12/09/2007
 

التوريث السياسي
 
بقلم: عبد المنصف البــوري

 
ظاهرة توريث السلطة أو الحكم لأحد أفراد العائلة عرفت منذ القدم، حيث كان الأباطرة والسلاطين والملوك أو حتى الغزاة يورثون أبناءهم وإخوتهم أو أقاربهم السلطة والحكم، دون الرجوع إلى شعوبهم، غير أن هذه الظاهرة أصبحت تتقلص وتنحصر شيئاً فشيئا مع تطور الحياة الإنسانية ورقيها، وخاصة بعد نشأة الأنظمة الديمقراطية وانتشارها في بقاع مختلفة من العالم.
 
كما أن بعض الدول الديمقراطية التي حافظت على مسألة التوريث السياسي قننتها وحددتها وقلصت صلاحياتها إلى أبعد الحدود، حتى أصبحت في شكلها الرمزي فقط "بريطانيا- اليابان- هولندا- السويد- وغيرها"، لكن هذه الظاهرة لم تختفي بعد في الأنظمة الشمولية والدكتاتورية "كوريا الشمالية- كوبا- نيبال- وغيرها". وفي منطقتنا العربية والإسلامية، للأسف الشديد، قامت بعض الأنظمة العربية، التي اتخذت من النظام الجمهوري أو الثوري أساسا للحكم في التحول نحو التوريث السياسي، وغيرت في قوانينها ودساتيرها، أو تلاعبت تحت أسماء شتى ومبررات عديدة، وزيفت إرادة شعوبها من أجل إرضاء وخدمة الحاكم ومن يرثه في السلطة من أسرته.
 
هذا بدون شك تعطيل لأراده الشعوب ومصادرة لحقوقها في الاختيار والقرار، وإلغاء لرأيها في التعبير الحر في إدارة شؤون دولها، مما يطرح أسئلة عديدة حول هذا التوريث، ويفضح ادعاءات هذه الأنظمة "بالديمقراطية" و"حكم الشعب لنفسه"، و"منظومة القيم والمبادئ" التي ترفعها كشعارات مثل العدل والمساواة والحرية و العدالة الاجتماعية وغيرها.
 
ولعله من المهم التأكيد على أن الإطار الدائم والمستقر لأي مجتمع سياسي حر ومعاصر، يقوم على أساس من الشرعية القائمة على القبول والرضاء وحرية الاختيار والمشاركة السياسية، وليس على الجبر والإكراه المستند على التحكم والسيطرة والتسلط.

والأنظمة التي لا تستند إلى الشرعية المستمدة من الاختيار الشعبي الحر لها، غالبا ما تأتي عن طريق اغتصاب الحكم بالعنف، كالانقلاب العسكري، وتكون خارج إطار الشرعية الدستورية، وهى بطبيعتها استبدادية وتعسفية، وبالتالي فان انتقال السلطة بالتوريث في هذه الحالة يعد عملا غير قانوني وغير شرعي، وهو يقع في دائرة فرض الأمر الواقع.
 
ولعل الحالة الليبية مثال واضح لهذه الحقيقة، حيث جرى اغتصاب السلطة والاستيلاء عليها عبر الانقلاب العسكري، ولم ترد هذه السلطة إلى الشعب الليبي لكي يختار من يراه مناسبا لإدارة شؤون الدولة، وجرى الاحتفاظ بالسلطة لصالح "قائد" الانقلاب ومن معه وتجيير كل ما يتعلق بليبيا لمصلحتهم الشخصية، ولم يتم استفتاء الشعب الليبي حول من يحكم، وكيف يحكم وتحت أي "شرعية" يحكم.
 
القذافي الذي فرض نفسه على الشعب الليبي طوال ما يقارب من الأربعة عقود يريد أن ينقل السلطة والحكم إلى أبنه سيف بنفس الصورة المزيفة والباطلة. ولعل مسألة تسويق توريث سيف القذافي إلى الرأي العام الليبي بوصفه مقدمة لما يسمى بـ "الإصلاح"، ومدخل لما يسمى بالتحول نحو الديمقراطية الشعبية، هو في الحقيقة مجرد لعبة سياسية ظاهرها "الإصلاح" وباطنها التوريث.
 
كما يلاحظ التهميش والتغييب الكامل لما يسمى بالسلطة الشعبية ممثلة في المؤتمرات واللجان الشعبية حول عملية توريث سيف، مما يؤكد تأكيداً جازماً بان هذه "المؤسسات والأجهزة" هي شكلية القرار والتنفيذ و ديكور يتستر خلفه الدكتاتور معمر القذافي.
 
التوريث السياسي في ليبيا، يراد له أن يتم في ظل واقع سياسي مفروض ومغلق، أي في غياب كامل للمعطيات السياسية التي تسمح للمواطنين الليبيين حرية اختيار من يريدونه.
 
إن وصول سيف للسلطة يعني وجود صيغة قائمة على أساس استمرارية السلطة الاستبدادية، وإبقاء الأوضاع الراهنة على ما هي عليه لا تبديل ولا تغيير ولا إصلاح بمفهومه الصحيح.
 
هذا التوريث سوف يقضي على أي بارقة أمل للتخفيف من وطأة الظلم والفساد والنهب، فسيف تربى وترعرع في حضن الدكتاتورية ولن يخرج عن هذا النهج.
 
عبد المنصف البــوري
 

أرشيف الكــاتب


 

 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com