10/09/2006


      


 
 
مرسل الكسيبي - الوسط التونسية & ليبيا المستقبل :
 
لعله من المفيد التذكير بقصة "ماركيز دوساد" ذاك المؤلف والضابط الفرنسي الذي عاش في القرن الثامن عشر ودخل السجن لمرات عدة بسبب سلوكه الشاذ المقترن باللذة في ممارسة الجنس عبر تعذيب النساء,وهو مادفع لاحقا علماء النفس الى اطلاق صفة الساديين على الذين يشبعون حاجاتهم الجنسية عبر التلذذ برؤية الطرف الاخر في العلاقة الجنسية تحت سياط ألوان شتى من التعذيب.
 
ولقد ذهب الد.محمد المهدي مستشار الطب النفسي في دراسة نشرت على موقع الجمعية العالمية للصحة النفسية الى تفصيل معالم هذه الحالة المرضية الشاذة عبر الحديث عن جملة من تشخيصاتها الدقيقة "وفي السلوك الجنسى السادى تختلط نزعتا الجنس والعدوان أثناء الفعل الجنسى , والعدوان هنا يكون تعبيرا صارخا عن الذكورة والفحولة الجنسية , يضاف إلى ذلك أن تفريغ شحنات الجنس والعدوان فى ذات الوقت يعطى للشص السادى ارتياحا خاصا لأنه يضرب عصفورين بحجر واحد . والشخصية السادية تستلذ برؤية عذاب الآخرين ومعاناتهم , وبعض الساديين ربما يصلون إلى درجة الإرجاز ( الرعشة الجنسية ) أثناء تعذيب ضحاياهم حتى ولو لم يكن هناك موقف جنسي من الأساس , فخروج دفعات العنف له طعم خاص لدى الشخصية السادية . وهناك علاقة بين الرغبة فى الإغتصاب وبين السادية الجنسية , وأحيانا ما تصل درجة العنف فى الممارسة السادية إلى القتل وهو ما يعرف ب "قتل الرغبة" (Lust Murder). وقد تبين أن بعض هذه الحالات لديها اضطرابات نفسية مثل الفصام أو اضطراب الهوية الإنشقاقى أو لديهم تاريخ لإصابة بالرأس".
 
ومن الهام بمكان ضمن نفس السياق التعرف على سلوكيات الساديين وأفعالهم الشنيعة ضمن دائرة علاقاتهم الجنسية الشاذة وصولا الى تجلياتها في الحياة العامة ,ولعل الاستناد الى أهل الاختصاص يكون أكثر دقة في تشخيص التمظهرات السلوكية لهذه الحالة حيث أورد هؤلاء هذه المعالم كدليل على الاصابة بهذا المرض النفسي العضال :
 
"تأخذ الممارسات السادية أشكالا متعددة منها أن يضرب السادى شريكه الجنسى بالسوط أو بالعصى أو يعضه عضا شديدا مؤلما أو يجرح جسمه ويستمتع بصراخه وتوسلاته , أو يدوسه بحذائه . وفى أحيان أخرى يكون السلوك السادى عبارة عن إهانة لفظية فى صورة ألفاظ قبيحة وجارحة أوشتائم مهينة .
 
والسلوك السادى قد لايقتصر على الممارسة الجنسية فقد يظهر فى المعاملات اليومية فنرى هذا الشخص يستمتع بتعذيب ضحاياه من الناس ممن يعملون تحت إمرته إن كان مديرا أو مسئولا , وهو يستمتع بصراخهم وتوسلاتهم ويستعذب استذلالهم وإهانتهم ولا تأخذه بهم أى شفقة ."(**-د محمد المهدي مستشار في الطب النفسي).
 
وحينئذ فان السادية في تقدير أهل الاختصاص من علماء النفس قد تخرج عن اطار الممارسات الجنسية الشاذة لتكون سلوكا حياتيا يوميا لدى أهل الوجاهة وصناعة القرار الاداري والمجتمعي والسياسي عندما تتحول وجاهتهم ومكانتهم الى تلذذ باستصدار مالذ وطاب وفسد أحيانا من مختلف القرارات.
 
وعندما تمعن بعض النخب السياسية العربية الحاكمة في اذلال معارضاتها الى الدرجة التي تتجرد فيها من الادمية فان السؤال يبقى مطروحا حول مدى بشرية بعض هذه النخب ومدى استوائها الصحي والنفسي !؟
 
أغرب من هذا كله أن يتحول بعض المثقفين الى ساديين سياسيين , عندما يسخرون أقلامهم أداة لتلميع جرائم حقوق الانسان وتصويرها مشروعا حداثيا لايضاهيه أي مشروع,ولعل الأمر يكون أكثر بشاعة عندما ينقلب كتاب الدواوين وأقصد بذلك كتاب القصور الى اعلاميين محترفين لفنون وأشكال التزوير فتراهم يملؤون الشاشات الفضائية من أجل ستر عورات أسياد مكشوفين أو قادة خائبين...
 
سوق عكاظ هذه الأيام هي الفضائيات والانترنيت والصحف واسعة الانتشار,والمذهبات والمعلقات السادية أكثر البضائع رواجا في أسواقنا العربية لأن أصحابها هم الأكثر ربحية واثراء فاحشا على حساب الغير,والغير بلاشك هو المواطن البسيط أو المعارض الشريف الذي لايبيع ولايشتري في أسواق النخاسة...
 
ماأبخس المرء حين يصبح لسانه حرباويا يدافع به عن التعذيب ليصوره حفاظا على الأمن والاستقرار,ويدافع به عن الاضطهاد السياسي ليصوره قمة في الحداثة والديمقراطية,ويدافع به عن العدو اللدود ليصوره في أعيننا فارس العصر والزمان...
 
ولعلني أكون أشد ابتئاسا حين ألتفت الى المشهد الفضائي العربي فأرصد بعض التونسيين وقد تحولوا الى ساديين في حقل الاعلام بعد أن مارسوا أدوارا خفية في السادية السياسية ,وتعود بي الذاكرة الى مايحدث لبعض من خرجوا من السجون بعد محاكمتهم في قضايا سياسية فأقلب أحوالهم بين مريض بالسكري ومصاب بفقدان جزئي للسمع واخر مصاب بالربو واخرين يعانون من عاهات بدنية وجسمانية مزمنة على مستوى القلب أو المفاصل أو بعض الأعضاء الداخلية ,فأتيقن حينها أن الساديين في بلدي كثر-بضم الميم-وأن أخطرهم سادية على المجتمع هم من تلبسوا بدور النخب المثقفة ورجال الاعلام ,أولئك الذين يزينون للدولة أخطاءها الجسيمة حسنات وخطيئاتها نعما مباركات, كيف لا ؟!وقد تلذذ هؤلاء بوضع مخالفين في الرأي لما يزيد عن عقد ونصف في سجون أشبه ماتكون بقبور بالحياة ,أو وضع اخرين لسنوات طوال في زنزانات انفرادية ,ثم كيف لا ؟! وقد تلذذ أولائك الساديون النخبويون بحرمان من خرج من السجن بعد تجربة الاعتقال السياسي من العمل والدراسة والعلاج والسفر والتنقل الحر حتى داخل ربوع حدود سلطنتهم السياسية-انظر مثلا حالة السيد صلاح الدين العلوي الذي سجن في قضية سياسية لمدة 14 سنة ليجد نفسه بعد خروجه من السجن محروما من العمل والسكن الصحي وأبسط شروط الحياة مع عقوبة اضافية تسمى المراقبة الادارية لمدة 16 سنة.!!!
 
ان المشهد الجميل الذي تحمله الحياة التونسية بتقاليدها وأعراسها وصلات أرحامها وتعاون أهليها على البر والرحمات ,ثم ماأنجزته الدولة والنخبة وطاقات شعب ذكي من نهضة عمرانية وتعليمية وخدماتية ,كل ذلك مع تألق للتونسيين في مجالات علمية وتقنية شتى ساهم فيه الرسميون والمجتمع يتحول بفعل هؤلاء ومن وقف وراءهم من ساديين أمنيين باشروا التعذيب الجسدي على المعارضين والوطنيين يضاف اليهم حفنة مرتزقة من النخبويين ورجال الاعلام ثم ثلة متنفذة من اصحاب المصالح السياسية وهم الساديون السياسيون ,يتحول كل هذا المنجز الحضاري التونسي الى مشهد حيف سياسي في حق معارضين اختلفوا في الرأي وقد يكونوا أخطأوا بلا شك في بعض التقديرات السياسية,لكن هذا لايبرر اطلاقا تحويلهم الى ضحية بين يدي جلادين أمنيين أو اخرين سياسيين ايديولوجيين متطرفين أو من هم أخطر منهم من الساديين الاعلاميين الذين ليس لهم من هدف سوى التلذذ بملئ الجيوب مالا وقسمات الوجه ابتساما مغشوشا في وجه صانعي القرار,حتى تستمر البقرة الحلوب اغداقا عليهم من أموال كان من الأفضل أن تسخر لفائدة الصالح العام.
 
اننا بلاشك أمام سادية سياسية واعلامية في عباءة نخبوية أحسب أنها أشد خطورة ممن باشر التعذيب ,اذ أن الأولى يمكن علاجها باقصاء الجلاد من الوظيفة واحالته على التقاعد المبكر أو على ذوي الاختصاص من الأطباء النفسيين,أما الثانية فهي أشد وأنكى وذلك لأن أصحابها يمارسونها بمهنية واحتراف وهم يدورون مع الزمان والمكان حيثما دار ,فاذا وقع تغيير ولاة الأمور يغيرون الولاءات واذا حلوا بأرض جديدة لبسوا قناعا ألصق وأدرى بمتطلبات البئة الجديدة...
 
كان الله في عون التونسيين وكثير من العرب غلبة على شرور خفية وأخرى ظاهرة تتدفق من بين مخالب هؤلاء الساديين.
 
تاريخ النشر على الوسط التونسية http://www.tunisalwasat.info وليبيا المستقبل:10  سبتمبر 2006
 

أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com