29/05/2007 |
|
|||||
|
|
||||||
إن ما حصل للعرب في زمن سطوة الغرب بعولمته الاختراقية تعجز كل الألسن عن قوله وتخفق كل العقول عن تصوره وتكل جميع القلوب عن تحمله فهو حدث جلل فاق كل اعتبار بحيث لا تقدر كل أشكال النقد والمعرفة والوعي ولا حتى أساليب التعرية والغربلة والزحزحة على رصد مغزاه وإدراك معناه وفهم مقاصده،فهذا الزلزال المروع الذي مادت له أرض المولد واهتز له وطن الكينونة هو في الحقيقة حرب مدمرة وكارثة كونية إن لم نقل طامة كبرى وزفير من نار جهنم أصاب العرب والمسلمين في زمن الابتلاء والامتحان. إن الذي حصل ليس مجرد عدوان غير شرعي أو توسع كولياني امبريالي بل عاصفة هوجاء وانفلات لإرادة قوة شريرة من رباطها نتج عنه نكبة كينونية وتجربة خلع للكرامة بالمعنى الشامل للكلمة أدى بدوره إلى إخلال كبير بنظام القيم واختراق مدوي للدلالات حصل على إثره تدنيس للحرمات واعتداء على المقدسات رافقته فوضى في المفاهيم واضطراب هائل في المعاني.رب وضع يخسر فيه التحليل النظري رصانته ويفقد فيه التناول الفلسفي جرأته وقدرته على التشخيص والنقد والتحليل ويتنحى القول العلمي عن موضوعيته وصوابه خاصة وأن صوت العقل قد توارى عن الأنظار وترك مكانه للعاطفة والوجدان ونظرا لأن السيف الحسام حل محل القلم والكلام.رب حال من الانهيار والتداعي أدى إلى حدوث تفجير هائل في الثقافة استنفرت بمقتضاه حضارة اقرأ كل قواها الدفاعية وأعادت لغة الضاد تشغيل مدخراتها الرمزية من أجل التصدي والصمود ووقع توظيف الشعور القومي والانتماء الديني بغية الاستثبات في المعركة من أجل البقاء خصوصا وأن الصراع ليس من أجل المصالح ورسم الحدود بل هو من أجل الهيمنة وصراع وجود. على هذا النحو كان التصدع الذي أصاب نظام العلاقات بين القيم بارزا وعميقا والتفكك الذي حدث للمعاني والأفكار هائلا ومدمرا وكان الجرح الذي حصل لأطر المعرفة الشرقية وأنظمة القرابة العربية غائرا ومؤثرا فلقد أصاب الذاكرة والجسد على السواء بحيث لا يقدر أحد على احتسابه وإصلاحه ويتعذر على الجميع علاجه ورأب صدعه ويحمل البعض مسؤولية ما حصل إلى تغطرس الغرب ونزعته الاختراقية التوسعية بينما يحمل البعض الآخر المسؤولية للعرب أنفسهم وخاصة ما هم عليه من ضعف وتشرذم ولكن الرأيان تناسى أن الإشكال ليس في الغرب لوحده ولا في العرب لوحدهم بل يكمن في العلاقة القائمة بينهما فهي أصل الداء وسبب البلاء. وآيتنا في ذلك أن أي مشروع يسعى لدراسة طبيعة العلاقة التاريخية والحضارية التي وقعت وقامت الآن وهنا بين العرب والغرب سيصاب بالكلل والملل وأي بحث في أسباب نشوب العداوة والتنازع بين النحن والهم سيظل مجرد بحث نظري ومجرد كلام جميل على واقع مأساوي، زيادة على أن أي تفتيش عن طرق للتجاوز وأي تقصي عن شروط إمكان التصافي والائتلاف بعد تحول الاختلاف إلى خلاف هو محاولة يائسة وسير فوق الألغام يزيد من تعزيز درجة الاحتقان والكراهية بين الطرفين.
من هذا المنظور تبدو أية محاولة
يقوم بها الفكر في هذه الأيام لإنقاذ المعنى من اكتساح اللامعنى والمضاد
للمعنى هي مشي في دروب لا تؤدي إلى أي مكان وأي جهد يبذله الأشخاص لإيقاف
تدحرج القيم وتقهقر الأخلاق وانحطاط السياسة هو جهد محتشم وخجول ورد فعل بارد
ومنقوص على العاصفة التي بعثرت كل امكانية للعرب للتواجد في العالم وأفقدتهم
البوصلة.
|
||||||