wershffani@hotmail.info

     


 [1] منها على سبيل المثال فرنسا العلمانية، حيث تشير آخر الإحصائيات إلى أن معدل الداخلين إلى الإسلام بلغ خمس مسلمين لكل يوم، فموتوا أيها المشككون بغيظكم.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

المقالات المنشورة بالموقع  تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع