لا أحسب أن
قرار المنع أو السحب من الأسواق أو بلغة اعلامية حديثة
المصادرة يمكن أن يخرج في تونس عن جهة غير وزارة
الداخلية التي يقودها نخبة من الضباط والاداريين
والتكنوقراط الخاضعين في نهاية المطاف كما هو حاصل في
جل بلاد العالم الى تعليمات الجهات السياسية العليا.
غير أن
الحاصل في تونس أن للجهات والمحافظات صلاحيات واسعة في
تنزيل القرار الى الدرجة التي يستفرد فيها بعض "المتسلقين"من
الزاحفين على المدن من المناطق الداخلية نتيجة الولاء
الحزبي والسياسي الأعمى على القرار دون الرجوع في بعض
القضايا الى المركز حيث العاصمة التونسية...
وقد يفسر
هذا أحيانا مانلحظه من تضارب في السياسات بين بعض
الجهات الداخلية القريبة من الحدود الغربية مع الجزائر
أو بعض السياسات المعمول بها في بعض المدن الأقل تنمية
مقارنة بكبرى مدن الشرق أو شمال البلاد أو وسطها.
خلفيات مصادرة الدمية فلة:
مصادرة
الدمية فلة التي حققت انتشارا كاسحا في بلاد مثل سوريا
ومصر وبلاد الخليج ,ولكنها لقيت اعتقالا سياسيا على
طريقة الأمني المهووس سياسيا وثقافيا وايديولوجيا في
بعض المدن الداخلية التونسية قد يكون مؤشرا على عدم
الانسجام بين المركز واللامركز,كما أنه قد يكون تعبيرة
عن الزحف الايديولوجي المتطرف الذي اكتسح كثيرا من
المؤسسات الأمنية للدولة حتى بات وجود دمية متحجبة في
الأسواق مقوضا لسياسات تجفيف المنابع على حد ماارتأته
بعض الأطراف العلمانية المتطرفة في الساحة التونسية.
وعندما تكون
العلمانية معتدلة بحيث تترك مساحات معتبرة للاختيار
والاعتقاد الشخصي والحريات الخاصة والعامة,فانها تغدو
حينئذ مشروعا مدنيا يمكن التفاعل معه في اطار الرؤية
السياسية والفكرية التي نتفهمها في كثير من الأقطار
التي تأخذ خصوصية لبنان أو تركيا أو أقطار أوربا ,حيث
أن مالاقته شعوب هذه البلدان من تجارب سياسية منفتحة
قد يكون مشجعا من أجل تفضيلها على تجارب لبست ثوب
الاسلام لتفرز دولة نسف الحداثة والتنمية والأخذ
باسباب العلم والتقنية واحترام حقوق المرأة مثلما هو
الحال مع نموذج طالبان...
أما في تونس
فليس من المفهوم حجم هذه العقد التي تصل أحيانا الى حد
الحقد على كل مايرمز للاستقلال الديني أو الاعتزاز
الحضاري,وهو مالمسناه من خلال الاصرار على تطبيق
المنشور 108,والالحاح سنويا على اقصاء ومضايقة ومصادرة
حق المرأة التونسية في اختيار زي معبر بأقدار كبيرة عن
قناعات دينية وثقافية متماهية مع الانتماء العربي
والاسلامي للبلاد .
المشكلة بلا
شك في الايديولوجيا المتطرفة المتسلطة على مؤسسات
البلاد ,حيث زحفت بعض الرؤى المادية واليسارية
المغالية على القرار من أجل تشكيل الوعي الجمعي عبر
الهيمنة على وسائل التوجيه الاعلامي والثقافي ومن ثمة
السياسي مع التغلغل عموديا من أجل القيام بتصفية
متجددة لكل بوادر الدفاع المدني والسلمي عن الذات
والهوية.
مصادرة صحيفة لوفيغارو
وفرضيات ماوراء القرار:
الا أن
لقائل أن يقول كيف للدولة أن تتخذ قرارا بمصادرة صحيفة
لوفيغارو بناء على ماروجت له من أقاويل على لسان
الفيلسوف روبار ريديكر في حق الاسلام والمسلمين منذ
يومين,اذا صحت فرضية أن أجهزة الدولة تخضع فعلا لأطراف
معادية للاسلام والهوية ؟
الجواب يمكن أن نقدمه في
شكل احتمالات نوجزها فيما يلي:
1-
نحن أمام دولة برأسين أو بأجنحة في استصدار القرار,وهو
مايفسر تناقض التوجهات فيما يخص ملف الهوية والمقدسات
والاسلام في تونس.
2-
نحن أمام
صراع بين أجنحة داخل أجهزة الحكم ,وهذا الصراع ينعكس
على توجهات الدولة وسياساتها,وبناء عليه فان لكل طرف
مساحة من القرار والنفوذ.
3-
نحن أمام
نخبة سياسية نافذة وعلى درجة عالية من الدهاء بحيث
أنها تمرر بعض القرارات باستصحابها بقرارات اخرى تشكل
ذرا للرماد في العيون من أجل تعويم واسقاط اتهام
الدولة بمعاداة الهوية والاسلام.
4-
نحن أمام
فرصة تاريخية للانتقام من بعض الصحف والمنابر
الاعلامية الفرنسية التي أصرت على تغطية الأوضاع
التونسية من منظور نقدي يزعج أجهزة الحكم.
موقع التجمع كحزب حاكم من
هذه الفرضيات:
من أجل
تنسيب هذه الفرضيات وتقريبها الى عالم المعطيات
السياسية الحقيقية ,فانه يمكن القول بأننا في تونس
امام أجنحة تشق الحزب الحاكم في رؤيته للأمور والقضايا
العامة وعلى رأسها ملف الحريات والاصلاح وموضوع
الهوية,حيث تتجاذب التجمع مراكز قوى متناقضة لم تصل
الى حد هذه الساعة الى الاعلان عن نفسها سياسيا .
الأسباب
التي تدعو جناحا عريضا من التجمعيين الى القبول عن مضض
بهذه الأوضاع معروفة,وهي بشكل رئيس هيمنة الجهاز
الأمني في تونس وسطوته حتى على رجال السياسة...
وفي الطرف
المقابل فان ظهور الاسلاميين التونسيين في مرحلة سابقة
وابتداء من مرحلة بداية الثمانينات بمظهر المنافس
للحزب الحاكم جعل أجنحة الحكم تتكتل من أجل مواجهة
ماوقع توصيفه في مراحل معينة بالخطر الداهم.
وضمن نفس
السياق فان تقريب الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة لبعض
الشخصيات اليسارية من منطلق الرغبة في الالتفاف على
الاتجاه الاسلامي على حقبة الثمانينات ,كل ذلك عبد
الطريق واسعا أمام أفواج من المـتأدلجين من أجل رسم
الخيارات الايديولوجية للحزب الحاكم ومن ثمة الامساك
بمواقع التوجيه الفكري والثقافي والاعلامي والسياسي في
مرحلة حساسة مرت بها البلاد على حقبة التسعينات...
الافاق السياسية للبلاد:
الثابت أن
استمرار حالة التعبئة ضد معالم الهوية ولو في مستوى
الاختيارات الشخصية للمواطنين يعمق الشعور بأن النفوذ
المذكور مازال مؤثرا وقويا ,غير أن ماحصل في الساحة من
تدين واسع وبعيد عن مظاهر التأطير السياسي قد يشكل
منعرجا جديدا في التعاطي مع الظاهرة لاسيما في ظل
مايحصل في المنطقة من تطورات سياسية ايجابية وكذلك في
ظل شعور داخلي بأن ملف المواجهة المباشرة بشكلها
الأمني قد استنفذ الأغراض والمراحل,يضاف الى كل هذا
عدم الاطمئنان الدولي لسياسات القمع الواسع وغير
المحسوب أمام ماأفرزه من ظواهر تفلت فكري وسياسي أدت
الى افراز عنف أعمى هدد مصالح الشرق والغرب.
وفي المقابل
فان الظاهرة الثقافية الاسلامية الهادئة قد تطل على
الساحة الوطنية في المستقبل القريب بمبادرات سياسية
ومفاجات تؤكد عمق ماحصل داخل التيار الاسلامي الحداثي
والمعتدل من عميق مخاض عسير وتحولات
أما مايحفل
به التجمع كحزب حاكم من حالة قلق تجاه تواصل السياسات
الأمنية وتعثر الاصلاح في بعض الواجهات ,مع ماتنتظره
الساحة الوطنية من حراك حقوقي وسياسي واعلامي ,كل هذه
العوامل الاضافية تعزز احتمالات اقدام السلطة على
خطوات مطمئنة من أجل تهدئة الساحة مع توغل الموسم
السياسي الجديد.
|