صلاح عبد العزيز

 

(( ثلاثيات .. إيمانية )) ( 2 )

 

الأمور ثلاثة : واجب .. و مستحيل .. و ممكن.

الـواجـب : -  أن يكون لهذا الكون إله ؛ و هو الله سبحانه

المستحيل: -  أن يكون مع الله إلهاً آخر.

الممـكـن  : -  كل ما عدا ذلك فهو في دائرة الممكن.

 

هذه الثلاثيات تفتح لصاحبها آفاقاً جمَّة .. أهمها توحيد الخالق سبحانه و نفي الشرك عنه.. ثم إنها توجد تصوراً صحيحاً و منطقياً لحقائق الأشياء، و تفتح أمام العبد روزنات يخوض من خلالها حياته بأمل و عزم ينصهر أمامه الحديد  و تُدك له الجبال .. فكل شيء ممكن... ألم يُنقل عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في ثوانِ معدودات و لم  ينشرخ ولم يتصدع!!

 

إن تقوية هذا التصور الإيماني و تعزيزه في أعماق ضمير المؤمن من شأنه أن يشحذ الهمم الخائرة المستسلمة لواقع الأمة المرير.. إلى القمم الشُم العوالي.. متمثلاً قولة عقبة بن نافع عند فتحه الشمال الأفريقي و قد وقف أمام شواطئ المحيط الأطلسي : ( اللهم إن كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً .. لخضته في سبيلك )..

 

إذا كان المنطق العقلي يستوجب أن يكون لهذا الكون إله قادر على الخلق و الإيجاد من عدم .. فأي تصور لكمال صفاته وجلال عظمته لا يرتقي بصاحبه إلى قمة التنزيه و الوحدانية هو تصور قاصر قد ينحرف بصاحبه عن جادَّة الصواب و يودي به في منزلقات الدهرية أو الوجودية أو الإلحادية .. و إذا سلم صاحب العقل السليم باستحالة أن يكون مع الله إله آخر .. أنقذه هذا التسليم من وحل الشرك ... و أوصله إلى بر التوحيد و شاطئ الشكر و العرفان... أفلا يكون عبداً شكورا !!

 

و نوع آخر من ثلاثيات التزكية الإيمانية و ثمرة من ثمارها .. هو تمام الأخلاق... فتمامها ثلاث :

 

 1- أن تكون مع الحق سبحانه بغير خلقِ

 

أي أنك تعيش مع مولاك تراقبه ولا ترى سواه.. فتُسقط مراقبة الخلق لك و مراقبتك لهم في كل أعمالك و أقوالك.. و هذا هو تمام الإخلاص " أن تكون مع الحق بغير خلق ".

 

2- أن تكون مع الخلق بغير نفس

 

أثناء تعاملك مع خلق الله .. تحاول جاهداً أن تُسقط حساباتك الخاصَّة !! أي أن تُقدمَ مصلحة أخيك على مصلحتك .. و أن تُسقط من قاموسك " أنا و لي " و هذا مقام صعب المنال إلا من وفقه الله لوصوله.. وهذا هو مقام الإيثار.

 

3- أن تكون مع النفس بغير أمن

 

و هي حالة طوارئ تدعو المرء إلى مراقبة نفسه في سكناتها و خلجاتها .. و عليه أن يتهمها دائماً لأنها أمّارة بالسوء .. و إن هي محضتك النُصح فاتهمِ.. و ذاك من أصعب المقامات ؛ إذ هو مقام المراقبة !! فمن منا إن راقب نفسه لا يغفل و لو هُنيهة ؟! فقد يُراقب أحدنا نفسه و يضعها تحت المراقبة سنوات و أياماً و ساعات... و في لحظة غفلة عن خطورتها .. قد تورده المهالك .

 

فمن تخلق بهذه المقامات الثلاث .. مع الحق و الخلق و النفس.. وصل الذُروة في الإخلاص و الإيثار..  و امتلك زمام نفسه.

 

تصور معي أخي القارئ رعاك الله أن مناهجنا التعليمية و التربوية قد بنيت على أن تخرج أجيالاً تتحلى بمثل تلكم الصفات و ترقى بها أعلى مقامات.. إخلاص في القول و العمل .. بعد عن الأنانية و الشح!! بل إيثار للآخر و تقديم له على النفس .. يقظة في الضمير و إرهاف في الشعور .. تصورت معي كيف كان سيؤول حال الأمة و تأخذ مكانها بين أمم الأرض الأخرى التي و إن بلغت شأواً كبيراً في الارتقاء المدني .. إلا أن السمو الحضاري يعوزًُها !! و ذاك لا يتأتى إلا بمكارم الأخلاق و تمامها . و هذا البديل الحضاري لا تملكه إلا أمتنا الإسلامية إن امتلكت عوامل الرًقي المدني المادي .. و ربطته أولاً وآخراً بخلق القرآن.. و سيرة خير الأنام صلى الله عليه أفضل صلاة و سلام    

  :{ اللهم إني لم أخرج بطرا ولا أشرا وأنك تعلم أني أطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين.. وهو أن تعبد

صلاح عبد العزيز –  جنيف – سويسرا

 salahalimami@yahoo.com

  


ارشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com