صلاح عبد العزيز

 

(( الكذِب ... الحلال ))

 

من أعظم فوائدالإغتراب و السفر؛ الوقوف على معادن الرجال... و ما سُميَّ السفر سفراً ؛ إلا لأنه يُسفر عن خبايا النفوس و مكنوناتها.. و المرء ما دام يحي في بلاده فإن حياته و علاقاته الاجتماعية تكون طبيعية إلى حدٍ تقل فيها المشاكل و الخُصومات ؛ و ذلك لوجود البيئة العامة  التي تتوافق و  تتناغم  مع فكره و دينه و ثقافته. و وجود عوامل التلطيف من العمٍ والخالٍ و شيخ القبيلة ...

 

و لكن بعد اعتلاء مَتْنِ سفينة الهِجْرة التي نَصَبت شِراعها و أبحرت منذ عشر سنين ... وَجَدْتُنِي و رُكاب تلكم  السفينة -  مع من سبقونا ممن استقر بهم المُقام في الغرب لظروف مختلفة -  في بحرٍ لُجِيِّ تَغْشاه أمواج من خُصومات و  مشاكل و أقضِية اجتماعية و اقتصادية و فكرية!!! و سُحُبٌ تراكُمية قد غَيَّمت و خَيَّمَت على أجواء كُل من كان على ظهر سفينة الهجرة تلك ... و أُنزِلت الشِراعُ فما عاد للسفينة حراك ؛ و استقرت في محيط الهجرة لا تدري متى تهُب رياح التغيير لتَشُقَ عُباب الماء مُوليةً وِجهتها صًوبَ المياه الدافِئة ؛  يَشُدُها الحنين إلى شواطئ طرابلس و مصراتة و بنغازي و درنة ... حيث الدِفء الاجتماعي الذي فقده كل من كان على مَتْنِ سفينة الغربة !! و حيث سعة الصدر للآخر و حُسن الظن به مع إقالة العثرات و بشاشة الوجوه و حنان الأُخوة الإيمانية  قبل حنان الأُبوة ...

 

و في انتظار هبوب رياح التغيير في سماء بلادنا ؛ يعيش مُعظم  أفراد الجالية الليبية في جو من التوتر يشوب العلاقات البينية : الرجل و زوجه ، و الأب وابنه  ، و الأم و ابنتها  ... و بين اثنين تحابَّا في الله و اجتمعا عليه – عندما كانا  داخل ليبيا -  و لكن و أسفاه !! افترقا في " أول مشوار الغربة " على الدُنيا !!! و لكن أين الله الذي إن تأرجحت بهم الفُلك دَعَوْهُ مخلصين له الدين لإن أنجاهم من تلكم .. ليكونوا إخواناً مُتحابِّين !!! و بين أخوين كانا قبل الهجرة  مثالاً للمودة و المحبة و الإيثار.. فلما استقرت بهم الأمور في " الخارج " إذا بالحَسن قد صار قَبيحا .. فالمودة أضحت جفوة  ، و المحبة كراهية ، و الإيثار أثرة !!!

 

و بين أُختين أحيتا سيرة الصحابيات عندما كانتا تجتمعا و تلتقيا حُباً في الله وحده على أرض بلادنا الحبيبة .. دُعاءُ بظهر الغيب .. تفقد مُستمر لحاجة الآخر.. و يشاء الحكيم الخبير سبحانه أن يجمع بينهما على متن سفينة الترحال ؛ و ما أن تمضي سنة أو سنتان إلا و صًيِّب الغربة يهطل من السماء بشدة رعده و وميض برقه  فيأخذ بالأبصار.. و تهتز سفينة الغُربة بمن عليها ؛ و يَثبت من اعتصم بالله و جعله وكيلا... و لكن تلكم الأختين أفسحتا للشيطان مدخلاًً ... فجال و اختال ؛ و نجح في بث إذاعة مسموعة على الهواء مباشرة تُذيع أسرار و عُيوب عدو اليوم - حبيب الأمس!! و لمن أراد بالمجَان ؛ و مع أن البحر المحيط يفصل بينهما ... إلا أن أجهزة الذبذبة عالية التردد - ( UHF ) شيطانية الصنع – كانت هي الوسيط ( Media ) بينهما !!!

 

هذه المستجدات في حال الاغتراب طبيعية .. بمعنى أنها نتاج البُعد عن الوطن و الأقارب و الخِلاَّن ؛ و كما قيل : " تحدث للناس أقضية بقدر ما استحدثوا من أمور " و قال غيرهم : " تحدث للناس أقضية بقدر ما استحدثوا من فُجُور " فهل أصبحت أمورنا في بلادنا ... فُجوراً في حال غُربتنا ؟! هل إذا خاصم احدُنا في غُربته وَجب عليه أن يَفْجُر؟ فتلوح له راية من رايات النفاق ؛ و بدل أن يفُوز بثواب المهاجر الذي يقع أجره على الله .. يَبُوء بإثم المُخاصم الفاجر.

 

كل هذا يحدث في الغُربة ... و لكن الأغرب في حق أبناء الجالية الليبية هو ظاهرة الزهد في الأخذ بزمام المُبادرة لمحاولات الإصلاح البينية " إصلاح ذات البَيْن " ؛ و لأن الحَسَن على -  أرض الوطن الأم -  بات قبيحاً في ديار الغُربة!!! فقد اقتضى الأمر أن نستخدم ذات المعنى  لمحاولة إعادة المياه إلى مجاريها ن و إصلاح ما فسد من علاقات بين الأصحاب و الأقارب..

 

فالكُل يعلم أن الكَذِب صفة من صفات النفاق ، و ليست من شيم أصحاب النفوس العفيفة في شيء ... و لكن عند الوقوف على رواية الصحابية أم كلثوم بنت عُقبة - رضوان الله عليها -  و هي تروي لنا هذا النص النبوي الواضح في شأن الإصلاح بين المتخاصمين  و مرونة الشريعة الإسلامية حيث يصبح القبيح حسناً في مثل هذه المواطن و هي ( إصلاح ذات البَيْن ) تقول أم كلثوم " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً. [1]

و تزيدنا أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أيضاً قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين الناس " [2]


ولا يقولنَّ قائلٌ أن هذه " ميكافيلية "  و أن الغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام ؛وهل يسوغ للمصلح أن يلجأ إلى الكذب كوسيلة من الوسائل المشروعة ؟! نعم، إذا دعت الحاجة إلى الكذب من أجل الإصلاح فهذا جائز شرعاً، فإن من القواعد الشرعية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، فمتى تحقق في الكذب درء مفسدة وتحقيق مصلحة جاز... و مصلحة الكذب هنا أعظم من مفسدته ؛ فأُبيح منه بقدر الحاجة . [3]

 

و لكي نكون عمليين ... ليبدأ كل منا مع نفسه أولاً.. فيصطلح مع ربه ، ويصلح من  حال نفسه و ينقيها من أدرانها و عيوبها و نواقصها و معاصيها .

ثًم  لينظر من حوله ، و  يتوجه إلى زوجه شريكة عمره و حياته ... فهي أولى الناس بالصحبة الحسنة ؛ و لا تأخذ أحدنا العزة بالإثم و الكِبر .. فتسول له نفسه أن هذا انكسار و ضعف !! و هي أولى و أحق أن تبادر بالاعتذار و طلب السماح لأني أنا رب العائلة!!! فكيف يتأتى لأسرة أن تنجح في فك الاشتباك " على رأي أصحاب المُصطلحات الحديثة " و رب البيت يأبى التواضع و الاعتذار .. ناهيك عن أن يُمارس الكذب الحلال !

فإن خلا بيت أحدنا من النزاعات و المُشاحنات .. نظر فيمن حوله من أصحابه و أقاربه في مدينته التي يقطن بها ؛ فيبادر بتأسيس لجنة مساعي حميدة و ليقع اختياره على أكثر الأصحاب حكمة و صبراً و رَوِيَّة ... فما ظَنك باثنين حُكماء مصلحين ... الله ثالثهما. [4]

 

صلاح عبد العزيز – جنيف – سويسرا

salahalimami@yahoo.com

 


 

[1] رواه البخاري ( 2546) ، ومسلم ( 2605 ).

 

 - عن أمّ كلثوم بنت عقبة قالت: "لم أسمع رسول الله  يرخّص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها "- رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وروى الترمذي مثله عن أسماء بنت يزيد.

 

قال القاضي عياض: (لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور).  

وقال ابن حجر: قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى( في المعاريض مندوحة عن الكذب )

 
[2] الترمذي (  1939) ، والحديث : حسنه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " ( 7723 ).

 

[3] قال الطبري : لا يجوز الكذب في شيء أصلا لعموم النهي عن الكذب والتحذير منه في نصوص متوافرة من الكتاب والسنة...   -  قالوا: وما ورد في صحيح مسلم فهو من قول الزهري مرسلا، وليس من الحديث المرفوع؛  رجح ذلك الأئمة كالنسائي وغيره ، ويحمل إن صح على أن المراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب ، وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه..  

 

قلت : وهذا القول أقوى لأنه إذا أمكن استعمال التورية فهو أولى، فإن لم يمكن فلا حرج في الكذب حينئذ لكن بحدود ضيقة مع التحذير من التمادي فيه.(  د. العبدلي – لجنة الإصلاح – مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية )

 

[4] الله يصلح بين المؤمنين .


ومن عظيم بركة الرب وعفوه ورحمته أنه يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ... فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه ، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ فقال : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ، فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي ، فقال الله ـ تبارك وتعالى ـ للطالب : فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب فليحمل من أوزاري ، قال : وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال : إن ذاك اليوم يحتاج الناس إلى من يُحمل عنهم من أوزارهم ، فقال الله تعالى للطالب : ارفع بصرك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال : يا رب أرى مدائن من ذهب وقصور من ذهب مكللة باللؤلؤ... لأي نبي هذا ؟ أو لأي صديق هذا ؟ أو لأي شهيد هذا ؟ قال : هذا لمن أعطى الثمن ، قال : يا رب ومن يملك ذلك ؟ قال : أنت تملكه ، قال : بماذا ؟ قال : بعفوك عن أخيك، قال : يا رب فإني قد عفوت عنه ، قال الله عز وجل : فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك " اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإن الله يصلح بين المؤمنين " [ رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ]

 


ارشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com