06/05/2007

      


 
عبد الحميد البكوش ... مفخرة الوطن وفقيد الوطنية
 
بقلم: ونيس المبروك

 
 
الوطن ليس أرضًا نحبها كما نقول في الشعر، وُرباً أكثر خضرة، وأكثر جمالاً، نحن نحب الوطن ولو كان قطعة من الصحراء القاحلة، لأننا نشعر فيه بكرامتنا، وبالتمتع بحقوقنا، ومحميين، عندما يتحول هذا الوطن إلى محرقة ويتحكم في أرواح الناس، وفي مستقبلهم، وفي حرياتهم حاكمٌ ما، يصبح لا معنى للوطن.
 
[عبد الحميد البكوش – رحمه الله ٍ]
 

 

إن كان تاريخ الشعوب والأمم هو تاريخ من نبغ من أبناءها، وإن كانت رجولة الرجال تقاس بمواقفهم وآثارهم، فلا ينبغي لأبناء الوطن في ليبيا أن يمر بهم نبأ وفاة السيد عبد الحميد البكوش (رحمه ال) دون وقفة تحية ووفاء، فقد كان بحق، نابغة من نوابغ ليبيا، ورجلا وفيا من رجالاتها.
 
نعم قد يتفق بعضنا معه أو يختلف – فتلك طبيعة الخلق، وسنة الخليقة – ولكن لا يمكن إلا أن نقف ملياً لنستعرض جوانب من سيرته، وقبسا من مسيرته. وسأكتفى في هذ المقام بسمة بارزة في شخصية هذا الرجل؛ تقرأها في نثره وشعره، وصحبته في حله وترحاله، وألتزمها حال سلمه وحربه ... إنها الوطنية الصادقة، والوفاء الخالص لليبيا الوطن والأهل.
 
أقرأ إليه وهو يتغنى لوطنه بقلب المحب الوله لا بحزم السياسي الصلد قائلا:
 
تمليت عينيها فأبصرت جنّتي
ولاحَت بمكنون الفؤاد حوابسُ
بلادي لها دون البلاد روائح
وعطر روابيها شذىً يتهامسُ
إذا كان للآفاق عندك أربعٌ
فإن بلادي في فؤادي خامس
 
لقد ملأ حب "ليبيا" جوانب نفسه ، فأراد وزنها، فجعلها بالدنيا وأكثر... يقول (رحمه الله):
 
إسأليني عن بلادي؟
عن كثيب الرمل يستلقي
على وجنة وادي
أسأليني عن عروس
بالزغاريد تحنى ..
جيدها الرائع مغنى
وجهها وجه بلادي
وهي عندي
تزن الدنيا وأكثر
 
إن حب الوطن فطرة، متأصلة في النفوس، ولما كان الإسلام دين الفطرة، فقد أطلق للنفس أشواقها، ولكنه حدد مساراتها، وطوى ما عسى يكتنف هذه العاطفة من افراط خادع. لقد قرن الله تبارك وتعالى حب الوطن بحب النفس، فقال - سبحانه "ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم، مافعلوه إلا قليل منهم ".
 
وجمع – سبحانه - في موضع واحد، بين "الإخراج" من الديار، والقتال في الدين، فقال سبحانه "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم".
 
وهذا صاحب الحضرة النبوية المشرفة ، يناشد أصيلا أن يكف حتى تقر القلوب وتسلو، فقد جاء في الاثر إنَّ الرسولَ- صلى الله عليه وسلم - سمع وصف مكة من أصيل فجري دمعه حنينًا إليها وقال: "يا أصيل دع القلوب تقر".
 
وكان يستمع لبلال وهو يتغنى بحب مكة قائلا:

 

ألا ليت شعري هل أَبِيتَنَّ ليلة

وهل أَرِدَنْ يومًا مياه مجنةٍ

بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ

وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ

 

فتأثر قلبه ولكن لم ينكر عليه، فكانت "سنة"
 
يا أبناء وطني: هذا بلال (رضى الله عنه) وقد كان في مكة عبدا يباع ويشترى، ولاقى من جبابرتها صنوف العذاب وفنونه، وطرح في هجيرها، وتلاعب به صبيانها، تراه يحن لمكة ويتغنى بنبات أرضها (أذخر وجليل) ويحن لأوديتها وجبالها (شامة وطفيل)، ويتذكر أسواقها فكيف يلام – عبد الحميد – في حب ليبيا، وهي قبس من نور الجمال، وآية حباها الله سبحانه بالجلال؟.
 
والأحرار يعشقون أوطانهم، ويألفون أرضهم، ولو كانت قفرا موحشا، ويحنوا إليها أذا غيبوا أو غابوا، فهي مراتع الصبا، لهم فيه مآرب قضوها، وذكريات سطروها:

 

وحبب أوطان الرجال أليهم

إن هم ذكروها ذكرتهم

مآرب قد قضاها الشباب هنالك

عهود الصبا فحنوا لذلك

 

إننا أحوج ما نكون، لمن ينمي في نفوسنا معاني الحنين للوطن وحب أهله، والتضحية من اجله، والتغني ببطولاته وأمجاده، وتذكير الأجيال بملاحم أجدادهم الشرفاء.
 
لقد عاش الليبيون زمنا نكدا، لم يتعرفوا على جوانب الجمال والجلال في تاريخ وطنهم المجيد، ولم يلتمسوا مخايل العظمة في رجاله، حتى ترى بعضهم يتفنن في ازدراء كل ما يربطه بوطنه، ويستحي من الإنتماء إليه، بل لعله تراه يعيش "فصاما" فيسهم في تشويهه قولا وفعلا ....
 
إن لحب الوطن، أثرا عميقا، وفعلا عجيبا بالنفوس، يبعث على التضحية دون طمع ولابخل، ويدفعها للوفاء دون تلون ولا غدر، فتجد المحب يضاعف من عطاءه، في تفاني ومضاء، لا تجد له تأويلا ولا تفسيرا بلغة الخطاب، لأن معانيه رسخت في القلب، بلغة الحب، لا بلغة العقل, قكم من ثورة أشعل أوراها حب الوطن، وكم من بطولات مدفونة، نفض التراب عنها حمية لأرض، أوغيرة على عرض ...
 
تصفحوا التاريخ بعين الفكر، وانظروا إلى ملاحمه ونهضاته وبطولاته؛ فسترون من وراءها رجالاً، أحبوا الوطن فذادوا عن حياضه بالخيل والرماح، وقدموا في سبيله المهج والأرواح، فرفعوا من قيمته، وزاد من قامتهم.
 
والوطنية التي نرضاها - ولا نظن الفقيد إلا عناها - هي وطنية الحنين، والوفاء بحق الوطن وأهله، والقيام بواجبه، وتقوية الرابطة بين أبناءه في سبيل مصالحهم المشروعة، وليست وطنية التحزب الضيق، ولا العصبية المقيتة ، فجنسية المسلم عقيدته، وأينما حل المسلمون بأرض فهي داره وعرضه.

 

ولست أرى سوى الإسلام لي وطنًا

وكلمـا ذكـر اسـم الله فـي بلد

الشام فيها ووادي النيل سيان

عددت أرجاءه من لُبِّ أوطاني

 

فإن كان أحد فرسان الوطنية ترجل، فما أحوجنا اليوم لفرسان أوفياء، وقادة أجلاء، يغرسون في صدور أبناء الوطن حب ليبيا، وخدمة أهلها والتغني بمآثرها.
 
وأنا لم التقى بالفقيد يوما، ولكني أرى أن يسعى من يعرف الكثير من سيرته الوطنية ومسيرته الإنسانية، في عقد ندوة تتناول جوانب مسيرته في خدمة وطنه وأهله .فهذا أقل ما نقدمه لإحياء مآثر رجال الوطن، والذين هم جزء من تاريخه ولو اختلفنا معهم في الرأي.
 
وكم أعتصرني الألم وأنا أرى مثل هذا الرجل، يموت بعيدا طريدا عن وطنه وأهله، ويحرم من نسيمه ، والإلتصاق بتربته التي خدمها ردحا من الزمن.
وأتمنى من خصومه، أن يتساموا عن الأحقاد، فإن الرجل قد أفضى لما قدم، وأن ينهجوا نهج الفقيد عندما كان حيا والذي أشار إليه الدكتور جمعة عتيقة في وصفه قائلا:
 
"كنتَ عفيف اللسان حتى في خصوماتك السياسية .. متسامحاً (ومحباً) للذين آذوك وأشهروا في وجهك حراب * الجحود والنكران .. مؤمناً بأن الأوطان لا تبنى إلا بالمحبة والتسامح وأن الحقد داءٌ مدمرٌ للبلاد والعباد... لم أسمع منك طوال سنوات معرفتي لك لفظاً بذيئاً أو قولاً مُسفّاً ولم أشعر عندك بسخيمة كرهٍ أو ضغينة مُقتٍ تجاه أي من الذين إستباحوا لحمك وولغوا في عرضك وسمعتك".
 
وأتقدم في هذا المقام لأهل الفقيد الشريف ولأبناء الوطن العزيز، بواجب العزاء، ولا نقول إلا ما تعلمناه من باريء الأنفس "إنا لله وإنا أليه راجعون".
 
وإن كانت صنائع المعروف تقي مصارع السوء، فإن لعبد الحميد صنائع وافرة من المعروف، ونسأله سبحانه وهو الغني عن عذابه، إن يقيه مصارع السوء وأن يرحمه ويرحم موتى المسلمين، آمين.

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com