29/05/2007

      


تونس: المصالحة العرجاء على طبق سياسي مسموم...!

 

بقلم: مرسل الكسيبي *


 
أعود اليوم مضطرا ومكرها الى أخينا صاحب شاشتي المستقلة والديمقراطية الدكتور محمد الهاشمي الحامدي, الذي أردنا له أن يعود الى أيام البطولة حين كان قياديا طلابيا شجاعا ومغوارا نسمع عنه من خارج أسوار الجامعة من قبل أن تطأها أقدامنا سنة 1988 , الا أن الأيام شاءت أن نعرفه بعد أن ودع أيام "تذكرة يازميل", أي تذكرة تكاليف الدخول للمطعم الجامعي وأيام "الترسكية" في المبيت الجامعي أي الاقامة فيه لدى أحد الزملاء الطلاب بعد أن عجزت جيوبه عن تسديد معالم الاقامة خارج أسوار المبيتات الحكومية التي تقدم خدماتها المخفضة الى عموم الطلاب ...
 
نسي أخونا الهاشمي أنه ابن قرية "الحوامد" الفقيرة والواقعة باحدى ضواحي جهة سيدي بوزيد ,وتنكر لأيام الزمالة والرفقة لثلة من خيرة مناضلي الحركة الطلابية في تونس والذين رافقوه في مسيرة النضال فانقلبوا بقضاء وقدر محتومين الى زنزانات جماعية وانفرادية خطوا عليها اثارا من جوع ومرض ونحافة جسم وألم وشكوى وتضرع الى أحكم الحاكمين, غير أن مشيئة الله تعالى قادت الأخ الهاشمي الى العاصمة لندن حيث تنعم وتقلب في سعة من المال ونجومية الفندقة منذ أن وضع أرجله في مكاتب صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ...
 
وفي الوقت الذي حرم فيه الالاف من أقرانه المناضلين والطلاب الأشاوس من مواصلة دراساتهم الأكاديمية العليا نتيجة ماحل بالبلاد التونسية من ظروف أمنية قاسية على خلفية الاعتقالات والمحاكمات السياسية الواسعة التي عرفتها تونس بداية التسعينات من القرن الماضي ,في مثل هذا الوقت كان الأخ الهاشمي يحصد نتيجة الرخاء اللندني باحدى الجامعات البريطانية ليتوج لاحقا دكتور "قد الدنيا", ومن ثمة ليظهر علينا لاحقا في أكثر من فضائية عربية منددا بالعنف والتنطع والتطرف ومن ثمة مسوقا لنفسه كواحد من أبرز وجوه الاعتدال والتوسط في الظاهرة الاسلامية التونسية ...
 
كان موضوع أطروحة الدكتوراة وعامل السيولة المالية وتوظيف رصيده من العلاقات العامة الذي ورثه بحكم موقعه السابق داخل حركة الاتجاه الاسلامي ممهدا له من أجل أن يطرق أبواب الاعلام الفضائي, غير أن ظهوره الاعلامي هذا لم يستطع أن يصمد في خدمة قضايا أشواق الحرية التي كتب عنها أيام كان مطاردا الى السودان على عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ,اذ سرعان ماهوى برنامج المغرب العربي بعد مضي سنة واحدة على تقديمه للجماهير التونسية ... ولم تكن المبررات يومها أكثر من اقتصادية بحكم ماقيل يومها عن عجز مالي وقعت فيه القناة نتيجة محاصرة مادة الاعلانات فيها من قبل المجموعة الرسمية العربية ...
 
كان من الممكن جدا للأخ الدكتور محمد الحامدي أن يعرض بشكل أو باخر عن الخوض في الموضوعات التونسية نتيجة ماقدمه على أنه صعوبات مالية مرت بها المستقلة, غير أن خوضه في الشأن التونسي مجددا وعلى طريقة البرافدا الشيوعية أسقط عنه صورته المشرقة أيام الجامعة التونسية حين كان قياديا بالاتجاه الاسلامي, وهو أبرز فصيل طلابي عرفته تونس على سنوات الثمانينات وبداية التسعينات.
 
اصرار الأخ الدكتور الحامدي على تلميع صورة الحاكمين في تونس على طريقة ماتفعله قناة تونس سبعة الرسمية, مثل خللا اعلاميا فادحا قد تكون الغفلة عنه من باب عدم التخصص في مجال الاعلام أو من باب الطمع فيما ستقدمه السلطة التونسية من عطاء أو اغراء يبدو أنه كان مقنعا الى الدرجة التي جعلت قناة الديمقراطية ونظيرتها المستقلة تستضيفان أشهر المفلسين في الدفاع عن منجزات السلطة الحداثوية ...
 
الرصيد الحقوقي والسياسي والاعلامي في تونس رصيد لايمكن أن ينجح في الدفاع عنه حتى أشهر وأبرع المحامين والاعلاميين في العالم , ومن ثمة فقد ركب أخونا الدكتور الهاشمي جوادا خاسرا نصحناه بالنزول عن ظهره قبل أيام, غير أنه لم يلق لنصيحتنا بالا بعد أن غرته على مايبدو شهادة الدكتوراة ...وظن باخوانه الناصحين كل الظنون ...!, بل يبدو أنه أصر الى العودة مجددا الى اسطوانة المصالحة المشروخة في وقت تجدف فيه السلطة ضد التيار وتمعن في التنكيل بضحايا سياسات الحيف والجور وشرائح واسعة ومعتبرة من الشعب ,برغم أن حديث الناصحين والعاقلين للسلطة عن حفظ ماء الوجه وانقاذ الوطن والنفس حديث لم يجف حبر محبريه بعد...!
 
الأخ الدكتور محمد الهاشمي صاحب مجموعة المستقلة خسر كثيرا بتحويل منبريه الاعلاميين الى نسخة سياسية شبه مطابقة للأصل لقناة تونس 7 في وجهها السياسي والاخباري عن تونس المحروسة ...
 
لقد خسر فعلا حب اخوانه له وتقدير الجماهير الطلابية لرصيده النضالي بالجامعة التونسية, وهو اليوم يخسر بقية رصيده السياسي بعد أن أصبح مصرا في كل مرة يبلغ فيه النشاط المعارض درجة من الاحراج على طرح موضوع المصالحة المفخخة التي تهدف الى ضرب وحدة وتماسك حركة النهضة والى تفكيك ائتلاف 18 أكتوبر المجتمع على الحد الأدنى من المطالب الوطنية المشروعة ...
 
انه اليوم يحولها الى معركة شخصية بينه وبين الشيخ راشد الغنوشي الذي وان اختلفنا معه في بعض تقييماته السياسية أو في طريقة ادارته لبعض شؤون الحركة ,الا أننا لانشك أبدا في وطنيته أو رغبته في رؤية تونس خارج اطار هيمنة الحزب الواحد, ومن ثمة فلابد أن نضع بهذه المناسبة النقاط على الأحرف عبر التفريق بين الخلاف الشخصي والمصلحة الوطنية التي لابد أن تقدم على كل اعتبار اخر فيه للنفس والشيطان حظ لايمكن لعاقل أن يغفل عنهما ..
 
لقد طالبنا سابقا بتحقيق سنة التداول داحل حركة النهضة عبر افراز طاقم قيادي جديد, كما طالبنا الشيخ راشد الغنوشي بالنسج على منوال الأستاذ أحمد نجيب الشابي من خلال تسليم مقاليد القيادة التنفيذية والميدانية الى رجال من حركة النهضة داخل البلاد ,غير أن هذا لايعني أننا ننكر للرجل رصيده من التضحية والنضال أو مساهماته البارزة والمثمنة في الفكر الاسلامي والفكر السياسي المعاصر بوجه عام ,وهو مايحمله في تقديرنا مسؤولية أكبر تجاه توثيق تجربته للقادم من الأجيال.
 
أردنا من خلال هذا التذكير أن نكبح النفس الأمارة بالسوء وأن ننصح مجددا الأخ الدكتور محمد الهاشمي الحامدي بالاقلاع عن موضوعة المصالحة المغشوشة الى أن نرى مؤشرات فعلية دالة على تحول حقيقي تشهده السلطة من داخلها عبر الاذعان الى المطالب المشروعة للمعارضة والنخب الفكرية والسياسية والحقوقية والاعلامية داخل تونس وخارجها ...
 
وفي الختام أدرك جيدا بأنني أغلضت مع الأخ العزيز محمد الهاشمي الحامدي الكثير من القول ,ولكنني رجوت بقساوتي هاته أن أراه من جديد متوثبا فرسه الجامعي وملتحقا بأفواج المطالبين بالحرية ولاسيما أن لديه فضاء اعلاميا رحبا ومؤثرا تخشاه بلا شك السلطات التونسية, وذلك لخطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه الاعلام الفضائي في ترجيح كفة المعارضين ...
 
أرجو من الله تعالى في النهاية أن أكون بقساوتي هاته قد حركت مهجا قد يكون غرها بريق الصورة الفضائية وعالم المال والأعمال ولكن تلك شهادة نقيمها عليه وعلى الشعب من أجل وضع حد لحوار مبتور لن يسهم الا في خدمة سلطة برهنت على أنها تتقن لعبة تمزيق المعارضة أكثر من خدمتها لشروط الاصلاح والمصالحة والانفتاح والدمقرطة ...
 
 
حرر بتاريخ 27 ماي 2007 - 11 جمادى الأولى 1428 هـ.
 

* لمراسلة الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية يرجى المكاتبة اليكترونيا على العنوان الاتي:

 reporteur2005@yahoo.de     http://www.tunisalwasat.info

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com