08/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

              

 

المشروع الوطني والحوار أولاً .. (1)

 

 روى البخاري في باب الشركة وغيره عن ‏النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قال ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ‏مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ".

 

* * *

 

لاشكّ إطلاقاً أننا نقف على أعتاب مرحلة حساسة، كما أنه لا شك في أن مِن ضرورات ترشيد الواقع الفكري والثقافي بل والحركي لمثل هذه المرحلة ترسيخ فكرة الحوار والتأكيد على ممارستها عملياً لتحقيق قاعدة من الاتفاق على قضايا أساسية وتشخيص أو قُل علاج قضايا قد طالت حيرة المثقفين والسياسيين تجاهها، إما بسبب العزلة والاعتزال أو من خلال "حوار الطرشان"، أو لظهور ممارسات لا تدخل في سياق العمل السياسي الواعي أصلاً وإن تسمّتْ بمسمياته، ولا تمت لأي ثقافة أو فكر أو نحو ذلك بصلة، كالتي نراها أحياناً تطفو على السطح من تشنيع وتقبيح، أو تهميش وتشويش تنم – للأسف – عن سذاجة ثقافية – إنْ صح التعبير – في بناء منهج موضوعي في التعامل مع القضايا الحسّاسة التي ينبغي التورّع والحذر والحيطة عند تناولها، وبخاصة إذا كان المتناول لتلك القضايا نَصّبَ نفسَه حكماً على وجهات نظر الآخرين وآرائهم بل ونواياهم كذلك، فغدا على حدّ قول الشاعر: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم. إنه انعدام المرونة الفكرية الدال على تأزُّم من جهة، والمعبر عن التكيّف والتأطُّر وفق أُطر معينة ضيقة حرجة، أو ربما عَبَّرتْ عن تفلتٍ في بعض الأحيان، فيتلقفها من يرددونها دونما وعيٍ، حتى تصبح أمثالاً سيارةً، وتُنسى دوافعها وأسبابها، وفي ظل "سلطان القِدَم" المُبجَّل حيث ينبغي أن يُقدّس كلُّ قديم، ويُوضع في مكانةٍ خاصة لا تُنَال، ويُنظر إلى الأفكار الجديدة ولو صدرت عن قدماء! إلى أنها حدَثٌ من الأفكار لم تبلغ سن النضج! وبالتالي لا تستحق عناء النظر أساساً أو الاكتراث بها، وكلما استمر سلوك هذا النهج وتأصّل في عقليات معتنقيه زاد خطره واستفحل، وانكمشت معايير الرشد وموازين الحق والعدل بالمقابل، وغابت الموضوعية، ومع ازدياد الحنين لذكريات الماضي ودفئه الذي قد يتقمص أثواب الوفاء ونحوها يُعفي هؤلاء أنفسهم من عناء التفكير في الجديد الذي سيتطلب جهدا ليسوا في حاجة إليه، ورغم عدم خفاء بُعد هذا النهج عن الموضوعية والحياد تماماً، إلا أنه مازال يجد الكثير من الترحيب من قبل الذين يؤثرون إراحة عقولهم.. وإنَّ المرء ليتعجب؛ أيُّ استخفاف بالعقول هذا وأيُّ تشوهات تلك التي يُرادُ لها أنْ تُطرح، وأيُّ حصيلةٍ لفَضَلات ثقافاتٍ مُستوردة، وبقايا فكر مُلملمٍ لا تكاد ترى بينها رابط ولا علاقة تُؤلِّف منها وجهة نظر، أو توجّه فكرٍ، أو اختيار رشيد يمكنك فهمه فضلاً عن نقده أو تبنيه([1]).

 

لا أُبعد النجع.. وأعود لمحور المقال الأساسي وهو الحوار مؤكِّداً على أني لا أقصد – ولا ينبغي أن يُفهم من كلامي لاحقاً – أني أقصد من وراء الدعوة إلى الحوار والتذكير به الاتفاقَ الكامل، فذلك ليس هو الشأن الأساسي والمحصلة الطبيعية للحوار غالباً، إلا أن المقصود هو أن يقوم الحوار على تأسيس قاعدة مشتركة في الفهم والرؤية والعمل، ومن خلال تنظيم مناطق الاختلاف، بحيث لا يتحول إلى ظاهرة تنازع وفشل ومن ثم ذهاب الأثر والريح، إذ إن أساس الحوار ومنطلقه الاعترافُ بكون الاختلاف والتنوع سنة اجتماعية وبشرية مقرَّرة، ويمكن أن نقول إن الحوار يُعنى بالدرجة الأولى وقبل كل شيء بتحرير محالّ النزاع ووضع الأمور في نصابها وحجمها، ومن ثم التعامل معها أخذا وردّا بالحجة والبرهان والنقاش والاعتراض حتى يمكن التوصل إلى محصلة مرضية من قبل كل الأطراف أو معظمها، أو على الأقل مقنعة يقف عندها كل طرف عند الحدود التي رسمها ذلك الحوار البناء، فإما أن يعيد النظر في بناء وجهته تلك، أو أن يتبادل مع الآخرين نقاط الإيجاب ويطرح ما عداها. كما أنَّ من شأن الحوار الجاد البناء – في مراحل متقدمة - المساهمة بقوة في رسم منهج أو تدقيقه بحيث لا تتباعد وجهات النظر بالقدر الممكن، لذلك فالحوار يرفض تماماً فكرة التخندق أو "الشرانق الفكرية" التي تسعى لعزل أو تهميش فكر معين، بل ينبغي أن يكون الحوار ميداناً رحباً للتفعيل لا التعطيل، وللتثمير لا التخذيل، أيّاً كانت وجهات النظر، وأيّاً كان صاحبها.

 

هذه جوانب نظرية للحوار ليس من العسير رسم معالمها لكن تبقى دائما مسألة تحقيق المناط في تلك الأعمال الحوارية المثمرة هي الجانب الآخر الأهم؛ إذ إن ذلك الجانب – رغم أهميته - يَظلُّ غائباً وبقوّةٍ، لغلبة خطأ الإدراك وسوء الفهم والتفسير، الذي بالتالي يخلق مناخاً مواتياً لنشأة حالة من الشقاق الثقافي والتجافي في التوجهات السياسية كما نسمع كثيراً هذه الأيام، وقد يزيد من حدة ذلك ويُطيل عمره النزعات التصورية أو ما يُعرف بـ"صناعة الصورة" التي تُعمّق هوّة الخلاف – توهماً – وتزيد من التباعد واستفحال أخلاقيات التنازع واشتداد حدتها وبخاصة مع تسارع التغيرات التي تُربك عملية اتخاذ المواقف لدى الكثيرين، وتعرقل دراستها دراسة موضوعية قبل، مما يزيد الأمر تعقيداً والمهمة صعوبةً.

 * * *

 

إنه مع استمرار تلك الأوضاع وتعقُّدِها طفتْ تلك الأخلاقيات على السطح، وانكشف المُخبّأ وبرز، وأصبح الاختلاف لذاتِ الاختلاف، أو لما يُغذيه من أيديولوجيات وخلفيات قديمة نوعا ما ظاهرة مستمرة وممتدة، بل أصبحت تلك الظاهرة تقود الحوار الوطني إلى المناطق المسدودة، بل أكثرها انسداداً وضيقاً - وفي ظل الغفلة عن منطق السفينة الواحدة وغياب تصوره في الأذهان – زادتْ الصورة قتامةً، وغدت الرغبة في الإفحام والإلزام، أو في استعراض بعض جوانب القوة أو بعض أنواع الثقافات السفسطائية التي بنيت لذات الجدل والكلام لا غير، غدا كل ذلك أقوى من الحوار ذاته وغلب على روحه وعلى اعتباره قيمة حياتية وفكرية ضرورية للخروج من واقع الأنفاق المظلمة، والمسارات المسدودة، واجتناب الجسور غير المُعبّدة على الأقل!.. ومع غياب النظرة التفصيلية وضعف القدرة على الربط بين ظاهرة ما أو فكرة ما وبين ظواهر أو معطيات أخرى، لا شكَّ ستبنى الأحكام والتعليقات التي تبنى على عُجالة تُبنى على بعض من القضايا المتوهمة أو المفتعلة أحياناً وهذه ستكون بمثابة قنابل الدخان التي لا تحرق ولا تدمر ولكنها تسبب توهاناً عن الوجهة الصحيحة، فتزداد الأزمة تأزُّماً ويكون إثمها على صانعيها أو من دفع بهم في ذلك الاتجاه، بل ومَن لم يأخذ على أيديهم.

 

إنَّ الحوار المُثمر يجب أن يسعى دائماً في اتجاهات متعددة ومسارات متنوعة وبكيفيات مختلفة والأهم هو أن يكون كل ذلك بقصد الوصول بالقضايا المُلتهبة والهامة إلى نهايات سليمة مقبولة أو مفهومة على الأقل، وتظل اتجاهات الحوار ومساراته في محصلتها تُصرُّ على التنظيم والمنهجة والالتزام بقواعد وآداب وأخلاقيات معينة تخدم القضية، تقرّب بين الأطراف لا تباعد، وعندها لو لم يكن الاتفاق هو مُحصلة تلك الجهود، فلا أقل من أن يكون الالتزام بأخلاقيات الحوار وقواعده في حد ذاته من أهم مُتطلبات استمراره وإثماره ولو مستقبلاً.

 

* * *

 

إذا ما أردنا أن نسير في اتجاه الحوار الوطني الصحيح وقررنا ذلك للخروج من حالة التيه والتخبّط، فإن أهم ما ينبغي لذلك الحوار هو المساهمة الحقيقية والفاعلة في عملية "صياغة أسس المشروع الوطني" بين الأطراف الوطنية الجادة المختلفة، والنجاح في ذلك أو الفشل فيه يبقى هو المعيار الحقيقي – لاغير- لفشل ونجاح العمل الوطني برمته، بعيدا عن كل السفسطات والمماحكات الجانبية ذات النظرة الجزئية، ولذلك لا أمل في الوصول إلى صيغة وطنية مشتركة في ظل الأخلاقيات السائدة من تهميش وتحقير أوالتفاف وتحميل، ومن البدهي أني لا أدعي ولا أتصور أصلاً أن يكون مثل هذا المقال أو عشرات مثله هي التي ستقوم ببيان مثل هذه المهمة الجسيمة أمام القوى الوطنية، لكن حسبي أن أقول لمَن هم مؤهّلونَ لمثل هذا العمل أن عليهم أن ينظروا إلى الأمور من زواياها الصحيحة، وألا يُضيقوا واسعاً وأن يروا مكونات القضية الكلية، ليستطيعوا أن يُسهموا في قيادة السفينة قيادة فاعلة، وفي المحافظة على سيرها في الاتجاه الصحيح، وأن عليهم المشاركة بقوة في وضع الأمور في نصابها وبحثها بمنهجية وإنصاف، والكلام هنا لا يتعلق بممارسة الحوار ولكنه يدور حول المنظور الذي يتعين أن يسود المتحاورين قبلاً.

 

وإلى لقاء قريب أستودعكم الله ..

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

 

د. فتحي خليفة عقوب

(أحمد عبد الله Ahmad_lah@maktoob.info )


 

[1] - لا تعتبر الحالة الليبية نشازاً بين اتجاهات المعارضة الوطنية في معظم البلاد العربية بل هناك من الأقطار العربية ذات التجارب العريقة والكوادر ذات الرسوخ الفكري والثقافي قد أخفقت إخفاقات كبيرة، فماذا سيكون الحال على مستوى التجربة الليبية وهي أقل حظّاً من كل ذلك؟!.. ولكن المهم هو معرفة كيفية الخروج من كل تلك التجارب والمحاولات والهفوات بدروس مستفادة حتى لا تتكرر الأخطاء ولا ننجرف وراء التفكير الصفري الذي لا ينظر وراءه وفيما حوله!..

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع