|
صلاح عبد العزيز
((المُجتمع الليبي.. و الصبر على إصلاحه )) *
أكبر مساحة قصصية هي تلك التي احتلتها أحداث الصراع الذي دارت رحاه في ربوع مصر بين قيادة سياسية فرعونية ألغت الغير بأسلوب الاغتيال المعنوي ؛ و إتباع إجراءات احترازية كقتل الذكور من الأطفال دون الإناث منعاً لظهور شخص مُصلح قد يكون سبباً في تقويم اعوجاج أفراد المجتمع .. و من ثّّمَ تعرية طغيان الزمرة الحاكمة !!
مُصلح اجتماعي آل على نفسه أن يُواجه استبداداً سياسياً مَكَّنَ للخوف أن يُعشِش في قلوب أبناء المجتمع.. فلا ترى إلا منافق مداهن !! حقق مصالحه على حساب مبادئه و أخلاقه .. و آخر استسلم للخوف و قَبِل الاستبداد!!! فلا يُبدِئ و لا يُعيد.
في ظل تلكم الأجواء السياسية الجائرة ؛ قد يغفل المرء عن البُعد الاجتماعي الذي يحياه أفراد المُجتمع المظلوم ... فالأخلاق الفاضلة تُصبح رذيلة !! و الفاحشة لا يراها القوم قادحةً في شرف العائلة ( قصة زوجة رئيس وزراء مصر ( العزيز ) مع سيدنا يوسف عليه السلام ).
و بالرغم من شدة تيار الفساد الجارف... تجد هناك من وقف ضده و بجرأة لم يُعهد لها مًثيل ... سلاحه الصبر .. صالحاً في ذاته .. مُصلِحاً لانحرافات مجتمعه ... رجل من آل فرعون يكتُم إيمانه... و امرأة صالحة مُصلحة من علية القوم !!
إنها ( آسيا بنت مُزاحم ) زوجة فرعون .. فقد كان بوسعها أن تستجيب لضغوط الزوج و الذي كان يملك مصر و الأنهار تجري من تحته ، و لا يستطيع أن يقف أمامه إلا قَوِيّ الإرادة ... فمن أين لها الإرادة و هي قابعة في قصور حاكم لا يُريهم إلا ما يري!! فهل كان سيسجل التاريخ لها اسماً و يُعلي لها المولى ذِكراً لو نافقت و جاملت على حساب أفكارها و يقينها بأن الإنسان خُلق ليحي حُراً عزيزاً ... و إلا فالقبر أولى به من حياة مريرة لا يستطيع أن يقول فيها للمُخطئ : أنت أخطأت.
لقد كانت ( آسيا ) بموقفها ذاك مُحامية و مُدافعة عن الحق أولاً : ليقينها بأن الحقَ أحقُ أن يُتَبعَ ؛ و لذا فقد أكسبها عند ربها بيتاً في الجنة نالت به النجاة من فرعون و عمله... و ثانياً : لأنها كانت تُحامي و تُدافع عن شعب كامل ظُلِم و استعبد من قِبل فرعون و قارون و هامان...
نعم.. لقد أذلت كبرياء فرعون بموقفها و ثباتها ؛ و لقد غرق فرعون مرتين ... الأولى غرق في مستنقع الوهن و الضعف و الهُزال أمام امرأة لا تملك إلا أن تقول للباطل " لا " بكامل فيها ؛ و هي تعلم جيداً ما ينتظرها من مصير ... ضرب بالسياط و تجويع و تحريق و عذاب أليم حتى الموت !! و الثانية يوم نجى الله جسده من بعد أن لفظه ماء البحر الأحمر ليكون عبرة للمستبدين أمثاله.
في ظل حكم طاغوت مثل فرعون نشأ قوم بني إسرائيل و أقباط مصر، و ترعرع أبناؤهم في ظل حكم استبدادي يُلغي قيمة الفرد باعتباراته الإنسانية .. لا بل أن كل ما يراه يعتبره هو الحق المُطلق في نظره .. و الآخرون إن هم إلا عبيد عنده يموتون أثناء أعمال السُخرة بالمئات يومياً من أجل بناء هرم يُخلد قبراً . و من بين هذه الأجواء الخانقة تطفو على السطح أمراض المجتمع آنذاك فلا تري إلا صنفين :
الأول - منافق مستفيد من السياسة ( هامان ) وزبانيته.. أو الاقتصاد ( قارون ) و حاشيته .
الثاني - عامة الشعب من يهود و أقباط ؛ يُنظر إليهم نظرة احتقار و دوُنية أثرت في شخصيتهم إلى يومنا هذا !! فكان الطمع و الجشع و حُب الدنيا في بني إسرائيل!!! و سحق الشخصية الاجتماعية و الوطنية في أقباط مصر ( المصريين ).
و من هُنا يأتي الانحراف في السلوك الاجتماعي و تدني مستوى الأداء المدني و الحضاري عند أفراد المجتمع بعمومه.. و إذا كان الإنسان مدني بطبعه و سجيته ... فإن الاستبداد السياسي من شأنه أن يُضعف من مدنية المواطن و سلوكياته .. فيكون الخوف على الرزق مؤدياُ إلى الشُح .. و الخوف على النفس مؤدياً إلى النفاق و الكذب ... فهل تكون ثَمَّةَ أخلاقاً فاضلة تنبعث من كذب و نفاق غلب على النفوس فأصبحت ضعيفة هزيلة تتبع صرخة كُل ناعق؟!
و مع كُل هذا أيضاً ... سجل التاريخ أن في ذاك المُجتمع رجل أدى واجب النُصح و قام بدوره في الإصلاح الاجتماعي و قد اشتهر بــ ( مؤمن آل فرعون ) فقد كان محامياً من الطراز الأول ؛ دافع في قضيته عن المُصلح الكبير ( سيدنا موسى ) و رافع عنه بحجة و منطق دون أن يذكر القرآن لنا اسمه... فكم من مصلحين يعملون ليل نهار و لا يَشعر الآخرون بهم... و لكن عند ربهم الذكر الحسن و الدرجات العُلى و الثناء من ملائكة السماء...
ولكن هل كل هذا يعني تبرير الانحراف الخُلقي و الأمراض الاجتماعية لدى تلكم المجتمعات ؟! و الجواب... لا بكل ما تحمله من معاني النفي ..
هل هناك ثمة علاقة بين ما ذُكر و بين ما يجري في بلدنا ( ليبيا ) و طبيعة أخلاق الجالية الليبية في المهجر ، و سلوكيات الكثير منهم و التي تترجم بوضوح السيرة الذاتية لمجتمع صغير وجد نفسه خارج حدود وطنه ؛ ليُعبر بلسان حاله لا مقاله عما يجري داخل حدود الوطن من تدني فاضح للسلوك الاجتماعي و الأداء المُتمدن ؟! نعم و بلا أدنى شك ... فإن القياس هنا في محله و قد أصاب كبد الواقع مع اختلافات في الزمان و المكان و الظروف السياسية ... فهذه ( ليبيا الحاضر و النظام الجماهيري ) و تلكم ( مصر و الحكم الفرعوني ).
إن المتتبع عن كثب لسلوكيات معظم الليبيين و الليبيات في ديار الغرب... يلحظ أوصافاً دخيلة غريبة لم تكن لتشتهر بها الشخصية الاجتماعية الليبية لولا الحُقبة الزمنية التي مرت بها البلاد منذ عام 1969 ميلادية ... و إلى يومنا هذا... صحيح أن مجتمعنا لم يكن يعيش في أجواء( المدينة الفاضلة ) قبل ذاك التاريخ ؛ و لكن كانت هناك عوامل مجتمعة تعين على التماسك الأسري و الالتزام الخُلقي العام و الذي كان يُغذيه ( حياء ديني ) و ( موروث مُصطلح العيب ) مثلاً : من العيب أن يَسُب الرجل زوجته .. فما بالك أمام الآخرين!! من العيب أن يكذب الرجل .. فالكذب ليس من شِيَم الرجال... حرام أن يخدع الإنسان أخاه الإنسان...و إن كان غير مُسلمٍ . كان إذاً مفهوم ( العيب و الحرام ) من الأسس التي ضمنت لنا حياة شريفة نفتخر بها أمام الأمم الأُخرى ... و كان لسان حالنا يقول : ها أُم إقرؤا سيرتنا الذاتية نحن الليبيين ... عفة .. حياء .. كرم .. وفاء.. إيثار.. تضحية .. تواضع .. شجاعة .. صدق.. سلامة صدر.. كسب حلال .. قناعة و رضا...
أما الذي حل بأكثرنا الآن ؛ فإن مفهوم المُخالفة يستحي أن يأخذ محله لما سوف يناله من سخط و لعنات الباحثين الاجتماعين و المصلحين ...أما المصلحون الذين يبتغون عند ربهم بيتاً في الجنة ؛فإنهم لا يلعنون كما قال الإمام أحمد بن حنبل لابنه " و هل سمعت أباك يلعن أحدا؟! ".
إن دورك ( أختي القارئة ، أخي القارئ ) هو واجب الإصلاح الاجتماعي ، و هو دور قام بتفعيله الأنبياء و الرسل و العظماء أصحاب القلوب الكبيرة.. الذين أتعبوا أجسادهم و عقولهم في حمل هموم إصلاح السلوك الاجتماعي للفرد و الأسرة و المجتمع .
لنكن نحن الغرباء الذين نظر إلينا المُصلح الأول محمد بن عبد الله – صلوات ربي و سلامه عليه – من خلال نافذة التاريخ .. حيث وصفنا بأننا " نُصلح ما أفسده الناس " فأعظِم بها من مهمة جليلة خطيرة ... تحتاج معها أن نرفع شُعلة الأمل الباسم في ثنايا النفق المُظلم العابس.
دمتم للفساد مصلحين ... و على لأواء الطريق صابرين ... و الحمد لله رب العالمين.
صلاح عبد العزيز - جنيف – سويسرا .
(*) و الحق يُقال أن الأمر خطير و بحاجة لتكاثف جهود المصلحين من أبناء الوطن و الباحثين الاجتماعيين... و أن يتحلى كل منا بالصبر و يحاول قدر جهده التخفيف من حدة التوتر السائد لدى البعض من أفراد. الجالية. و معالجة الأمراض التي حلت به !!
ملاحظة قيمة أشارت إليها الأخت الكريمة و هي : التطوير في حياة أبناء الجالية الليبية. هناك من لبث مدة طويلة في المجتمع الغربي و لا يستطيع التحدث بلغة القوم ؟ و هو عالة على الدولة.. أينما توجهه لا يأتي بخير.!!!
السلوك الأخلاقي الاجتماعي تدنى عند البعض لدرجة أنه يتجرأ على إهانة زوجته أمام الملأ و بألفاظ تتمشى مع نظرية ( داروين ) القائلة بان جده الأول أصله حيوان غير إنسان !!
الظاهرة الخطيرة الأخيرة والتي نوهت إليها أختنا الفاضلة التي تحمل هموم الجالية و محاولة مد يد العون لها : ( أن البعض من السُذج ظن أن القانون الاجتماعي الغربي من السهل اللعب عليه و خداعه... و نسي هذا الساذج الجاهل أن سلوكه المشين المتصف بالمراوغة و الخداع... لا يلبث و أن تكشفه عيون الدولة و رقابتها ... و قبل ذلك كله عين الله التي لا تخفى عنها غائبة ... )
النتيجة الحتمية : هي تشويه سمعة الجالية الليبية في المهجر و من ثَّم تشويه سمعة الإسلام كله في عيون الغرب.
لفتة جميلة أخيرة : أهدتها الأخت لأبناء جاليتنا و هي الظهور بهندام مدني متحضر يليق بالشخصية الاجتماعية التي ينبغي أن يظهر بها أمام الآخر الغربي . لأن الله سبحانه جميل .. يُحب الجمال.
|