01/10/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

 

            

عيسى عبدالقيوم

 

   مَهمة روتينية ( 1 من 2 )

 

( .. قال الموت لي : سنذرع  السماء  فى قطرة مطر .. ونحلب  النجوم من قرونها .. ونزرع الزجاج  بلا محراث  فى حقول الظلمة .. ونتركه لينضج فى سبتمبر ..) النيهوم (1) .

 

إنتهى شهر سبتمبر دون أن تمطر علينا السماء حلولا.. لا جذرية ولا إصلاحية .. ودون أن ترى قائمة البشارات التى أطلقت قبل ولادة هلال سبتمبر النور(2).. والتى كما هو متوقع مرت كزوبعة فى فنجان .. أو كسراب بقيعة .

 

وهنا لن أقف لأذرف الدمع .. أو لأكفر بالإصلاح السياسي كمبدأ عام يتعاطاه البشر .. أو لأوجه سهامي الى أصدقاء أقاسمهم مرارة المنفى .. وتجمعنا وأياهم قوائم المغضوب عليهم.. بل سأبحث أمرين هامين لهما علاقة بجذور ظاهرة الوعود غير المنجزة .. فى محاولة لتلمس الطريق نحو توصيف مشترك لها .. والأمرين هما  :

 

أولا : أسباب تكرار لعبة المسكنات .. أو الوعود السرابية من طرف النظام ..أو من ينوب عنه فى التبشير بها .. بشكل يكاد يكون مستنسخا .

ثانيا : فى أسباب العودة لتعاطيها ـ من طرف البعض ـ كلما وضعت على الطاولة.. برغم من تكرارها بذات الشكل والمضمون .. وفى ظل غياب أي ضمانات .

 

وأرجو أن لا تتحول تعليقاتنا على قصة الوعود السياسية الى مهمة رويتينة بعد أن بدأت ورقة تلك الوعود الإصلاحية توزع بشكل لافت .. وموّسع .. وغير منضبط .. على جهات متنوعة المشارب .. ومتعددة التوجهات .. وعلى فترات زمنية متباعدة .. دون أن تثمر أن تنتظر الثمار.. مما قد يحمل عدة رسائل سياسية بإستثناء الرغبة فى الوصول الى مخارج للأزمة التى تطحن الوطن والمواطن .

 

وعودا الى صلب الموضوع أقول : فى تقديري إن أسباب تكرار إطلاق الوعود المفرّغة ( أو الخـُلاب) يعود بالدرجة الأولى الى الأزمة التى يعيشها النظام ذاته .. فأنا أتصور أن العقيد القذافي فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد .. والمنطقة .. والعالم مرتبك الى حد التشويش الذهني .. فبرغم من نجاحه فى خلق شبه أجنحة ( آمنه ومُعّدلة ) داخل منظومة حكمه.. إلا أن تركيبته ( العسكرية ).. وطبيعته ( الشكاكه ) .. ونزعته المفرطة فى التفرد بالسلطة المدفوعة بهاجس الزعامة الأممية .. جعلته غير قادر على إخراج ـ ومن ثم إدارة ـ لعبة توازن الأجنحة بالطريقة التى يعرفها الناس .. والتى لا يفهم مصطلح الأجنحة بدونها.. والتى قد تكون تارة حقيقية كما هو الحال فى إيران مثلا .. وتارة محبوكة بحرفية عالية كما هو الحال فى اليمن السعيد!.. فأصبحنا نرى النظام الليبي فى أسبوع واحد يعطي أوامر متناقضة وغاية فى الغرابة .. تجعل من تصديق وجود أجنحة حقيقية ـ أو حتى مختلقة ـ فى السلطة أمرا خارج نطاق المعقول .. ففى ذات الأسبوع الذى صرح فيه السيد سيف الإسلام بضرورة وجود دستور (3) .. صرح السيد أحمد ابراهيم بأن مشروعية الدولة تكمن فى النظرية العالمية الثالثة .. وهكذا دواليك .. فمن هنا قد يبدو القول القائل بأن صراع الأجنحة مسرحية سيئة الإخراج والتمثيل أقرب الى المنطق السليم.. مع عدم إستبعاد فرضية أن تكون هناك أجنحة ولكنها مخصية .. وتخضع لمعايير مزاجية .. ولإدارة فاشلة.. وفى تقديري قد يكون هذا أحد أسباب بروز ظاهرة وجود وعود إصلاحية تعقبها وعود رديكالية ..فى مشهد تتبادل فيه الأجنحة المفترضة الأدوار بشكل أقرب الى الكوميديا السوداء .. مشهد أمسى لا يترك للمراقب غير التشكيك فى نسبة مصداقية .. وواقعية تلك الوعود .

 

وأيضا من الممكن جدا أن تكون حالة الإرباك المسيطرة على هرم السلطة .. قد إنسحبت على تعاطيه مع الملفات الدولية فهما وتفسيرا.. فمثلا من المرجح أن النظام قد فهم أو فسر حدثا سياسيا كالمؤتمر الوطني الذى عقد بلندن على أنه مشروع ( أمريكي /بريطاني / سعودي ) من أجل تأهيل البديل ( المعارضة )..فشاهدنا كيف تعاطى معه بشكل هستيري .. وأطلق خلاله العنان للجناح الفاشي داخل الجناح الرديكالي .. فبرز أيامها الخطاب الإستئصالي من جديد .. ثم لعله إكتشف لاحقا أثناء أحد الجلسات مع الوسطاء أو رجال البيت الأبيض.. أن لا أساس لكل تلك التفسيرات .. وعلى العكس من ذلك ربما وجد نوعا من القبول لنظامه ( إعادة التأهيل ) مرفقا بقائمة المطالب الامريكية التى تبدأ بضرورة وجود المسحة الديمقراطية .. فشاهدنا كيف طفا على السطح من جديد خطاب ووعود الجناح الإصلاحي .. كنوع من محاولة التناغم مع سادة العالم الجدد .. المقصود أن حالة الإرتباك الواضحة التى يعيشها النظام ( المتداخل فى الحالة الليبية مع الدولة بشكل إندماجي ) قد إنسحبت على أليات التعاطي مع البعد الدولي .. فأسهمت فى وجود ظاهرة التناقض والتضارب فى التصريحات والتصريحات المضادة بشكل ملفت للإنتباه .. منها تصريحات سيف الاسلام فى نهاية شهر أغسطس .. والتى حدد شهر سبتمبر لخروجها للنور .. وتصريحات أحمد ابراهيم فى بداية شهر سبتمبر 2005م .. والتى أطفأت ما كان يراد له أن يكون نورا فى نهاية النفق .

 

وايضا لا يستبعد أن تكون الإستهانة بعملية الإصلاح كما لو أنها سهلة القياد .. مأمونة العواقب .. ولا تحتاج الى قدرات خاصة ..وحصر طبيعتها فى القدرة على الموافقة على كل ما يحمل عنوان " إصلاح ".. وإظهار لين الجانب تجاه تجاوزات النظام .. وقصر الخطاب على خطاب المطالبة دون المغالبة (4) .. بالإضافة الى بعض ممارسات القوى الرافعة لشعار الإصلاح .. كرفعها للضغط عن النظام .. وتخفيف خطابها السياسي تجاهه .. وعدم تمسكها بأي شروط مسبقة .. أو تعليقها على شروط تناقض عقيدتها السياسية ( كإشتراط مشروع سيف لإستبعاد فكرة وجود أحزاب )(5) .. وإبتعادها المبكر عن مجموع المعارضة .. أقول ربما فهم كل ذلك ـ فى ظل الإرتباك الحاصل لدى النظام فى هذا المفصل بالذات ـ على أنه نجاح فى تفتيت أو تشتيت الضغط يمكن تمديد أجله .. وبالتالي لا داعي لمنح أي تنازلات طالما أنجزت الوعود (فقط) جزء هاما من المستهدف سياسيا .. أو لعل قراءة مراكز القوى الثورية لكيفية التعاطي مع ما يصفه البعض بالإنحناءات غير المبررة .. تختلف عن قراءة مراكز القوى الاصلاحية .. ففى الوقت الذى يذهب السيد سيف الإسلام ـ ظاهرا ـ الى ظرورة التجاوب مع تلك الإنحناءات .. يذهب الجناح الثوري الى أن تلك الإنحناءات لا تكفي للحكم على خصوم الأمس بسلامة المقصد .. ونظرا لأن نهاية مشوار الجميع  هو الخيمة .. جاءت التصريحات بالشكل المتناقض الذى نتابع فصوله بين الفينة والأخرى  .. المقصود أن ممارسة البعض لمفهوم الصراع السلمي أو الاصلاحي كما لو أنه خيار لا مخالب له ولا أنياب .. لا شروط ولا إرادة .. ربما يكون هكذا فهم قد سمح للخصم بتفسير الظاهرة على أنها محاولات هواة للسيطرة على دولة محترفة .. أو كدليل على وجود نيات مبيتة ( بحسب درجة العلاقة ) .. مما جعل سقف الأمور لا يتعدى الوعود المكررة . 

 

عموما يبدو أن الثابت الوحيد فى مشهد ما بعد إنتهاء مهلة سبتمبر هو التأكد من غياب اي إرادة حقيقية للإصلاح السياسي عند النظام .. حتى الأن .. (حيث يتوقع وجود إصلاحات اقتصادية وحقوقية محدودة ).. وإنكشاف إرادة إمتطاء موجة الإصلاح( الإقليمية ) من أجل كسب الوقت وتفويت أو تحجيم قائمة الإستحقاقات التى تفرضها ظروف يعي النظام أنها مرحلية .. وأن مدى تأثيرها محدود بالنظر الى عنصري الزمن والمعطيات فى الحالة الليبية .. وبالتالي يمكن إستيعابها فى حال نجاحه الإمساك بعنصري المعادلة .. خاصة وأن هناك تغيرات قادمة عبر الانتخابات الامريكية .. والبريطانية .. وهناك محادثات تسير بخطى بطيئة ولكنها لصالح النظام من أجل قفل الملفات العالقة .. كملف الصدر .. وملف الإيدز .. والتعويضات .. بعد أن تم قفل ملف محاولة اغتيال الأمير ( سابقا ) عبدالله بن عبدالعزيز .. وقبله ملفات أيام المراهقة الثورية .

 

وشخصيا لازلت أعتقد بأن هناك تنازلات مهمة على طاولة العقيد .. ولكن إفتقاد المعارضة لأوراق ضغط حقيقية ( وربما لإنقسامها).. والحياد المُحّير للشعب الليبي .. وإقتناع القوى الغربية بأن إعادة تأهيل النظام أأمن من تغييره.. جعله فى سعة من أمره حيالها .. ولعله بات من المنطقي جدا ـ والحال كذلك ـ ضرورة البحث فى إمكانية تغيير قواعد اللعبة بشكل جذري.. وأصبح ظهور خيار ثالث للتعاطي مع الأزمة الليبية أحد الحلول التى نأمل أن تدرس من كافة الطيف الوطني فى الداخل والخارج .. وقد تكون نقطة البداية الصحيحة  تكمن فى الفصل بين مشوار البحث عن حل الأزمة .. ومشوار مناقشة جذور الأزمة .. إذا أردنا أن توسيع رقعة التدافع السياسي وتحريك المياه الراكدة .. فالبحث عن حل خلال سويعات لأزمة  عمرها (36) سنة ـ بل ولها إمتداد وميراث يصل الى عهد المملكة ـ من خلال إجماع وطني بين الداخل والخارج لا اتصور إمكانية تقديمه كنقطة إنطلاق .. أما الجلوس من أجل مناقشة الأزمة على أرضية الخروج بتوصيات غير ملزمة .. ففي تقديري هو النقطة التى يلتقي عندها سقف الداخل مع سقف الخارج .. وبالتالي من الممكن أن تشكل نقطة البداية نحو المربع الثاني .. ومن شأنها كذلك أن تسهم فى إذابة الكثير من الجليد المتراكم حول العلاقات .. وفى كسر بعض الحواجز النفسية التى حولتها عوامل الزمن الى خطوط حمراء .. فلا يمكن الإستمرار فى إنفاق المزيد من الوقت فقط  للتصفيق لوعود مكررة الى درجة القرف .. وايضا لا يمكن الوقوف أمام صياغات لا تحمل أليات للتجديد من أجل التعاطي مع واقع يتجدد كل يوم .. وربما تكون قد سارعت فى خطاها فأحدثت مسافة بينها وبين من تعول عليه فى إحداث التغيير .

 

 فى القسم الثاني سنبحث فى أسباب إستمرار قبول لعبة الوعود الإصلاحية المكررة ؟! . 

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيوم

 


1ـ من مقالة للصادق النيهوم بعنوان " غربة " نشرت سنة 1967م.. ( قبل الثورة ) .. أنظر كتاب طرق مغطاة بالثلوج ـ جمع وتقديم : سالم الكبتي.

2ـ أنظر مقالة " إنقلاب  فى القصر أم ثورة فى ثورة "

3ـ قالت منظمة العفو الدولية فى بيانها الإخباري رقم 258 .. والمنشور على صفحة ليبيا وطننا بتاريخ 27 سبتمبر 2005م ما نصه (.. إلا أنها أعربت عن قلقها من أنه لم يتم الإفراج عن الخمسة إلا بعد أن تعهدوا بعدم القيام بأية أنشطة سياسية ، ودعت الى رفع هذ القيد عنهم ) .. فكيف يستقيم أن تندد منظمة دولية بهكذا قيد بينما تصمت الجهات المعنية بإصلاح لا يمكن أن يستقيم بدون وجود ما أعتبر من الخطوط الحمراء لدى البرنامج الذى تقدمه جمعية القذافي للأعمال الخيرية .

إطلعت بعد كتابة هذه السطور على ما طرحه الاستاذ محمد بويصير   فى مقاله " هل ينجح العقيد القذافي فى العبور بليبيا نحو العالم الجديد؟ 3/3 ".. اود فى البداية أن أحييه على صراحته خاصة فى التصريح بلقاء سيف الإسلام .. وثانيا بوعده إطلاع الرأي العام عن مضمون الحوار .. ثم على طرحه لأفكاره بهذا الوضوح والترتيب .. وقد تكون هناك وقفة مع ما يطرحه الاستاذ محمد عقب تصريحه بخلاصة حواره مع السيد سيف الاسلام .. وما خرج به من إنطباعات  .

5ـ وضمن تصريح السيد سيف الاسلام لمجلة الصياد ..المنشور يوم 25 سبتمبر على موقع أخبار ليبيا .. قال [ ,, الإخوان المسلمين قاموا بعمل سري لتغيير النظام بالتعاون مع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي، وهم معترفون بذلك..ولكنهم الآن أكدوا بأنهم كانوا على خطأ.. وأن الظروف التي أجبرتهم على العمل في الخفاء قد تغيرت، ويمكنهم الآن أن يمارسوا حقهم في العمل السياسي من خلال مؤسسات المجتمع الرسمية، فقد تغيرت قناعاتهم، والآن هناك قناعة بأنهم يستحقون الخروج من السجن، والدولة إقتنعت وكذلك القائد وعليه فقد تم العفو عنهم...] وهي إشارة واضحة الى إستبعاد فكرة التعددية .. التى لا يمكن تصور أي عملية إصلاحية بدونها .. وقبول أي مشروع يسقطها بالكلية أمر صعب الفهم .. إذا كنا نتحدث عن قيم المجتمع المدني .

* بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك .. أتقدم الى كافة الأصدقاء فى الوطن والمهجر بأحر التهاني .. وكل عام والجميع بخير .

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع