|
صلاح عبد العزيز
(( الإسلام .." هو الحُب " ))
خَلُوا بيني و بين الناس... أساس إ نساني بنى عليه صفوة الناس – محمد بن عبد الله عليه صلوات الله و سلامه – منطلقه للوصول إلى حوار هادئ مع أي إنسان ؛ و إن كان كافراً صنديداً !! فلم تر و لم تسمع البشرية أسلوب حوار كالذي شهدته جنبات مكة بين سيد من سادات قريش( * ) و قد أخذ زمام البدء في الحوار ؛ و بين معلم الأخلاق الأول الذي كان يتربع على قمة هرم أخلاقي عظيم ... فلقد تنازل الحبيب محمد لمحاوره عن إدارة دفة الحوار.. و جعلها بيد عتبة بن ربيعة .. ولم يقاطعه أثناء حديثه البتة... وعندما أفرغ ما في جعبته قال له رسول الله : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ في الوقت الذي يعلم فيه أنه مرسل من ربه.. وذاك الذي أدار دفة الحوار إن هو إلا في ضلال مبين... و مع ذلك كله أبى قدوة البشر إلا أن يسمح للتاريخ أن يسجلها واقعة أبدية في خانة " حب الخلق ".. إنه الحب الذي لامه مولاه و عذله فيه ؛ فهو حب من طرف واحد !! حب جعله باخعاً نفسه على آثارهم... قلب شفيق مُحِبٌ أمام قلوب كرهت الحق و أتباعه!! قلوب تشتري الضلالة و تصُد عن السبيل .. ومع ذلك كله يكاد قلب الحبيب محمد أن يتفطر لشدة حرصه على أن يدخل الناس جميعهم الجنة ويجنبوا أنفسهم حر النار... ويعذله ربه في حبه لبني آدم أخيه في النبوة .
لقد كان شعار المرحلة الأولى أيام الدعوة المكية هو :" خلوا بيني و بين الناس " فلقد حاول صناديد الكفر آنذاك أن يمنعوا رسول الحق من أن تقرع كلماته آذان الخلق!! فجاء التشكيك و التشويش تارة .. أو محاولات القتل أو الإثبات أو الإخراج تارة أُخرى... و بعد فترة ليست بالطويلة في عمر البشرية - ثلاثة و عشرون عاماً من بدء الحوار الهادئ – لم يعد للطواغيت قدرة للحيلولة بين الخلق و رسالة الحق.
لقد كان واقع حال المسلمين يومئذ يدلل على أن شعارهم هو " الإسلام هو الحُبُ " لأنهم رأوا في شخص رسولهم من جوامع الخُلُق ما لم تره عين و لم تسمعه أُذن .. كان همه الأوحد بعد رضوان ربه ؛ أن تصل الحقيقة إلى مسامع الناس دونما عائق... و من ثَّم تنفتح البصائر لاستقبال إشعاع الحب من ترياق قلبه فيملأ جنبات الكون.. حتى الجماد استشعر فقدانه عندما كان يتكئ على جذع نخلة ساعة الخطبة في مسجد المدينة المنورة !! فلما اتخذوا له منبراً .. حَنَّ الجذع لفراقه !! و بكى بكاءً سمعه من حوله من الصحب الكرام ؛ و ما هدأ حتى ربت عليه حبيب الخلق بيده الحانية المحبة.
هل عرف الكُره إلى قلب محمد سبيلا... ؟! نعم .. كَرِه رسول الله ألاَّ يُفصل بين ذات الخلق و أعمالهم و ما يصدر عنهم.. لأن هناك فارق بين كينونة بني آدم و أفعاله ... فالناس لآدم ؛ و آدم من تراب... أليست هذه آصرة آسرة ؟! أما إن أصر أحد الخلق على إتباع الباطل و الهوى ؛ فإن سهام الكُرْهِ هنا تتجه إلى عمله لا إلى ذاته و كينونته من حيث هو إنسان .. فإن تطور الصد عن السبيل و بدأ يحول بين الخلق و سماع كلمة الحق بقوة السيف ؛ فإن سهام المنون سوف تتوجه لذاته ليست كراهية فيها ... و لكن كي لا يحول بين عامة الخلق أن يروا نور الحق ؛ كما فعل صناديد قريش و طواغيت كسرى و قيصر محاولين جهدهم بالسنان و الحِراب إسقاط لواء " خلوا بيني و بين الناس " فنالت سهام الحق من أبدانهم و خروا صرعى .. فلم تر لهم بعد من باقية .
ثُمَّ رُفع لواء جديد كُتِب على حناياه " الإسلام هو الحب " رفرف في سماء بُخارى و طشقند شرقاً .. و شهدت له الآفاق غرباً حتى وقع مُضَرَّجَاً بدماء الغافقي عبد الرحمن ( ** ) في بلاط الشهداء غرباً .. فيا بئس ما فعلوا ، و يا ويح ما اقترفت أيديهم !! فلو أنهم خلوا بين الغافقي و بين الناس ما عرف السيف إلى قبضته سبيلا... و لمَّا لم يجد الحُب إلى قلوب أهل أوروبا سبيلا !! غار لواء الشرق حمية و ساح إلى أمان الله ( مانيلا اليوم عاصمة الفلبين ) دونما قطرة دم واحدة... حتى يبعثها لأهل الغرب قوية مدوية : إنكم إن خليتم بين الإسلام ( كلمة الحق ) و بين عموم الناس فإن راية " الإسلام هو الحب " كفيلة بأن ترفرف في سماء باريس و لندن و نيويورك ... تماماً كما رفرفت في علياء طليطلة و قرطبة و جاكرتا و ( أمان الله ) في الفلبين.
صلاح عبد العزيز – جنيف – سويسرا.
15 شوال، 1426 هجري - 17.11.2005 ميلادي
فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:( يا ابن أخي انك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب وانك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ؛ قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد اسمع.. قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وان كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك.. وان كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا... وان كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له.
حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم فاسمع مني قال أفعل فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فاعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرأها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منع حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى (فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة خوفاً مما تضمنته الآية من تهديد ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي إني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة... يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم. ( سيرة ابن اسحق )
(**) بلاط الشهداء هي تلك المعركة الفاصلة في التاريخ الإسلامي عموماً وفي الأندلس خصوصاً ، والتي دارت رحاها داخل الأراضي الفرنسية عام ( 114 هـ / 732م ) ؛ بلاط الشهداء تلك المعركة التي كان قائد جيش المسلمين فيها القائد الفذ اليمني الأصل ( عبد الرحمن الغافقي ) ، بينما كان قائد جيش الفرنجة الذين تجمعوا من كل أنحاء أوروبا شارل مارتل .
عبد الرحمن الغافقي قائد رشحه إيمانه وإمكاناته القيادية وعبقريته الحربية للقيادة ، ولكن الظروف لم تتكافأ مع عبقريته العسكرية ، عبد الرحمن رشحته عبقريته الحربية للإمارة ولم يرشحه حسب أو نسب ، وستبقى سيرته وسيبقى ذكره في الخالدين مع الذين {...صدقوا ما عاهدوا الله عليه ...} هذا ما قاله فيه الأديب الكبير شوقي أبو خليل ، والذي يضيف قائلا في كتابه بلاط الشهداء : "ولو إنه انتصر في بلاط الشهداء لعمت شهرته الخافقين و لأصبحت الدنيا منذ ذلك الحين مسلمة ، ويكفي الغافقي فخراً أنه بالإسلام وحده أوصل جيوش المسلمين إلى ضواحي باريس ويكفي الإسلام فخراً أنه أوصل العربية والعروبة إلى قلب فرنسا "
هذا عبد الرحمن الغافقي القائد ، أما بلاط الشهداء المعركة فيقول فيها المؤرخ الشهير " رينو" : " إنه بلغت حماسة المسلمين في تلك الغزوة أن بعض المؤرخين شبههم بريح صرصر تقتلع كل ما جاء أمامها ، أو بسيف ماضٍ يقطع كل ما يصادفه " ، أما المؤرخ " جيبون " فقد قال في كتابه ( أوروبا في العصور الوسطى) :" لو انتصر في بواتييه لتُلي القرآن وفسر في ( أكسفورد وكمبريدج ) و " بواتييه " هو الاسم الأوروبي لمعركة بلاط الشهداء الخالدة ، أما المؤرخ الأوروبي الشهير " انتول فراس " فيقول :" إن أهم تاريخ في حياة فرنسا هو معركة بواتييه حين هزم شارل مارتل الفرسان العرب في بواتييه سنة 732م ، ففي ذلك التاريخ بدأ تراجع الحضارة العربية أمام الهمجية والبربرية الأوروبية "!!!
في بلاط الشهداء إذن استشهد القائد عبد الرحمن الغافقي ، وفي بلاط الشهداء إذن استشهد عشرات الألوف من المقاتلين المسلمين ، والذين كان هدفهم وغايتهم ليس فتح فرنسا بعد إذ فتحوا أسبانيا ، بل إن غايتهم كانت فتح القسطنطينية في عملية فتح تشمل كل حوض البحر الأبيض المتوسط كما كانت خطة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال في وصيته المشهورة لعبد الله بن عبد القيس وعبد الله بن نافع قائدي الأسطول البحري حين أمرهما بالتوجه إلى الأندلس عبر شمال أفريقيا قائلا :" إن القسطنطينية تفتح من قبل الأندلس وإنكم إن فتحتم ما أنتم بسبيله تكونون شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر " .
ومع استشهاد عشرات ألوف المقاتلين ومع استشهاد سيد المقاتلين عبد الرحمن الغافقي في بلاط الشهداء على يد ( شارل مارتل ) الذي كان يلقب بالمطرقة ، حيث نال هذا اللقب لشدة لؤمه وما أنزل بالكنيسة الكاثوليكية من صارم الضربات التي استلزمها فساد رجال الدين في عصره كما تذكر كتب التاريخ ، إلا أن التاريخ يشهد ويؤكد أن بلاط الشهداء لم تكن آخر المشوار ولم يتوقف تاريخنا المجيد عند توقف جنود المسلمين هناك عند سهول ( بواتييه ) وعلى سفوح جبال البرانس على حدود فرنسا مع الأندلس.
المصدر / كمال الخطيب ( نائب رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 48 ) صفحة / حسام خضر.
|