13/09/05


 

انـقـلاب المواطـن "متـمـوح"

 

بوشوال المنصوري: كنت قد عاهدت نفسي أن لا أكتب بأسم مستعار بعد أخر محاولة لي للكتابة وهي الاعتذار إلي اهالى طبرق وضواحيها وأنه إذا أردت الاستمرار في الكتابة لا بد من الكتابة بأسمي الحقيقي حتى أكون عند حسن ظن صديقي الكاتب عبدالرازق المنصوري الله يفك أسره..

 

واستمريت في حياتي الرتيبة المملة في سوق العجاج ولم اعد اهتم بمجريات اعتقال صديقي عبدالرازق حتى عندما علمت بالصدفة بأصابتة بكسور ونقلة إلي المستشفي وكذلك عندما علمت بنبأ اعتقال صديقي ياسين احمد يوسف لمحاولته التظاهر للمطالبة بالإصلاح إمام جامع الملك ولم يتمكن من الوصول إلي المكان نظرا لوجود عناصر الأمن الداخلي وهو لا زال قيد الاعتقال منذ تاريخ 1 /6 /2005 حتى كتابة هذه الأسطر.

 

وتألمت كثيرا عندما علمت بوفاة والدة ياسين الحاجة سالمين منذ أيام قليلة ولم يسمح له بالحضور إلي مكان العزاء ومنزل والدة ياسين بالقرب من سجن الأمن الداخلي.

 

ولكن ما دفعني للكتابة من جديد بنفس الاسم المستعار هو ما حدث من تغير في حياة جاري "متموح" الذي كانت لديه قدرة على التحمل غير عادية من زوجتة سليطة اللسان المدعوة "سدّينا"...

 

وذلك عندما كنت اجلس أمام البيت في احد الأيام وسمعت كالعادة صراخها وهي تندب حظها وتكيل السب والشتائم إلي "متموح" المسكين وأنه لا يفعل شيئا لتحسين ظروف معيشتهم.

 

وسمعتها وهي تقول له: لماذا لا تستغل الفرصة وتذهب إلي طرابلس للمشاركة في الاحتفالات وقد علمت بأنهم سيدفعون مبالغ لكل من يشارك في الاحتفال؟

 

خرج "متموح" وقد قرر أن يذهب إلي المكان الذي يتم فيه التجمع. وعند وصوله وجد جمعا من الناس يستعدون لركوب الحافلات التي تم تأجيرها من مصر التي كان من المفروض أن تكون حافلات ليبية بعد مرور 36 سنة من إنجازات الفاتح العظيم...

 

وقف "متموح" بجانب الجمع وكانوا يتحدثون عن المبلغ الذي سوف يحصلون عليه بعد مشاركتهم في الاحتفالات. وكل منهم لديه مشكلة مادية في حياته نظرا للظروف القاسية التي يعيشونها منذ الانقلاب الذي هم ذاهبون للاحتفال بالذكرى 36 لقدومه.

 

وبدأوا في ركوب الحافلات وانطلقت بهم متجهة إلي طرابلس. وكان يخيم عليهم الصمت وكأنهم ذاهبون إلي الإعدام. وبعد رحلة طويلة وشاقة وصلوا إلي المكان المخصص لأقامتهم في تاجوراء...

 

وكانت الفوضي تعم المكان كالمعتاد. وفي اليوم التالى لوصولهم انطلقوا إلي المكان المخصص للاحتفالات في الساحة الخضراء، وعند وصولهم عرف "متموح" بأنه قد أخطأ في المجيء وان اي مبلغ سيدفع له مهما كانت قيمته عالية لن يكون ثمنا لتحمله زعيق ونعيق خطباء اللجان الثورية... وان سماع سب وشتائم "سدّينا" ارحم من هؤلاء المنافقين...

 

وعندها فكر في الخروج من الساحة الخضراء. وفعلا قام بذلك ومن شارع إلي شارع حتى وصل إلي زقاق بعيد عن مكان الاحتفال وكان يشعر بالعطش عندما وجد شيخا جليلا يجلس بجانب منزله ومعه حفيده ورائحة التاريخ والأصالة تفوح من المكان....

 

فطلب منهم ماءً، فأعطوه الماء. وطلب منه الشيخ أن يجلس ويستريح وسأله من أين أنت قادم فقال أنه قادم من مدينة طبرق. نظر الشيخ إليه نظرة تحس بها بأنه يتذكر شيئا جميلا، واستطرد قائلا بأنه قد ذهب إلي طبرق منذ زمن بعيد (1963) وذلك عند استقالة الملك إدريس السنوسي رحمه الله... وأنه ذهب على حسابه هو ومجموعة من شباب طرابلس في تلك الفترة بدواعي المصلحة الوطنية.

 

وتذكر الشيخ الجليل جلوسه هو وأصدقاؤه وجموع الشعب القادم من كل أنحاء ليبيا في الميدان أمام قصر الملك إدريس السنوسي في طبرق حتى خرج عليهم وعدل عن استقالته.

 

وأضاف الشيخ أنه لم يتصور أن يمتد به العمر حتى يري الليبيين يشترون مقابل حفنة من الجنيهات لمبايعة رجل استولى بالقوة على دولة دستورية والغى جميع القوانين وأوصلها إلى هذه الحالة من التردي على جميع الأصعدة.

 

نظر الشيخ الجليل إلى "متموح" نظرة حزينة وقال له: ما الذي دفعك إلى الحضور إلى طرابلس للمشاركة في هذه المهزلة؟ حكى له "متموح" عن زوجته "سدّيـنا" وعن ظروفه الصعبة. فرد عليه الشيخ بأن الوطن لا يباع وطلب منه الرجوع إلى مدينته والا يشارك بعد اليوم إلا في ما يخدم مصلحة ليبيا وليس من اجل شخص مهما كان.

 

نهض "متموح" وسلم على الشيخ وشكره وذهب إلى المدرسة التي يقيم فيها في تاجوراء. وجد المجموعة القادمة من طبرق مجتمعة مع المسئول عن التنظيم وهي تطالب بالمبلغ التي وعدت بة فأخبرهم بأنه ليس لديه ما يقدمه لهم وعند ذلك بدأ الشباب في السب والشتم بل وصل الأمر بأحدهم أنه قال لم يأتوا لسواد عيون القذافي بل أتوا من اجل المال فقط.

 

وفي صباح اليوم التالى وهم يستعدون للمغادرة بدأت المشاكل من جديد ووصل الأمر إلى تدخل رجال الأمن لأجبارهم على ركوب الحافلات.

 

وفي الطريق بدأ "متموح" في تذكر كل الكلمات التي قالها له الشيخ الجليل الطرابلسي وعند وصوله إلى منزله في سوق العجاج لم نسمع صراخ زوجته سدينا كما اعتدنا بل سمعنا صوته وهو يقول لها انه بعد اليوم لن يسمع لكلامها وانه لن يبيع وطنه مقابل مال الدنيا.

 

بوشوال المنصوري

طبرق ليبيا

 

4 سبتمبر 2005

 

ارسل المقال "جمعيه اصدقاء الكاتب"

                      


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع