27/09/2006

      


 

دراسة تحليلية لمستوى المشاركة السياسية

 فى الانظمة الديمقراطية والانظمة الاستبدادية

 
يمكن تمييز بين أنظمة الحكم , على أساس مستوى أو درجة المشاركة السياسية المتاحة للشعب فى الحكم. ويمكن بناء على هذا التمييز بين مجموعتين من الانظمة المعاصرة هى: الانظمة الديمقراطية والانظمة الاستبدادية.
 
ونظرا لان معظم الانظمة الديمقراطية المعاصرة تقوم على اساس نيابى , اى يشارك فيها الشعب فى الحكم بطرق غير مباشرة من خلال نواب أو ممثلين ينتخبهم. لذلك فان الاشارة الى الانظمة الديمقراطية فى صورتها المعاصرة, تعنى الديمقراطية النيابية .ويمكننا بناء على ذلك أن نقول ان الانظمة الديمقراطية
المعاصرة ,هى أنظمة تقوم فيها مجالس نيابية ,منتخبة من قبل أفرد الشعب, وتمارس فيها هذه المجالس سلطة التشريع , ومراقبة الجهاز التنفيدى للدولة. وبذلك تكون الانظمة الاستبدادية هى تلك الانظمة التى لاتوجد فيها مثل هذه المجالس النيابية المنتخبة ,أو لاتمارس فيها هذه المجالس كافة صلاحيتها التشريعية, والرقبية.
 
وتتمثل معايير أو اركان الديمقراطية السياسية فى صورتها المعاصرة فى التمثيل النيابى ,والتنظيم الحزبى, والفصل النسبيى بين السلطات. ومعنى ذلك أن عدم توافر معيار, أو اكثر مما سبق ,يباعد بين نظام الحكم, وبين صفة الديمقراطية, ويقربه من الانظمة الاستبدادية الغير ديمقراطية.
 
ان درجة المشاركة الديمقراطية المتاحة للشعب لها تأثيرها البالغ على الاداء ,وعلاقات أجهزة الادارة العامة فى الدولة. فحيث يختص مجلس نيابى منتخب بسلطات التشريع, فان ما تنفده أجهزة الادارة العامة من قوانين, وسياسات, تكون نتاجا لارادة شعبية ممثلة فى ارادة المجلس النياب. وحين تكون اختصاصات أجهزة الادارة العامة, هى تنفيد القوانين التى يصدرها المجلس النيابى فان فى مثل هذا التقسيم للاختصاصات ضمان بأن هذه القوانين لاتخدم الا المصالح العليا للمجتمع, ولا تخدم مصالح أو نزعات فئات خاصة فى المجتمع .ويعتبر خضوع أجهزة الحكومة لرقابة ومساءلة المجلس النيابى المنتحب هو القيد الذى يحد من تجاوزات الجهاز الحكومى, وهو ايظا الضابط الذى يوجهه لخدمة المصلحة العامة ,ويحكم تصرفاته فى الاطار والحدود التى تعبر عنها التشريعات والسياسات التى يقرها المجلس النيابى.
 
عندما تغيب المجالس النيابية المنتخبة ,أو تقيد صلاحيتها فى التشريع, أوممارسة الرقابة على الجهاز الحكومى ,فان ذلك يفتح الباب واسعا للجهاز الحكومى لكى يمارس سلطات التنفيد ,ويمارس صلاحيات ادارة أجهزة الدولة وتوجيهها والتحكم فى الموارد العامة ,بلا رقابة, أومساءلة أو توجيه من قبل جهاز يمثل الادارة الشعبية. وفى وضع كهذا توجد فرص ومجالات واسعة لانحراف ,واستبداد الاجهزة التنفيدية بعيدا عن رقابة الشعب ومساءلته. وعندما لاتعبر المجالس النيابية عن الارادة الشعبية حين لا تنتخب انتخابا حرا, فان ما تمارسه من سلطات على الجهاز التنفيدى لايعبر بدوره عن المصالح العليا للمجتمع, لان هذه المجالس لا تعكس ارادة شعبية حقيقية. وفى وضع كهذا يمكن للمجلس النيابي أن يكون أداة تسيب وانحراف, لا أداة ضبط ورقابة بالنسبة للجهاز الحكومى , وان يكون موجها لخدمة المصالح الخاصة ,لاموجها لخدمة المصالح العامة لمجموع الشعب.
 
ان غيبة المجالس النيابية من أنظمة الحكم, معناه أن الشعب لا يشارك فى الحكم, ولايشارك فى التوجيه, والرقابة على نشاطات الدولة ,بما فى ذلك أعمال ونشاطات أجهزة الادارة العامة. ان الانظمة الرئاسية والنيابية ,وأيظا الانظمة المجلسية التى سنتعرض لها باعتبارها أنظمة ديمقراطية ,تقوم كلها على وجود مجلس نيابى منتخب من الشعب يمارس سلطة التشريع, ويراقب مع تفاوت الدور الرقابى من نظام الى أخرأعمال الجهاز التنفيدى.
 
ولاشك أن مثل هذه الانظمة تمثل ,من خلال اخضاع أجهزة الحكومة فيها لضوابط تشريعية تصدر من هيئة تمثل الشعب هى البرلمان أو المجلس النيابى, الضمان الذى يجعل السياسات العامة لادارة الجهاز الحكومى محكومة, ومقيدة بالارادة الشعبية. وفى ذلك أيظا ضمان لان توجه منظمات هذا الجهاز التنفيدى لخدمة الصالح العام. ومعنى غياب المجالس النيابية, أو عدم قيامها على اساس الانتخاب الحر, أو تقييد سلطاتها فى التشريع والرقابة, هو سقوط الضمان بأن مايصدر من تشريعات, وكذلك مايمارسه الجهاز التنفيدى من سياسات سيكون لخدمة الصالح العام للشعب.
 
ويمكن القول بأن غيبة النظام الحزبى (احزاب متعددة) يعتبر معيارا أخر لغيبة العمل السياسى التنظيمى ,واستئثار من يسيطرون على اجهزة السلطة بالعمل السياسى. فالاحزاب فى النظم الحزبية هى الكيانات التنظيمية التى تتبلور من خلالها اتجاهات الرأى العام, وهى أدوات لتنظيم جماهيرالشعب سياسيا, فضلا عن كونها أيضا قنوات تنظيمية للاتصال مع اجهزة السلطة فى الدولة, والتاثير على سياستها وقرارتها. وعليه فان درجة حزبية النظام تعتبر المعيار الثانى لدرجة المشاركة السياسية. وقد يتساءل البعض عما يمكن أن يحدث لاجهزة الادارة العامة عند غياب هذه التنظيمات الحزبية, أو عند ضعف كيانها.
 
ان التنظيمات الخزبية فى اطار النظام الديمقراطى, تلعب دورا هاما فى التأثير على اجهزة الدولة وتوجيهها, وايظا فى الرقابة على تصرفتها أدئها. فالاحزاب هى القنوات التنظمية التى يتعرف من خلالها النواب فى البرلمان على اتجاهات الرأى العام,وكثيرا ماتتبلور تشريعات, أو سياسات تطبق على منظمات الجهاز الحكومى بناء على استخلاص الحزب لهذه الاتجاهات. وعندما تكون الاحزاب على صلة قوية بقواعدها, وتتعرف من خلال هذا على مشكلات العمل الحكومى وأداء الاجهزة التنفيدية, فانها تكون أداة اعلام نواب البرلمان الذين يراقبون الحكومة,بما تمارسه أجهزة الحكومة,وبما يحدث فى اروقتها.
 
ومما لاشك فيه ان توافر مثل هذه المعلومات يجعل البرلمان أكثر فعالية فى ممارسته للوظيفة الرقابية على الجهاز التنفيدى,ويجعل الاحزاب بمثابة أداة ضبط ومتابعة, تقوم بدورهام فى العملية الرقابية على أداء الحكومة وتصرفات أجهزتها.
 
ان الاحزاب فضلا عن دورها فى توصيل, وتنوير أعضاء البرلمان باتجاهات الرأى العام والقيام بدور ضاغط مؤثر على اجهزة الحكومة,ومنظمات الادارة العامة مباشرة. وفى الانظمة الديمقراطية,تحسب قيادات الجهاز التنفيدى, ومنظمات الادارة العامة,لوجهات نظر الاحزاب حسابا كبيرا.فالاحزاب بالنسبة لهده الاجهزة كما هى بالنسبة للمجالس النيابية تمثل راى الرى العام ينبغى ماتعبر عنه مأخذ الجد من قبل هذه الاجهزة.
 
وبناء عليه يمكن القول بأن غياب الاحزاب,او ضعف كيانها,يمثل فى الواقع خللا فى التأثير الضابط والرقابى على اجهزة الحكومة.فخلو الساحة السياسية فى نظام ما من الاحزاب (احزاب متعددة ) معناه أن عمليات انتخاب اعضاء البرلمان لن تكون على اساس سياسية,وانما على أسس شخصية. وعندما يوجد وضع كهذا, ويصبح من العسير قيام البرلمان ذاته بوظائفه انطلاقا من برنامج سياسى, يلتزم به أعضاؤه. وينتهى الامر فى هذه الحالة الى أن يصبح توجيه البرلمان للحكومة, ورقابته عليها غير مرتبطة ببرنامج سياسى, وانما بمجموعة أفكار فردية ورؤى خاصة لكل عضو من أعضاء البرلمان.
 
والحكومة التى تعمل فى هذا المناخ السياسى الذى يقوم على العشوائية والفردية,لايمكن ان تكون هى أفضل منه. وفى الحالات النادرة التى تكون لقيادات الجهاز التنفيدى الرؤية الشاملة البعيدة المدى والبصيرة المتكاملة بحيث تلتزم بخطط وبرنامج عمل من صنعها هى, وليس بتوجية من المجلس النيابى لبقية التنظيم الحزبى, فان النتيجة ستكون زيادة فى قوة, ونفود الجهاز التنفيدى , وامساكه بزمام المبادرة, ورجحان كفته فى ميزان السلطات, وفى ذلك خطورة انحرافه فى مراحل لاحقة بما يملكه من سلطات ونفود.
 
ويعتبر فصل واستقلال السلطات معيارا رئيسيا يظاف الى المعيارين السابقين للديمقراطية. فالانظمة الاستبدادية,كثيرا ماتقترن بدمج السلطات وتركيزها. والحكومات الاستبدادية تلجأ فى كثيرمن الاحيان الى تركيز سلطات التشريع,والتنفيد وربما القضاء أيظا فى يدها. ويمكن القول ان مبدأ الفصل بين السلطات لايمكن أن يطبق الا فى ظل وجود مجلس نيابى أى برلمان ,فهو يعنى ضمنيا ضرورة تمثيل الارادة الشعبية فى جهاز يضم أعضاء منتخبين من الشعب.
 
أن الحرية السياسية لايمكن أن توجد فى مجتمع الا اذا قيدت فيه سلطات الحكم الاساسية من خلال فصلها فى هيئات مستقلة, ورقابة كل سلطة منها على الاخرى.
 
وتنقسم سلطات الحكم الى ثلاث اقسام هى: السلطة التشريعية والسلطة التنفيدية والسلطة القضائية. وأن السلطة التشريعية اذا اجتمعت مع السلطة التنفيدية فى هيئة واحدة, او بين يدى شخص واحد زلت الحرية. أما اذا اجتمعت سلطات التشريع والتنفيد والقضاء فى جهة واحدة,فمعنى ذلك ليس زوال الحرية فحسب وانما (زوال كل شى) كما هو الحال فى معظم الانظمة الاستبدادية ومع ان السلطة القضائية هى احدى السلطات العامة فى الدولة, الا انه الحوار والتفاعل الاساس الذى يقوم عليه توازن النظام يدور بين السلطة التشريعية, والسلطة التنفيدية. فيجب ان يكون لهاتين السلطتين اللذين تحركان المسرح السياسى, أن تكونا مزودتين بصلاحية الحد والايقاف. فالسلطة التشريعية يجب ان يكون فى مقدورها منع السلطة التنفيدية عند اللزوم. وكذلك ينبغى أن تكون للسلطة التنفيدية تفس القدرة على المنع, عند اللزوم أيظا.
 
أن المبدأ للفصل بين السلطات هو ضرورة التمييز بين وظيفة سن القانون, ووظيفة تنفيدها. وهذا التمييز فى التطبيق العملى للفصل بين السلطات, يعنى قدر من التمييز الوظيفى, والعضوى أيظا,بمعنى أن تميز وظيفة سن القوانين عن وظيفة تنفيدها,يقتضى أن توكل كل وظيفة الى جهاز أو هيئة مستقلة,تتوازن سلطاتها مع سلطات الهيئة الاخرى.
 
وفى التطبيق الفعلى لايعنى الفصل بين السلطات, والاستقلال القاطع, والتفرقة التامة بين السلطتين بالقدر الذى يجعل كل سلطة مجرد مانع ورقيب فى علاقتها بالسلطة الاخرى. فالفصل فى هذا المفهوم الضيق يعنى عدم التعاون بين السلطات.
 
ان الفهم الصحيح فى وجهت نظرى لمبأ الفصل بين السلطات, هو ان الفصل ينبغى أن يكون بالقدر الذى يحدد ويمنع ارتداء السلطة طابعا استبداديا, وهذا يعنى أن السلطات الثلاث عليها أن تتعاون, وتسير معا بانسجام لتحقيق الصالح العام. ومفاد ذلك أن فصل السلطات ينبغى أن يكون مرنا بالقدر الذى يحقق التعاون والتنسيق بين السلطات.
 
وما دام الغرض أو الغاية من تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات هو ألا تستبد السلطة,فان حالات دمج السلطات تمثل بالتالى احدى صور الاستبداد بالسلطة والحكم المطلق الذى يحمل فى طياته مقومات الاستبداد كما عليه الحال فى الانظمة الاستبدادية فدمج السلطات معناه أن سلطات الحكم فى الدولة تمارس بلا معقب, او رقيب, وبلا قيد او حد. وفى هذا ممارسة مطلقة للسلطة, والسلطة المطلقة بحكم طبيعتها سلطة استبدادية,من حيث أن ممارستها بلا مساءلة أو مراجعة.
 
أن الكثير من الانظمة السياسية فى دول العالم الثالث تحدث فيها صور عديدة لدمج السلطات. وابرز الانظمة التى تمارس هذا الدمج كأسلوب للحكم, هى الحكومات العسكرية. فهذه الحكومات تمارس عملية دمج شبه كاملة للسلطات فى السنوات الاولى بعد قيامها بالانقلاب وتوليها السلطة. ففى هذه الانظمة, تمارس قيادة جهاز الحكومة التنفيدى فئة من العسكريين تقوم بمهام تسيير أجهزة الدولة التنفيدية, وتقوم ايظا باصدار القوانين ,كما تحيل العديد من المنازعات القضائية والجرائم الى محاكم عسكرية تشكلها هى. وبذلك تجمع هذه الحكومات بالاضافة الى الهيمنة على جهاز الدولة التنفيدى أىالسلطة التنفيدية, سلطات اصدار القوانين, وسلطات قضائية غير عادية فهدا النوع من الانظمة مثال حقيقى وواضح ونمودج للانظمة الاستبدادية.
 
واستخلاص مما تقدم, نقول بأن وجود نظام نيابى, وتنظيمات حزبية, وقيام فصل بين السلطات العامة, هى المقومات التى تستند اليها الانظمة الديمقراطية. ولقد وضح من تحليلنا كيف أن غياب هذه الاركان يقود الجهاز الحكومى ومنظمات الادراة العامة الى الاستبداد, والبعد عن خدمة الصالح العام كما تشير اليه
الارادة الشعبية.
 
ابوبكر ارميلة - لندن
 
A_armela@hotmail.co.uk
 

 


جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com