جمعة القماطي
الإصلاح أم التغيير في ليبيا ؟!
ليبيا ليست استثناء عن ما يدور في العالم العربي من حوارات وتفاعلات واسعة حول ضرورة التغيير للخروج من واقع الاستبداد والتخلف، وعن شكل التغيير المطلوب، وأنجع الطرق لتحقيقه. وهل يأتي التغيير من خلال مشاريع وضغوطات خارجية دولية، أم يكون بوصفة داخلية وطنية بحتة.
مؤتمر المعارضة الليبية الذي انعقد في لندن قبل شهرين، وما لقيه من تجاوب وتفاعل شعبي داخل ليبيا، طرح قضية التغيير السياسي في ليبيا بقوة أمام العالم، كما جاءت ردود الفعل – المتشنجة في أغلبها – من قبل النظام الليبي حول المؤتمر، معبرة عن وجود أزمة مصداقية سياسية حقيقية، وأزمة انعدام فكر سياسي مقنع يستطيع أن يواجه مطلب التغيير المتنامي بعد أن وصلت الأوضاع إلى أفق مسدود.
مبادرة سيف الإسلام القذافي التي أطلقها يوم 20 أغسطس من طرابلس، وتطرق فيها إلى ملفات مهمة تمس واقع حقوق الإنسان في ليبيا، وتمس مظالم وقعت على أغلب الليبيين من قبل نظام والده، لم تخرج عن سياق ومصير سابقاتها من تصريحات ومبادرات أطلقها نجل العقيد على مدى الأربع سنوات الماضية، والتي وعد فيها الليبيين بتحولات مهمة كالسماح بتكوين أحزاب سياسية، وصحافة حرة، وانتخابات، وتحرير كامل للاقتصاد، وإبعاد عناصر اللجان الثورية المتورطة في الفساد. ولكن لم يتحقق من كل ذلك شيء على أرض الواقع، ولم تزد عن كونها جعجعة بدون أي طحين، تؤكد على عدم جدية هذه التصريحات التي لا يستطيع صاحبها تفعيلها على أرض الواقع, والتي هي في غالبها ربما مجرد رسائل موجهة إلى أطراف خارجية، وبالونات تنفيس أو مسكّنات وقتية.
إن مجرد إطلاق سراح عشرات من السجناء السياسيين – مع أهمية هذا الحدث ان تم ـ من بين قرابة الألف سجين، ممن لا يزالون نزلاء سجني (بوسليم) و (عين زارة) وغيرها من السجون السياسية العديدة، وحرمان من يفرج عنهم من حق ممارسة أي نشاط سياسي كشرط لإطلاق سراحهم، ورفض فتح ملف عملية القتل الجماعي لحوالي )1200( سجين سياسى في سجن (بوسليم) في يونيو 1996 هي مؤشرات غير مشجعة لنوايا النظام الليبي في الشروع فيما يمكن تسميته باصلاح يفترض أن يعالج استحقاقات أخرى سياسية واقتصادية وثقافية مهمة.
ولعل السؤال المهم حول موقف النظام الليبي من الإصلاح هو: هل يمكن لنظام سياسي فردي شمولي استبدادي، عمل لقرابة أربع عقود على عسكرة المجتمع الليبي وتثويره بالقوة، والتفكير نيابة عنه. ومارس التحكم المطلق من خلال شرنقة أمنية، وإقصاء كامل لكل ما هو مخالف. واختزل الوطن بأسره في شخص القائد المفكر الأوحد الذي جعل من نفسه المرجعية والشرعية في كل شىء، هل يمكن له أن يصلح ما أفسدت يداه؟ وأن يفكك المنظومة الظالمة الفاسدة التي يقوم عليها ولا يستطيع أن يصمد ويستمر إلا بها؟.
إن التاريخ لم يخبرنا بأن نظاماً دكتاتورياً شمولياً تحول إلى نظام ديمقراطي بمحض إرادته. أو أن من يمارس ويكرس الفساد قد تحول يوماً إلى مصلح بمحض إرادته. بل علمنا أن الإصلاح لا يقوم به إلا مصلحون من قيادات وكوادر ونخب إصلاحية وطنية صادقة تحققه على أرض الواقع.
النظام الليبي قد يناور – بسبب ضغوطات داخلية وخارجية – بعملية الإصلاح من خلال الحديث عنه، وخلق انطباع بأنه يجري ويتم على قدم وساق. بل ومن خلال إقامة الندوات والمؤتمرات, ودعم منابر للترويج والإشادة بهذا الإصلاح الواعد، وإطلاق التصريحات، واستصدار التقارير والدوريات, فتزدهر صناعة الحديث عن الإصلاح ومباركته، دون أن يكون هناك فعليا أي إصلاح، لأن الهدف الحقيقي هو المناورة وكسب الوقت وتفريغ مطلب الإصلاح الشامل من محتواه، من أجل الاستمرار في السلطة. وربما يقوم باستبدال بعض الوجوه القديمة المستهلكة بوجوه جديدة من نفس النوعية، وهو استبدال لفساد الكهول بفساد الشباب، ويسمى ذلك إصلاحا. بينما هو في الواقع إصلاح مزيف أو تحسين شكلي تجميلي لواقع فاسد حتى النخاع.
الإصلاح الحقيقي هو التغيير السلمي الشامل، وهو تغيير أو تحول من مرحلة إلى مرحلة أخرى أفضل. وأهم مدخل للإصلاح الشامل هو الإصلاح السياسي الذي بدونه لن ينجح ويستقيم أي إصلاح آخر. والقول أن الإصلاحات الأخرى الاقتصادية والإدارية والثقافية ستقود لاحقا إلى إصلاح وتطور سياسي غير صحيحة، لأن الإصلاح السياسي هو الحصان الذي يقود العربة المتمثلة في بقية الإصلاحات الأخرى إلى الأمام، بينما العربة لا يمكن لها أن تجر الحصان إلا في اتجاه الوراء!.
لقد حقق الاتحاد السوفيتي تقدما تقنيا وماديا هائلا على مدى سبع عقود، ثم بعد ذلك انهار بالكامل بسبب الاستبداد السياسي. وعندما تخلصت إسبانيا من استبداد (الجنرال فرانكو) وتحولت إلى دولة الحريات والديمقراطية، تقدمت بسرعة هائلة في كل المجالات الأخرى في أقل من عقدين من الزمان. وفي تجربة دولتي كوريا نجد أن كوريا الشمالية - التي يحكمها نظام سياسي فردي استبدادي يشبه كثيرا النظام السياسي القائم في ليبيا- يعاني شعبها من الفقر والجوع والتخلف، بينما شعب كوريا الجنوبية الذي يعيش في أجواء الديمقراطية والحريات، قد حقق معجزة اقتصادية وتقدم وتنمية حقيقية تعد مثالاً يحتذى به.
قد يقول بعض أتباع النظام الليبي أن القيادة الليبية بنهجها السياسي تتمتع بشعبية واسعة، ولو كان غير ذلك لخرج الليبيون إلى الشوارع للمطالبة بتنحيها. وقد يقولون أيضاً: ها هي المسيرات المليونية في طرابلس تعبر عن تأييد ومبايعة الشعب الليبي الأبدية لقيادته. ولكن الواقع المرير هو أن الجماهير في ليبيا ـ أسوة بكثير من الجماهير العربية الأخرى ـ مقهورة ومسلوبة الإرادة، تئن تحت وطأة ظلم ماحق. وفنون تسيير مظاهرات التأييد المصطنع المزيف بكل وسائل الترهيب والترغيب، هي صناعة تجيدها الأنظمة الاستبدادية بمهارة عالية.
كذلك فإن الظهور العلني للمئات فقط من النخب الوطنية الليبية في الداخل والخارج التي تجهر وتصدع ضد الظلم, وتطالب بالتغيير السلمي الشامل, لا يعني أن الملايين الصامتة من الشعب راضية، بل هي مكممة بقبضة حديدية باطشة, وهي أشبه بالجمر تحت الرماد، ولكنها تنتظر اللحظة التاريخية، ووضوح الرؤية السياسية البديلة، والقيادة البديلة كذلك، التي تقودها إلى التغيير المنشود.
المعارضة الليبية في الخارج عانت لسنوات طويلة من التشتت والتنافر، وكانت في أوقات معينة أشبه بالظاهرة الصوتية البعيدة عن واقع ليبيا الداخلي، ولكن تطورات العولمة وثورة الاتصالات في السنوات الماضية جعلت تواصل هذه المعارضة مع المجتمع الليبي ونخبه الوطنية أقوى من أي وقت مضى. وهي تعيش اليوم تنامياً في أدائها، وتوحيداً في صفوفها، مستفيدة كذلك من رياح التغيير القوية التي بدأت تهب على منطقتنا العربية، ومن انتشار الوعي بثقافة حقوق الإنسان، والوعي بالحقوق الدستورية والقانونية، وحقوق المواطنة، وحق الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن السلطة السياسية.
لعل ما يجري كذلك من تطورات وتفاعلات سياسية إيجابية في دول مجاورة وقريبة مثل مصر والجزائر وموريتانيا والمغرب سيكون له أثر إيجابي على ليبيا أيضا، خاصة بعد أن أصبحت المعارضة الليبية بكل تياراتها السياسية في الخارج والداخل متفقة على أن التغيير السلمي بالوسائل المشروعة هو خيارها الاستراتيجي، غير أن بعض الأصوات التي ترفع شعار الإصلاح لم تبلور مفهوما وخريطة واضحة له بعد. وأية معارضة ترفع شعار الإصلاح ولا تحدد طبيعته، أو تضع الإصلاح السياسي على رأس أولوياته، هي معارضة ربما لا تعرف ماذا تريد!.
الإصلاح الحقيقي الذي يمكن أن يخرج ليبيا من أزمتها هو الإصلاح الشامل الذي يقود إلى دولة الدستور وسيادة القانون .. دولة الحريات والتعددية السياسية .. دولة القضاء المستقل والصحافة الحرة .. دولة الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في اختيار الحاكم من خلال انتخابات تعددية نزيهة يتم فيها ـ بضمانات دستورية ـ تحديد فترة الحكم لكل حاكم منتخب بدورتين فقط .. دولة احترام فعلي لحقوق الإنسان .. دولة توظيف ثروات الشعب من أجل رخاءه وتنميتة، وليس رخاء وتسلط الحاكم وزبانيته.
لعل أكبر التحديات التي تواجه المعارضة الليبية خلال المرحلة القادمة في سعيها لتحقيق الإصلاح الشامل أو التغيير السلمي المنشود، هو قدرتها على بلورة رؤية سياسية بديلة يمكن للشعب الليبي أن يتبناها، وإبراز قيادات وطنية بديلة من الداخل والخارج يمكن للشعب الليبي أن يلتف حولها، والعمل على إفشال مشروع توريث الحكم المخطط له حاليا من قبل القيادة الليبية حتى لا تدخل ليبيا في نفق جديد طويل مظلم من الحكم الفردي الشمولي. لذلك فإن الإصلاح الشامل الذي يعني التغيير السياسي السلمي للأوضاع القائمة في ليبيا أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، وتستحق الدعم من كل القوى الوطنية، وأصدقاء الشعب الليبي في كل مكان.
جمعة القماطي
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()