د. جاب الله موسى حسن
خطر لو تعلمون عظيم!!
"الذين ينتقدون القذافى تبتر أصابعهم وتهدم بيوتهم... والذين يتطاولون على الله ورسوله والإسلام يسعون في الأرض مرحا... !! عجبي!!
يبدو أن الاتهامات التي يوجهها نظام طرابلس العار من وقت لآخر تتجه إلى جهات بعينها مسموح بتوجيه الحديث عنها وذلك ذرا للرماد في العيون وحتى يمكن السيطرة على هذه الاتهامات ومنعها من أن تتجه إلى جهات أخرى..لقد افرز النظام الجماهيري البديع طبقة جديدة تستفيد من الممارسات الغير مشروعة وهذه الطبقة أن جاز وصفها فهي طبقة سميكة غليظة الحس وربما جاهلة تدعو إلى مفاهيم جديدة وسلوكيات جديدة تستهدف الفساد في كثير من صوره وتوسع من نطاقه حتى تصير له طقوس وأدبيات جديدة معترف بها في ثقافة جماهيرية خالية من الأمراض والادران!!
حتى أصبحت الرشوة والمحسوبية شيئا مشروعا، وهذه السلوكيات تبرر الفساد وتدعو له وتحميه. الحديث داخل حجرات الجلوس المظلمة "المرابيع" عن سلع تموينية غير مطابقة للمواصفات واستيراد اللحوم من شركات مشبوهة، وأحاديث وأسئلة ينتهي بها الأمر إلى لا شيء وتبقى داخل حجرات الجلوس المظلمة دون الوصول إلى نتيجة حاسمة ترضي الجماهير... كما أن الإجراءات التي تتخذها ما يسمى بلجان "التطهير" هي في الغالب طي الأدراج تؤجل من شهر إلى آخر ومعروف نتيجتها في ظل نظام يفتقر للأداة الرقابية وفى ظل "مؤتمر شعب عام" لم يُنتخب أصلا ليكون جهة رقابية حقيقية تلزم النظام بالإجابة عما يقدمه الأعضاء من طلبات إحاطة أو أسئلة أو استجوابات.!!
ومنذ اليوم الأول الذي زورت فيه إرادة الشعب وضُربت الشرعية الدستورية في مقتل اصبح هو ذات اليوم الذي يؤذن فيه برفع رايات الفساد والتمكين لحملة لوائه بان يكونوا هم واجهة المجتمع الجديدة وصانعي قيمه وسلوكياته. والحديث عن"أمين"استورد لحوما فاسدة أو قمحا غير صالحا للاستهلاك الآدمي أو آخر قد مكن لأقاربه شراء أراض بقصد "التملك" كلها صور جزئية لا تستوعب الصورة الكلية لفساد اقتصادي اشمل استشرى في كل نسيج المجتمع. كلها تدل على فراغ سياسي كبير وأزمة في أسلوب حكم فاقد الشرعية وحكم القانون. ومن ثم فعلينا أن أردنا علاجا حقيقيا لهذا الفساد الشامل ليحمل عصاه ويرحل أن نحتكم أساسا لما أرساه مؤتمر المعارضة الوطنية في لندن من ضرورة التغيير والإصلاح السياسي الشامل تمكينا للديمقراطية من أن تكون أسلوبا حقيقيا للحكم وهى المعركة التي خسرها الشعب الليبي منذ بداية الانقلاب ومازال خاسرا لها حتى الآن!!
والمعادلة التي لابد أن نضعها جميعا تحت بصرنا وهى أن الانفراد بالقرار هو الفساد الأكبر في حياة بلادنا لآن الاستبداد السياسي هو الأب الشرعي للفساد وتحلل المجتمعات وانحطاطها. لقد ضرب المتحدثين من ليبيا أمثلة حية لا تخطيء تأييدا لهذه المعادلة وهى أمثلة تدعو كافة المخلصين لليبيا وأهلها أن يتدبروها ،أمثلة تؤيد بصفة رئيسية أن الاستبداد السياسي هو الأب الشرعي للفساد، وعلى الذين يحاولون حصر الفساد في صور تصرف "أمين" معين أو من محاولة إرجاع الأزمة الاقتصادية في جوهرها إلى عدم فهم الشعب لنظرية القايد أو إلى صراع أجنحة داخل العصابة الحاكمة في جماهيرية الفقر.على هؤلاء جميعا أن يتقوا الله في مستقبل هذا الوطن وان يضعوا يدهم على حقيقية أن الفساد الأكبر هو الذي يتمثل دائما في الانفراد بالقرار وبإحالة كل المؤسسات الدستورية إلى عالم النسيان بعد أن أصبحت هياكل شكلية هشة لا يرجى منها أي خيران الأمثلة التي يضربها لنا أهلنا من داخل الوطن السليب تقول بأن الفساد لم يكن مجرد خطأ، بل سياسة واضحة المعالم هدفها مصادرة الوطن وإفلاسه فكرياً وتدمير نسيجه عبر إحلال شريعة الغاب في الممارسة عوضا عن شريعة الدستور والقانون. ويدلل أهلنا من الداخل على ذلك باستشراء نفوذ اللجان الثورية أو ما أصبح يطلق عليها بالمافيا السياسية التي تولت عقد الصفقات وتقاضي العمولات في إطار مشروع تخريب ليبيا وتدميرها!!
دولة مريضة في إدارتها.. مريضة بممارسات المحاباة.. مريضة بالمحسوبية.. والتعسف بالنفوذ والسلطة.. وعدم جدوى الطعون والتظلمات.. مريضة بتبذير الموارد العامة بنهبها بلا ناه ولا رادع. ويصف أهلنا هذه الأعراض بأنها أضعفت الروح المدنية و أبعدت القدرات وهجرت الكفاءات.. ونفرت أصحاب الضمير.. وشوهت مفهوم الدولة . هل هناك كارثة اكثر من ذلك؟! هذه الأمثلة الرهيبة سببها ما قال عنه ابن خلدون من اختلاط الأمارة بالتجارة وهو خطر لو تعلمون عظيم وهو الخطر الذي ينتشر الآن في نسيج المجتمع الليبي، وهو خطر يتوجب التنبيه إليه ولن تستقيم الأمور في ليبيا إلا إذا رجعنا إلى الشرعية الدستورية وهذا وحده هو السبيل إلى القضاء على الفساد!!
د/ جاب الله موسى حسن أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()