إن الشئ المهم والمؤسف الذي يجب أن
نلاحظه اليوم وننتبه إليه جيدا ًهو أن الجيل الأول الذي عاصر عهد الاتحاد
والإستقلال وعاصر قيام دولة ليبيا الحديثة سواء من كان منهم أيامها في صف
الحكومة أو صف المعارضة قد أخذ اليوم - للأسف الشديد - هذا الجيل في الرحيل
يوما بعد يوم !.. وهي سنة الله في خلقه ولا مفر ولا إعتراض على القدر ولكنني
أنا شخصيا ً لا أشعر حينما يصلني خبر وفاة أمثال هؤلاء بالحزن فقط بل يشعرني
كذلك بالكثير من المرارة والشعور بالخسارة !.. هكذا أشعر كل مره !.. وأنا
في الواقع أشعر بهذه الخسارة - كما صرحت للإصدقاء أكثر من مرة - في وفاة أي
من (كبار السن) من (الشيوخ والعجائز/ أباءنا وامهاتنا) في ليبيا لأني
أعتبرهم (حملة التراث والذاكرة الشعبية للأمة) التي يحتاج اليها الجيل الجديد
الصاعد وتتضمن الكثير من التفاصيل التي ربما تغيب عن الكثير من كتبة التاريخ
الرسمي المكتوب سواء ما كان منهم يمثل رواية السلطة الرسمية أو ماكان يمثل
رواية المعارضة الوطنية أو من كان يحاول الإلتزام يالحياد والموضوعية الصارمة
في كل أو جل رواياته للأحداث التاريخية !... فعموما ً فإن موت كبار السن في
وطني يجعلني بالفعل أشعر بالخسارة فكيف بمن كان منهم ممن شاركوا في صناعة تلك
الأحداث وكانوا في قلبها من أمثال شهيد الغربة وحب الوطن السيد (عبد الحميد
البكوش) !؟؟.
البكوش الإنسان والعاشق الولهان لليبيا !
إن "البكوش" لم يكن مجرد محب لوطنه
بشكل إعتيادي كحال الكثير من الناس بل كان الرجل محبا ً لوطنه الى حد العشق
والإخلاص المطلق ! .. فنظرة واحدة منك الى اشعاره وافكاره وكذلك الى أخباره
وأثاره تكفي لإدراكك هذه الحقيقة ! .. وإذا كان المثل الشعبي لدينا يقول:
(البعد جفا) و(البعيد عن العين بعيد عن القلب) فالأمر على العكس تماما ً في
حالة "البكوش" ! .. فهو لم يزده (البعد) الا عشقا ً لليبيا ولم تزد عقود
الفراق قلبه وحبه لهذا الوطن الا اخلاصا ً وأصالة ًكحال العشاق الحقيقيين
الذين طالما قرأنا عنهم في قصص العشق الرومانسي القديمة ! .. وقد عبر
"البكوش" عن هذا (العشق الأصيل) في كل قصائده تقريبا ً فقال في قصيدة شهيرة
بعنوان (حبيبتى ليبيا):
من حبيبتى اذا لم تكونى ؟
من سوى انت يشعل النار فى دمى
ويغذى هواجسى
ويبيع الظنون فى خاطرى بالظنون
من همومى وسلوتى ؟
وعذابى وفرحتى وشجونى !؟
لقد ظل "البكوش" على هذا العشق
النابض بالشوق والحنين للوطن وعلى الوفاء الى المعشوق والإخلاص له على الرغم
من كل التهديدات الهائلة والاغراءات الطائلة والضغوطات الكثيرة والكبيرة التي
كانت تطالبه وتغريه بأن يــُعطي الدنية في عشقه لليبيا فأبى وأعتصم وكان من
المخلصين إلى أن لقى ربه الأكرم دون أن يخوض مع الخائضين بل ظل على موقفه
الوطني الثابت والمشرف الذي يقوم على أساس حقيقة سياسية ثابتة وراسخة وبسيطة
أثبتت – ولا زالت - صحتها كل التجارب والوقائع بشكل قاطع لاشك فيه وهي ان:
(القذافي لن يتغير ! .. ولا يمكن تصوراصلاح حقيقي وجاد ولا خلاص حقيقي لليبيا
ولليبيين في ظل قيادته المطلقة لسفينة الدولة الليبية !) وهاهي مظاهرة
(واعدوا) الإرهابية وخطاب القذافي فيها بإسلوبه القديم والعقيم يؤكد هذه
الحقيقة الثابتة بكل وضوح !.
عبارة رسخت في ذهني !
إن أكثر عبارة رسخت في ذهني من
العبارات التي ذكرها المرحوم "البكوش" هي عبارة قالها في إحدى المقابلات التي
اجرتها معه احدى القنوات العربية المسموعة حين سأله المذيع: الم تكن لكم
أخطاء أثناء توليكم السلطة في ليبيا ؟ ألم تكن هناك بعض مظاهر للفساد ؟ ..
فأجاب – رحمه الله – قائلا ً: ((بالتأكيد أن هناك الكثير من الأخطاء خلال تلك
المرحلة ولكن على كل حال لم يصل الأمر إلى حد أننا ننصب المشانق لأبناء شعبنا
في الشوارع العامة أو وسط الجامعات))!!؟؟.
لجنة وطنية لتكريم رجالات ليبيا
وبهذه المناسبة فإنني أضم صوتي الى
صوت المقترح الطيب الذي تقدم به الأخ الدكتور عبد الهادي شلوف – حفظه الله
ورعاه – من ضرورة تكوين (لجنة وطنية لتكريم رجالات ليبيا ورموز وطنيتها
والتعريف بهم) سواء من كان منهم على قيد الحياة أو من إنتقل منهم الى الرفيق
الاعلى ولو من خلال إجراء إحتفال رمزي كل عام مع تقديم (شهادة تقدير وإفتخار
رمزية) لهذا (الرمز والخادم الوطني) أو لذويه .. فياليت من ينهض منا ليقوم
لهذا الأمر المعنوي والوطني المهم والجليل ويعمل على تنفيذه من خلال (مؤتمرنا
الوطني) أو غيره بارك الله فيه .. فمثل هذا (الإحتفال) لن يكون فقط مناسبة
وطنية ً لتكريم الخادم والرمز الوطني أولتأكيد قيمة الوفاء وحسب بل سيكون
مناسبة مهمة ودورية لتعريف الخلف والجيل الصاعد من الأبناء بتضحيات وعطاءات
السلف من الأباء والرعيل الأول ! .. وهذا أمر مهم – غاية في الأهمية – في
مناهج التربية والتوعية الوطنية من أجل بناء (الشخصية الليبية) الوطنية
الراشدة والفاضلة والعاملة التي دعا اليها وشدد عليها المرحوم "البكوش" في
مقالته (الشخصية الليبية) وهو ماسيكون بعون الله موضوع مقالتنا القادمة بشئ
من التفصيل.
رحم الله شهيد الغربة والمبدأ وعشق
الوطن .. الرجل الشريف والنظيف بشهادة الجميع .. الاستاذ الفاضل المرحوم (عبد
الحميد البكوش) الذي اتقدم بخالص مشاعر التعازي فيه لذويه ولكل شرفاء ليبيا
وإنا لله وإنا اليه راجعون.