29/05/2007

      


 
 
جدل العرب والغرب... أسباب التنافي وشروط التصافي
 
بقلم: زهير الخويلدي

 

"إن مستقبل المسلمين يتعلق بمدى قدرتهم على إعادة بناء عالمهم الروحي الأصيل وتجديد ثقافتهم، فالأوربيون الذين يتحملون مسؤولية تحطيم العالم الإسلامي وثقافته الأصلية المتميزة يجب أن يتواصلوا مع الإسلام ويسهموا في انبعاثه"                            لويس ماسنيون

 

إن ما حصل للعرب في زمن سطوة الغرب بعولمته الاختراقية تعجز كل الألسن عن قوله وتخفق كل العقول عن تصوره وتكل جميع القلوب عن تحمله فهو حدث جلل فاق كل اعتبار بحيث لا تقدر كل أشكال النقد والمعرفة والوعي ولا حتى أساليب التعرية والغربلة والزحزحة على رصد مغزاه وإدراك معناه وفهم مقاصده،فهذا الزلزال المروع الذي مادت له أرض المولد واهتز له وطن الكينونة هو في الحقيقة حرب مدمرة وكارثة كونية إن لم نقل طامة كبرى وزفير من نار جهنم أصاب العرب والمسلمين في زمن الابتلاء والامتحان. إن الذي حصل ليس مجرد عدوان غير شرعي أو توسع كولياني امبريالي بل عاصفة هوجاء وانفلات لإرادة قوة شريرة من رباطها نتج عنه نكبة كينونية وتجربة خلع للكرامة بالمعنى الشامل للكلمة أدى بدوره إلى إخلال كبير بنظام القيم واختراق مدوي للدلالات حصل على إثره تدنيس للحرمات واعتداء على المقدسات رافقته فوضى في المفاهيم واضطراب هائل في المعاني.
 
رب وضع يخسر فيه التحليل النظري رصانته ويفقد فيه التناول الفلسفي جرأته وقدرته على التشخيص والنقد والتحليل ويتنحى القول العلمي عن موضوعيته وصوابه خاصة وأن صوت العقل قد توارى عن الأنظار وترك مكانه للعاطفة والوجدان ونظرا لأن السيف الحسام حل محل القلم والكلام.
 
رب حال من الانهيار والتداعي أدى إلى حدوث تفجير هائل في الثقافة استنفرت بمقتضاه حضارة اقرأ كل قواها الدفاعية وأعادت لغة الضاد تشغيل مدخراتها الرمزية من أجل التصدي والصمود ووقع توظيف الشعور القومي والانتماء الديني بغية الاستثبات في المعركة من أجل البقاء خصوصا وأن الصراع ليس من أجل المصالح ورسم الحدود بل هو من أجل الهيمنة وصراع وجود. على هذا النحو كان التصدع الذي أصاب نظام العلاقات بين القيم بارزا وعميقا والتفكك الذي حدث للمعاني والأفكار هائلا ومدمرا وكان الجرح الذي حصل لأطر المعرفة الشرقية وأنظمة القرابة العربية غائرا ومؤثرا فلقد أصاب الذاكرة والجسد على السواء بحيث لا يقدر أحد على احتسابه وإصلاحه ويتعذر على الجميع علاجه ورأب صدعه ويحمل البعض مسؤولية ما حصل إلى تغطرس الغرب ونزعته الاختراقية التوسعية بينما يحمل البعض الآخر المسؤولية للعرب أنفسهم وخاصة ما هم عليه من ضعف وتشرذم ولكن الرأيان تناسى أن الإشكال ليس في الغرب لوحده ولا في العرب لوحدهم بل يكمن في العلاقة القائمة بينهما فهي أصل الداء وسبب البلاء. وآيتنا في ذلك أن أي مشروع يسعى لدراسة طبيعة العلاقة التاريخية والحضارية التي وقعت وقامت الآن وهنا بين العرب والغرب سيصاب بالكلل والملل وأي بحث في أسباب نشوب العداوة والتنازع بين النحن والهم سيظل مجرد بحث نظري ومجرد كلام جميل على واقع مأساوي، زيادة على أن أي تفتيش عن طرق للتجاوز وأي تقصي عن شروط إمكان التصافي والائتلاف بعد تحول الاختلاف إلى خلاف هو محاولة يائسة وسير فوق الألغام يزيد من تعزيز درجة الاحتقان والكراهية بين الطرفين.
 
من هذا المنظور تبدو أية محاولة يقوم بها الفكر في هذه الأيام لإنقاذ المعنى من اكتساح اللامعنى والمضاد للمعنى هي مشي في دروب لا تؤدي إلى أي مكان وأي جهد يبذله الأشخاص لإيقاف تدحرج القيم وتقهقر الأخلاق وانحطاط السياسة هو جهد محتشم وخجول ورد فعل بارد ومنقوص على العاصفة التي بعثرت كل امكانية للعرب للتواجد في العالم وأفقدتهم البوصلة.
إن ما يربك المشهد ويزيد الأمر تعقيدا هو ما نلاحظه اليوم من توتر والتباس وغموض بين المعسكرين وما نراه من سوء فهم تحول إلى سوء تفاهم نتيجة الاحتكام إلى مجموعة من الأحكام المسبقة وتحريك مجموعة من العقد الدفينة المترسبة في الذاكرة الجمعية أدت إلى فهم سيء نتج عنها انعدام التفاهم بين الذوات في الداخل وبروز الفرق والمذاهب والاثنيات ورفض كل أشكال التواصل والحوار مع الخارج تحول بمقتضاه اللقاء إلى عدم اعتراف وإقصاء وتنازع ترجم ذلك ميدانيا في الحروب والمصادمات والمشاحنات والفتاوى التي تكفر الآخر وتسحب منه حق المواطنة الوجودية وقد ظهرت في أزمة الرسوم المسيئة للرسول محمد صلعم ومشكلة الحجاب الإسلامي في النظام الجمهوري العلماني الغربي.
 
من هذا المنطلق يجوز لنا أن نهتم بعلاقة الأنا بالآخر وندرس الجدل الكبير الدائر بين العرب والغرب ونحول اللقاء بين الإسلام والمسيحية واليهودية إلى موضع نظر ومحور انشغال ونطرح التساؤلات التالية: ما الذي يجعل من اللقاء بين العرب والغرب لقاءا تصادميا تنازعيا؟ لماذا يتعطل الحوار بينهما ويسود التوتر وانعدام الثقة؟ ماهي الأسباب والدواعي التي أدت إلى مثل هذه الكراهية والتباغض المتبادل؟ هل هي صورة الآخر عند الأنا هي التي أدت إلى مثل هذا التشاحن أم بحث الذات عن نفسها في الأنداد والأشباه عوض عن الأغيار والأبعاد؟ كيف يمكن اقتلاع أسباب العداوة والتباغض من جذورها في النحن والهم على السواء وننتقل من صدام الثقافات وحرب الأديان إلى الحوار والتفاهم؟ أليست مغامرة فهم الآخر والتعرف عليه من أجل ربط جسور التثاقف معه هي مغامرة رهيبة وشائكة تتطلب التفتح والإبداع والاقتدار؟ فكيف التصافي والتنافي قائم بين العرب والغرب؟ ومن أين الإلف والائتلاف في ظل الخلف والاختلاف؟
 
ما نسعى إليه هو الانتقال من جبهات التنازع والتصادم بالكف عن تبادل الاتهامات والمواقف الاقصائية والعمل على استشراف آفاق التخاصب والتفاهم من أجل تحقيق العيش المشترك مع الآخرين ومن أجلهم في المعمورة في إطار مؤسسات عادلة.
 
1- أسباب التنافي:
 
"ربما سرت العداوة في الأولاد كأنها بعض الإرث وربما زادت على ما كانت بين الآباء"
أبو حيان التوحيدي- الهوامل والشوامل- مسألة 49
 
لا جديد تحت شمس في العلاقة بين العرب والغرب، فالحال هي الحال باقية كما كانت وفي البدء كان الصراع بينهما وقد يستمر لأن الشروط قائمة وصيرورة الأحداث تترجم ذلك وتفسر هذه الوضعية بالاحتكام إلى دائرة السياسة والاقتصاد والتاريخ،فعلى مستوى سياسي هناك صراع بين الدول الغربية باعتبارها دول مركز وتقدم مع الدول العربية باعتبارها دول محيط وهامش من أجل السيطرة على المجال الحيوي ولعب دور مركزي في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة وقد تجلى هذا الصراع في الاحتواء والاحتواء المزدوج للأنظمة والمعارضة من طرف دول المركز لدول المحيط وكانت قيمة السيادة على الأوطان من طرف الشعوب هي الخاسر الأكبر لأن العولمة لم تبق للدولة الأمة من وظيفة سوى الجباية والعمل على حماية رأس المال العالمي من أي اعتداء فتحولت بذلك من دولة عناية إلى دولة رخوة وفقدت أي قدرة على التدخل والتسيير والتوجيه والتحكم في القرار السياسي الداخلي لتترك المجال للمستثمرين كحكام حقيقيين يتصرفون في الشأن العام حسب أهوائهم ومصالحهم.
 
إذا انتقلنا إلى دائرة الاقتصاد نجد أن ما تزخر به المنطقة العربية من ثروات طبيعية ورأس مال بشري من كوادر وعقول وطاقات ويد عاملة رخيصة ومناطق بيئية ملائمة للاستثمار يجعلها محل أطماع من قبل الدول الغربية في ظل استعداد الأنظمة الحاكمة للتعاون والشراكة بإزالة الحواجز الجمركية وفتح الأسواق وتسهيل مرور رأس المال الغربي أحيانا دون قيد أو شرط،كل ذلك يجعل من المطمورة العربية غنيمة سهلة للاستعمار الغربي ويجعل الشعوب العربية تنظر إلى الغربي على أنه مجرد مستعمر طامع.
 
على المستوى التاريخي هناك عراك وتحدى بين الشرق والغرب وتبادل للأدوار والمواقع فمرة يكون الشرق هو المبادر في قيادة الإنسانية نحو التمدن والتحضر مع بابل والفراعنة وفارس ومرة تنتقل المبادرة إلى الغرب مع الإغريق والرومان ثم ليأخذ العرب والمسلمون من جديد المشعل ويسيروا بالإنسانية نحو المزيد من الترشد والتطور ثم لينكفئوا على أنفسهم ويتحولوا إلى ملوك طوائف وتذهب ريحهم وتسطع شمس أوروبا وأمريكا لترمى كرة الحضارة بعيدا جدا وتتجاوز الأرض نحو القمر والمريخ وربما الفضاء الخارجي ولهذا السبب كانت العلاقة التاريخية بين العرب والغرب مشوبة بالتحدي الحضاري والبحث عن الريادة بالنسبة للبشرية وكل طرف يزعم الكونية وتجاوز الخصوصية.
 
عندئذ نستطيع أن نستخرج ثلاث أسباب جلية أدت إلى التنافي بين العرب والغرب وهي:
 
الصراع السياسي على السيادة والتنافس اقتصادي على الثروة والتحدي الحضاري من أجل الريادة.
 
بقي أن نشير إلى بعض الرواسب اللاهوتية والعقد النفسية والاختلافات الجينية المورفولوجية التي تحولت إلى عوائق ابستيمولوجية منعت كل تفاهم واتصال والتي يمكن أن نذكر منها التمركز على الذات واعتبار الهوية الحضارية هي المرجع بالنسبة لبقية العالم على مستوى الحقيقة والخير والجمال،علاوة على ذلك ثمة اعتقاد لدى الطرفين بأن العرق الذي ينحدرون منه هو العرق الأطهر والأنقى وأن بقية الشعوب منحدرة من خلائط أعراق وهي نتيجة تهجين بين عدة سلالات وبالتالي لا يصلح أي منها لقيادة العالم على المستوى الحضاري. العائق الثالث وهو الأكثر خطورة يظهر في الصورة السيئة المنفرة التي يتمثلها الطرفين عن بعضهما البعض فالغرب ينظرون إلى العرب على أنهم برابرة ومتوحشين وباحثي لذة والعرب ينظرون إلى الغرب على أنهم عجم وافرنجه وماجنين وآكلي لحم الخنزير والضفادع والى غير ذلك من الأوصاف والنعوت التي تندرج لها الجبين والتي تكون الغاية منها الرفع من شأن الذات والحط من منزلة الآخر وتحقيق توهم الرفعة والتعالي والتميز بالمقارنة مع الآخر. فكيف يمكن أن نحطم هذه الصور الزائفة ونفكك هذه العقد والأوهام حتى نضع حد لحالة العزلة والتقوقع ونقضي على جنون العظمة والتفوق؟
 
2- شروط التصافي:
 
"أقسى عذاب يمكن أن يسلط علي هو أن أنعم وحدي بالجنة" غوته
 
قلما نصيب في زماننا هذا من هو مولع بالبحث عن مصاعب العلاقة بين العرب والغرب ويلهج بمسألة الغيرية في صميم قلعة الانية وينقب عن مشكلة الغيرية بعيدا عن التهم ويتزهد في العودة إلى الذاتية بشيء من الحكمة وقلما نعثر على شفاء السائل فيما بين الشرق وأوروبا من قضايا ومسائل وربما يلزمنا هاهنا ما سماه العرب علوم الحيل بشرط أن ننقله من دائرة الصناعة والمادة لنطبقه على دائرة الحضارة والروح حتى ننخرط نحن العرب والمسلمون في تجربة الوعي التاريخي من أجل الإقامة في العالم والتعايش مع الآخر الإنساني ضمن مؤسسات عادلة.فكيف يمكن أن نحول سوء الفهم الجذري القائم بين العرب والغرب إلى تفاهم ميداني يضع حد للحروب والتباغض والتصادم؟ وهل تكفي تجربة تفهمية تأويلية متبادلة بين النحن والهم حتى نجفف منابع اللاتواصل ونقتلع منطق العداوة من جذوره؟
 
إن الذي يشجعنا للمضي قدما في هذا الطريق هو علاقات القرابة التي كانت قائمة بين المعسكرين باعتبار انتمائهما الجغرافي إلى الحالة المتوسطية وتقاسمهما تاريخ مشترك من التلاحق الفكري والتآنس التعلمي لقرون عديدة عبر خطوط التماس والرحلات الاستكشافية وتبادل المعارف والخبرات وإقامة المراكز التجارية المشتركة في المواني والأسواق،وكذلك الاحتكاك بين اللغات المستعملة وعملية النقل والترجمة والتحويل التي تمت في العديد من الميادين حتى التشريعية والسياسية منها والتي أشرفت عليها مراكز مختصة وأحيانا تتم بطريقة عفوية طبيعية ومن خلال الكلام العادي للأفراد.
 
إن التصافي لن يخرج من دائرة الإمكان إلى دائرة الوجوب ومن دائرة المنشود إلى دائرة الموجود إلا بتوفر مجموعة من الشروط تعمل هي الأخرى على خلخلة جميع العوائق والعقد التي سببت حالة الصراع والتنافي ولن يتحقق إلا بالكف عن المطالبة بأن يكون الآخر على شاكلة الأنا أو أن تكون الأنا على شاكلة الآخر والنظر إلى مركزية الذات على أنها وهم ينبغي تبديده وجنون عظمة ينبغي علاجه منه وذلك بتفكيك شعارات العرق النقي والأمة المختارة والملة الموعودة واعتبارها مقولات فارغة،ألم يقل كلود ليفي ستروس في كتاب العرق والتاريخ ما يلي:"إن البربري هو قبل كل شيء من آمن بوجود البربرية ووصف بها غيره". علاوة على ذلك لابد من التوقف عن ذم النفس وجلد الذات والنظر بدونية إلى التراث والتقاليد والكف عن الانبهار بالآخر أو اعتباره مرجعية عليا في التقدم والتحضر أو محاكاته والعمل على تقديم صورة مشرفة عن الذات للآخر وبناء صورة عادلة عنه بالنسبة للذات. ثم ينبغي القيام باعتذار حضاري متبادل عن كل ما اقترف من ذنوب وتعديات من جهة ضد جهة أخرى عبر التخلي الطوعي والتلقائي عن مطلب الثأر والقصاص والاحتكام إلى مؤسسة الصفح والعفو. كما يجب التوافق على منظومة من مبادئ الاحترام والاعتراف التي تنصف الجانبين والمماهاة بين حقوق الإنسان وحقوق الشعوب بالتوجه نحو البعد الكسموبوليتي العالمي مع احترام الخصوصيات والأنماط الثقافية الصغرى.
 
انه من الضروري أن يتحول علم الاستشراق أو علم الاستغراب من خدمة الذات العارفة إلى خدمة الموضوع المدروس والتوقف عن استعماله كوسيلة من أجل الهيمنة والاستعمار ومن اللازم إنهاء محاكم التكفير والتفتيش الدينية وإلغاء مقولات أهل الذمة والجزية وأبناء الجارية وأرض الميعاد والمسيح الدجال والتقريب بين الأديان والمذاهب باعتبار أن جوهر التقديس واحد وهي فكرة الألوهية ونظرا لأن مقاصد التأليه هو خدمة الإنسانية وتحقيق سعادتها الدنيوية وخلاصها الأخروي.
 
بقي شرط أخير يتمثل في تحويل اللقاء بين الثقافات من مجال للذوبان والانمحاء والتمازج التلفيقي أو التصادم والتطاحن إلى لقاء توليدي منتج للمعرفة والعلم والتقنية والحكمة العملية وكل وسائل الترقي والتقدم وذلك بالإيمان بالتعددية وحق الاختلاف وتنوع زويا النظر عند البشر حول المسألة الواحدة وتعادلها من حيث القيمة ،في هذا السياق ذكر التوحيدي في المقابسات:"وليس الحق مختلفا في نفسه بل الناظرون إليه اقتسموا الجهات فقابل كل واحد منهم من جهة ما قابله فأبان عنه تارة بالإشارة إليه وتارة بالعبارة عنه فظن الظان أن ذلك اختلاف صدر عن الحق وإنما هو اختلاف ورد من ناحية الباحثين عن الحق".
 
إن هذه الشروط إذا ما لم تحترم ويوفيها الطرفين حق قدرها فان التصافي الجزئي التدريجي لن يتحقق وستزداد الحروب الكارثية وستتضاعف المخاطر على الحياة في هذا الكوكب المهدد من كل الجهات، كما يجب أن يبادر الغرب باعتباره رائد الحداثة والتنوير ومفجر الثورة الرقمية ومبشر بالعولمة إلى الالتزام بهذه المتطلبات وذلك بأن يتوقف عن التحرش والتدخل في شؤون العرب ويعمل على مساعدتهم من أجل التخلص من التعثر الحضاري ويردم الفجوة الرقمية التي تفصل بينه وبينهم واذا لم يكن هذا عندئذ ليس للعرب من خيار في هذا الزمن الرديء سوى التواصل مع النار والانخراط في اللعبة القذرة والتصالح مع الخدعة والعواء مع الذئاب وقد تقتضي هذه العملية الاحتماء بالنصوص والإقامة في عالم الكلمات والاحتراق داخل الكتابة وتحويل الضاد من لغة فاشية تمحق متكلميها إلى فضاء مقاومة وتحرر يكون التوهج والتألق حروفها الأبجدية والخلق والكدح أفعالها الضرورية. فإذا أراد العرب اليوم أن يكونوا شاهدين على عصرهم صانعين لمستقبله فلابد أن يجوبوا الصحراء في قلب الظهيرة العظمى وأن يترحلوا عبر الفيافي العالية وأن يختاروا المغامرة مدخلا وقتل الهزيمة مخرجا وأن يشرعوا في كتابة نص بركاني حروفه مسنونة تنفيهم بعلامات من جمر، لكن أين هو الحق الإنساني المنصف و الموزع بشكل عادل الذي يمنع هذه الكتابة الملتهبة من الانطفاء؟ ألم يكن التوحيدي محقا عندما قال كلمته الشهيرة: لقد أشكل الإنسان على الإنسان؟ فمن سبب مشكلة للآخر اليوم؟ هل هم الغرب باستعمارهم وعولمتهم المتوحشة أم العرب بإرهابهم وإسلامهم المتشدد؟ لكن إلى أي مدى تقدر اللغة بنبضاتها وحركاتها وألعابها على إماطة اللثام عن غوامض العلاقة بين العرب والغرب؟
 
* كاتب فلسفي

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com